كان سعد الله ونوس واحداً من المبدعين العرب الذين آمنوا أن رسالة المسرح في الوطن العربي ترتبط عضوياً بكل المكونات والعناصر التي من شأنها أن تؤسس مشروعاً نهضوياً عربياً، وهذا ما جعله منذ أعماله الأولى حفلة سمر من أجل خمسة حزيران، والفيل يا ملك الزمان، ومغامرة رأس المملوك جابر التي كتبها في أواخر ستينات القرن الماضي كردة فعل على واقع الهزيمة العربية، وصولا الى أعماله الأخيرة يوم من زماننا والأيام المخمورة ومنمنات تاريخية التي غاص فيها في الواقع العياني والتاريخي لقراءة الأسباب التي أعاقت وما زالت تعيق الأمة العربية في الأخذ بأسباب التقدم.
كتب ونوس يزيد عن العشرين عملا مسرحيا خلال ثلاثين عاما. وكان حاضرا بقوة في المشهد الثقافي والمسرحي العربي، وقد أنتجت أعماله في معظم بلدان الوطن العربي خلال حياته وبعد رحيله، وعرف عنه تفاعله المبدئي مع كل القضايا الكبرى التي مرت بها الأمة، فهو قد اتخذ قرار التوقف عن الكتابة عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 لشعوره القوي بالصدمة والمرارة، ثم عاد مرة أخرى للكتابة بوعي كامل منه بأن المبدع والمثقف لا يمكن أن يتخلى عن مسؤولياته وهو الذي قال إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ. وفي ذكرى رحيله الحادية عشرة استطلعت الخليج الثقافي آراء مجموعة من المسرحيين في الوطن العربي حول واقع المسرح اليوم وحول الدور الذي لعبه الراحل في مسيرة هذا المسرح:
الممثل والمخرج السوري نضال سيجري قال: سعد الله ونوس وليد اخلاصي توفيق الحكيم الفريد فرج.. قامات كبيرة عملت في المسرح وقدمت له الكثير، وحينما نفكر بوضع المسرح وما آلت إليه أزمة النصوص الآن نشعر بالحزن خاصة بعد غياب سعد الله ونوس الذي ترك فراغاً كبيراً في عالم المسرح، إذ نلاحظ اليوم ضمور النص المسرحي، فلقد قدم جيل المبدعين السابقين لاسيما سعد الله ونوس تجارب إبداعية قائمة على الثقافة الأصلية والفكر النير والاستقاء من التاريخ والقرب من الواقع بكل ما يلوذ به ويحيط به، أما تجارب اليوم فتتخذ طابع التجربة الشخصية وتجارب المخرجين والكتابة الشخصية لها اهميتها لكنها بحاجة إلى مرجعية ثقافية حقيقية وأصلية وحينما نحلل هذه التجارب نعرف نجاحاتها وإخفاقاتها. إننا في هذا الوقت الصعب بحاجة إلى جيل من الكتاب الجدد يعترفون بإخفاقاتنا وهزائمنا ولا يخفون رؤوسهم مثل النعامة لا يختبؤون أو يقفون أمام الجميع ويعترفون بنجاحهم فقط، إننا بحاجة إلى محاولات جديدة ونصوص جديدة تملك مقومات العمل المسرحي والعرض الحكائي الدرامي والحوار الغني والفكرة الاجتماعية والنقد البناء لاسيما نقد الذات.
والحل برأيي لا يكمن بالعودة إلى النصوص المترجمة ولا بالتجارب الشخصية الفردية وإنما بوجود كتاب يحلمون ويكتبون على المستوى القومي مستوى الوطن العربي يعبرون في كتاباتهم عن هواجس الإنسان العربي ومعاناته مع نفسه ومع الآخر وفي الوقت نفسه يملكون كل اساليب ومقومات النص المسرحي والآن نرى لسد العجز تجري محاولات كثيرة لإعادة عروض قديمة نجحت بعضها لنصوص مترجمة وبعضها لتجارب فردية ومنها لقامات راحلة مثل سعد الله ونوس ويستطيع المتلقي العربي الآن أن يفهمها ويراها برؤية جديدة.
وتحدث المخرج السوري الدكتور تامر العربيد، فقال: يشكل المسرح جزءا من حياتنا اليومية ومن ثقافتنا وهو اليوم يعاني أزمات عدة، منها ما يتعلق بالنص المسرحي ومنها بالكادر البشري ومنها بالإمكانات المالية والآن نحن نمر بالذكرى الحادية عشرة لرحيل سعد الله ونوس الذي ترك فراغاً في الوسط المسرحي على صعيد النص لاسيما انه أغنى المكتبة المسرحية العربية وأثراها بمجموعة نصوص غنية تركت أثراً بالمسرح العربي عامة، وهناك محاولات لسد ذلك الفراغ، انها جميعها تحاول، إذ يعتمد المخرجون على كتابة النصوص المسرحية لأعمالهم فقط التي يخرجونها وفق أسلوبهم، وهذا الحل ليس كافياً لأنه لا يغني المكتبة المسرحية ولا يخلدها فهي تجارب آنية وليدة اللحظة والعمل لكن هذا لا يعني أيضاَ إننا لا نملك امكانات فكرية ومواهب خلاقة وقدرات إبداعية فالعمل المسرحي لا يتوقف عند اسم أو اسمين وهناك مسيرة جادة وبناءة في كتابة النص المسرحي الذي تجاوز الأزمة سواء بالكتابة أو بالاعتماد على النصوص المترجمة ولمعرفة ثقافة الآخر والاطلاع على مكنوناته الفكرية والثقافية وأعتقد أن هذا الحل لا يغني أيضاً عن كتابة النص العربي المسرحي القريب من هواجس الإنسان العربي ومعاناته وسلوكياته والقريب من الأزمات السياسية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتطور الحياتي على جميع الصعد.
ويرى المخرج والباحث المسرحي الدكتور فراس الريموني (الأردن) ان المسرح العربي مر في تجاذبات عدة وصراعات بين البحث عن شكل عربي مرتدا الى انثروبولوجيا ومثيولوجيا مجتمعاتنا بدافع التأصيل له، وآخرين استفادوا من التجربة العالمية وساروا على طريقها متأثرين بمناهجها ومدارسها، ومجموعات اخرى عملت على التجريب في المسرح بكسرهم للمألوف والغوص في المجهول، هذا التنوع دفع بالمسرحيين العرب الى تأسيس فرق وجماعات مسرحية تحت مسميات تدعم فكرتهم ، كما دفعهم الى إقامة الندوات الفكرية المتخصصة والمهرجانات المسرحية العديدة.
هذه التجارب غالبا ما كانت تقع في إشكالية التنظير والتطبيق واهتمامها بالشكل دون التفكير بالثورة الأدبية لطرح مضامين جديدة تعكس الحالة العربية المهزومة.
بينما كان هناك على الجانب الاخر المبدعون الذين أشعلوا شمعة أنارت الكثير من العتمة فكانوا طليعيين وتنويريين ذهبوا هم وبقيت شموعهم مضاءة يستهدي بها المثقفون، ومنهم المسرحي الراحل سعد الله ونوس الذي كان واحدا من القامات العالية التي رسمت ملامحاً فكرية وفلسفية للمسرح العربي في شكله ومضمونه، حيث كان يحلم بمسرح التسييس ويدعو للعودة الى البدايات الاولى ودراستها ومن ثم استلهامها لما فيها من غنى في الطقوس والاشكال التمثيلية والقصصية والاساطير والاحداث التاريخية. ويضيف: كان سعد الله ونوس يدعو الى مخاطبة العقل قبل العاطفة وتصوير الواقع بجرأة وصدق ، كان يحاول الخروج على صيغ المناهج التقليدية في المسرح باعتبارها ذات فهم ساكن ومحدود، كان ينشد في مسرحه الى ان يشحن لا ان يفرغ، ان يعلم الجمهور ويعكس له اوضاعه بعد ان يحلل ويضيء خفاياها وعليه يحفز الجمهور على تغيير قدرهم الراهن، فالمسرح العربي الذي نريد هو الذي يدرك مهمته المزدوجة ان يعلم ويحفز متفرجيه وهو مسرح لا يريح المتفرج او ينفس عن كربته بل على العكس هو المسرح الذي يقلقه ويهيؤه للتغير فعلى المسرح ان يكشف الحقيقة وإلا اصبح اداة تضليل.
رحم الله سعد ونوس الذي ما زالت مسرحياته (حفلة سمر من اجل خمسة حزيران) و(الفيل يا ملك الزمان) و(رأس المملوك جابر) تدق ناقوس الحرية والحق والعدل والجمال.
اما الكاتب المسرحي هزاع البراري (الأردن) فقال ان المسرح العربي مر منذ بواكير نشأته بمحطات مختلفة، كما ان حركته أخذت بالتصاعد مع حركات التحرر العربية، والفترة التي تلت الاستقلال، إذ بدأت البؤر المسرحية بالتوسع من الحواضر العربية كالقاهرة وبغداد والشام بيروت حتى تونس والمغرب العربي، ولعل ظهور سعد الله ونوس كمسرحي مكتمل الملاح الفنية وممتلكا للنضج الواعي فكريا وسياسيا، جعلت منه واحدا من ألمع المسرحيين العرب، فهو فنان شامل ككاتب ومخرج وإن برز ككاتب أكثر تأثيرا، فالنص دائم الحضور سواء في الذاكرة أو في متناول اليد عند القراءة.
ويرى البراري ان ذكرى سعد الله ونوس فرصة للنظر في مسيرة المسرح العربي، الذي جاء عبر عمره تعبيرا عن المراحل الاجتماعية - السياسية التي غيرت ملامح الواقع العربي، فلقد رصد المسرح مراحل النهوض وتماشى مع المد القومي، وسجل أيضا صور انكسار المشروع العربي، وانهيار الحلم بالوطن الكبير، هذا انعكس على شكل المسرح نصا وروحا وبناء فنيا، ولكن هذا الانكسار احدث تطورا ملموسا على المسرح حيث هجر المسرحيون الأنماط القديمة للمسرح، من أجل ابتكار اشكال جديدة تقوم على تشظي الشكل المتوافق مع تشظي الحالة الراهنة، وتكسر الذات.
واليوم نشهد نهضة مسرحية على امتداد الوطن العربي، خاصة مع توفر البنى التحتية، والدعم الرسمي وغير الرسمي، وأصبح لدينا أجيال من الأكاديميين المسرحيين والفنيين المحترفين، قد ازدهر المسرح الخليجي في العقدين الماضيين بشكل لافت، ولا شك أننا أمام توسع مسرحي تقني كبير.
اما المخرجة المسرحية سوسن دروزة (الأردن) فتعتقد بأن المسرح العربي لايزال يعاني أزمة النص المسرحي كنص أدبي مسرحي أو مكتوب للخشبة.
ففي السنوات العشر الماضية تعددت المهرجانات المسرحية وكثرت الفرق ولكن الكثير من مشاريعها تعثر بسبب عدم وجود نصوص معاصرة تحاكي الواقع العربي وتجد معادلها الفني والأدبي من دون أن تقع في المقالة أو المباشرة أو الفيديو الكليب المسرحي.
وقد تزامن رحيل النص مع رحيل كتاب مسرحيين مثل سعد الله ونوس واصدقاء مرحلته: محمد الماغوط وممدوح عدوان، وكانت خسارة هؤلاء كبيرة على جميع الصعد.
ولا زالت نصوص ونوس مصدراً ومنهلاً يغرف منه المسرحيون سواء أخذوا تلك النصوص ونقلوها إلى الخشبة كما هي أو قاموا بإعدادها أو الاستناد عليها، مما يؤكد معاصرتها واشتباكها مع الواقع وقدرتها على تخليق نفسها كالنصوص الكلاسيكية.
وهنا أحب أن أستذكر عملي كمخرجة على مسرحية الكاتب سعد الله ونوس الفيل يا ملك الزمان، والتي كانت مشروعي المسرحي الأول في بيروت وكانت السبب في بداية علاقة طويلة ومتأصلة بالمسرح.
وما زالت كلمة سعد الله ونوس في يوم المسرح العالمي ترن وتستخدم كأيقونة مسرحية تشجع المسرحيين على الدخول إلى المسرح وعلى مقاومة انقراضه وانقراض إنسانه وإنسانيته.
تلك الكلمة نحن محكومون بالأمل أدت بنا وحتى هذه اللحظة أن نكررها كبسملة مسرحية قبل الولوج في أي مشروع مسرحي فنقول نحن محكومون بالعمل.
ويرى الناقد المسرحي جمال عياد (الأردن) أن أهمية المسرح الذي طرحه ونوس، لا تأتي من النقد الحاد الذي تتضمنته مسرحياته فحسب، وإنما أيضا من المكاشفة القيمية والأخلاقية والاجتماعية، وخصوصا ضد الاستبداد السياسي والطبقي.
وهو أحد المسرحيين العرب الذين استطاعو أن يحفروا فكريا في منطقة خارج البناء الثقافي السائد المنتج من قبل آليات المجتمعات البدوية والريفية، وحاولوا الاقتراب بنتاجاتهم من إدخالنا إلى مجتمع المدينة والذي من أهم أركانه شيوع الديمقراطية، والتعددية، واحترام حقوق الإنسان، وهذا برأيي أهم معطى فكري استطاعت أعمال ونوس أن تدفعنا إلى الاشتباك معه تنويريا.
أما المخرج عصام السيد (مصر) فيرى أن الذي يحدث في المسرح العربي شبيه بما يحدث في مجتمعنا، فالمسرح انعكاس للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأنه لا ينفصل عن حياتنا وإذا أردنا أن نصلح المسرح فعلينا بتغيير واقعنا المظلم. وأنا كمخرج أجد أن دوري يتركز في مقاومة التيارات المتخلفة والرجعية والابتذال، فالفضائيات كانت سببا في تراجع دور المسرح، وكنت أتمنى أن يوجد بيننا الآن الكاتب المعاصر سعد الله ونوس الذي كان يأخذ من التراث منمنمات تاريخية وله كتابات مسرحية ونقدية مهمة أسهمت في تأسيس المسرح العربي، ليرى مدى التراجع الذي أصابنا لعله يجد لنا مخرجا بعد أن صار الإصلاح ضربا من الخيال.
طموحات الواقع
لقد رحل هذا الكاتب الفريد سعد الله ونوس في وقت تجلى فيه التراجع المسرحي العربي بشكل عام، وهذا يرجع لحالة العالم العربي على المستوى السياسي، وبالتالي فإن كل التوجهات التي كانت تحكم نهوض المسرح بشكل عام منزوعة الاستقلالية، والتقدم الحقيقي أصبح مجهضا تماما، بعد أن افتقدنا الحركة الحية التي تعبر عن طموحات الواقع الذي نعيشه والذي صار أكثر سوداوية برحيل سعد الله ونوس، ورغم ذلك لابد أن أعترف بوجود بعض المواهب الإبداعية التي لم تتأثر بالمناخ، لأن فن المسرح قائم على الابتكار غير الفنون الأخرى، فمثلا الشعر موجود في كتاب وتستطيع أن تقرأه عبر السنين لكن المسرح يحتاج إلى تجديد الأفكار حتى تناسب الزمن الذي نعيش فيه.