مصطفى الطاهر.. نسابة عصري

ورث عقود زواج يزيد عمرها على مائة عام
12:30 مساء
قراءة 4 دقائق

يمتاز المصري مصطفى الطاهر سليمان ليس فقط بما يملكه من وثائق ومخطوطات قديمة يرجع تاريخ بعضها إلى أكثر من مائة وخمسين عاما، وإنما بوصفه نسابة عصري، لا يعتمد على فراسة النساب ومعلوماته القديمة، وإنما يتخذ من عقود الزواج الموثقة والموجودة تحت يديه ومن قبله والده وجده، مادة لتسلسل الأنساب.

ويفتخر العم مصطفى الطاهر سليمان بأنه حفيد لأول أزهري في الصعيد، تلقى العلم في استانبول بتركيا قبل أن يتولى مهام المأذونية ويعمل قاضيا شرعيا، في أواخر القرن التاسع عشر.

ويعيش العم سليمان في قريته الصغيرة التابعة لمحافظة قنا جنوب مصر، على ذلك الميراث الذي خلفه له جده، فخورا ببشرته البيضاء المشربة بحمرة جميلة، التي يقول عنها إنه ورثها عن جدته سكر هانم، وكانت تركية رائعة الجمال، وهي في الوقت ذاته ابنة الأستاذ الذي علم جدهم العلوم الشرعية، فزوجها له إعجابا به، فأنجب منها البنين والبنات اللاتي ورثن جمال الأم.

في بيته البسيط الذي يكشف عن حالة قريبة من التقشف يعيش العم سليمان مع أوراقه القديمة، فخورا بتلك الحالة من التقشف التي يفسرها بأنها من تقاليد جده الكبير، الذي كان يرفض عطايا الأفندية والباشاوات له، حتى إن بيته رغم أنه كان بيت القاضي وتؤمه علية القوم، إلا أنه كان بيتا بسيطا غير مرتفع البناء، حتى إن الرجال الذين كانوا يركبون الجمال من قبائل العرب، كانوا ينزلون من على إبلهم حين المرور من أمامه، مخافة أن يلمحوا نساء العائلة، واحتراما لقاضٍ كان رمزا للتقى والورع في عيونهم.

وتضم عقود الزواج التي تركها الجد وورثها العم سليمان عن أبيه الأنساب القريبة للعديد من عائلات الصعيد المصري، أي ما بين الجد السابع لأي شخص، أو الثامن وهي أنساب ضرورية لتحديد ما يسمى بشجرة العائلة.

وتبدو تلك العقود في صورتها النهائية متسقة تماما مع تاريخ تحريرها، وأفكار القرن قبل الماضي، بداية من تحديد قيمة المهر، ومرورا بالأسماء التي كانت شائعة حينذاك، وليس انتهاءً بأخلاق وقيم المجتمع الذي كان الأفراد يعتنقون مبادئه.

ويقول العم سليمان: لم يكن جدي يدون عقود الزواج فقط، بل كان يدون إيصالات الأمانة الخاصة برد الحقوق لأصحابها، ومن أهمها ذلك الإيصال الذي كتبه عام 1801ميلادية، عن رجل يدعى عبدالمجيد أحمد، وكان هذا الرجل حصل من رجل يدعى مرسي جاد عبدالحميد على إردب من الغلال خالية من السوس، وكان الإيصال يشترط أن يرد الرجل الأول إردبا مماثلا من الغلال، بعد مرور عام وأن يكون خاليا من السوس، وهو يبين لنا مدى الأمانة بين الناس في تلك الفترة وطبيعة أخلاقهم العالية.

وماذا عن بعض عقود الزواج الغريبة التي دونها جدك وكانت تحمل سمات العصر الذي دونها فيه؟

من عام 1801 إلى عام 1840 تحمل عقود الزواج التسلسل الحقيقي لقيمة المهور عند الصعايدة، إلا في بعض العقود التي كانت للأغنياء من أهل الصعيد وكانوا قلة، والغريب أن أعلى قيمة مهر في مخطوطات جدي، هو العقد الذي دونه عام 1893ميلادية للمدعو سيد علي حسن، على البنت البكر رية بنت سلام، وكان مهرها لا يتعدى 487 قرشا، وكذلك العقد الذي دونه في العام 1891ميلادية لزواج الرجل المكلف حسان سليمان عبد الجواد، على البنت البكر ستهم بنت علي موسي جاد، وكان مقدار مهرها 550 قرشا، أما كل عقود الزواج قبل هذا التاريخ فلم يتعد قيمة المهر 125 قرشا، بخلاف عادات قبائل العرب خاصة قبائل العبابدة والعزازمة، التي دون عقودها بما يحدده القانون العرفي لهما.

هل تحمل عقودك أهمية في تحقيق الأنساب؟

قيمة عقود الزواج التي دونها جدي تحمل فائدتين في علم الأنساب، الأولى هي الجد القريب، أي المكون الأساسي لاسم العائلة التي بها تعرف، والثانية هي معرفة غير الواضح في الأسماء البعيدة للجد القريب، خاصة أن جدي كان يدون الاسم الثلاثي للمتزوج، مما يجعل تجميع تلك الأسماء يمثل شجرة عائلة قريبة للعائلات المعروفة، كذلك كان جدي يحصر عقود الأراضي والحدود، بجانب أن عقود الزواج تمثل لمن يريد أن يعرف، تلك المعتقدات التي كان يعتنقها الصعيد في هذه الفترة.

ماذا عن بعض الطرائف الموجودة في عقود الزواج لديك؟

للأسف بعض عقود الزواج تهالكت، لدرجة أن بعضها لا يوضح أي شيء عدا أسماء المتزوجين حديثا، ولكن ستلاحظ أن عقود الزواج كتبت بلغة تلك الفترة وهي اللغة العامية الدارجة، فمثلا بنت لا تكتب بنت بقدر ما تكتب (بت) مثلما يطلق الصعايدة، وكذلك المرأة كتبها جدي المرا، أما أغرب شيء في عقود الزواج فهو ما تحمله من أسماء، فمن أسماء قبائل العبابدة في تلك الفترة: قرنفلة، ورية، أما الرجال فمن بينهم: ركابي، وكلب، وعبادي، وهي أسماء ليست شائعة الآن، هذا بجانب أن بعض عقود الزواج لقبائل العرب، كانت تحمل الى جانب قيمة المهر المادية الأشياء الأخرى مثل الجمال والأبقار التي تهدى للعروس.

هل انتهت المأذونية في عائلتكم؟

جدي السادس أرسى المأذونية في عائلتي، وترك كل جيناته فينا بداية من جمال الشكل ومرورا بضخامة أجسادنا، ونهاية بعدم اهتمامنا بمظاهر الحياة الدنيا، وقد ترك الجيل المتعلم من العائلة الصعيد وهاجر، مما جعلني الوحيد الباقي الذي أعيش بذلك الميراث.

هل تحمل عقود الزواج الموجودة تحت يديك أسرارا مهمة؟

نعم هناك كثير من الأسرار المهمة في عقود الزواج، وهي أسرار تمثل معلومات من الصعب الإفصاح عنها، خاصة أن جدي عاش في مجتمع لم يكن قد تخلص بعد من الزواج بالجواري، لذلك أرفض من يريد أن يطلع على أسرار غيره، وربما أعطيها لمن تكون تلك المعلومة تخصه، مع الوصاية الدائمة له بأن الله خلقنا أحرارا، وأن الإنسان هو الذي استعبد نفسه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"