وسط العاصمة الموريتانية نواكشوط يبدو سوق كابيتال كما لو كان قلعة قديمة تستقبل السياح من كل أنحاء العالم للوقوف على جزء من ثقافة الماضي، لكن بمجرد العبور إلى الجانب الآخر من الرصيف يستقبلك السوق بصخبه المعهود لتكتشف أنه سوق نحته معماريون موريتانيون على طريقة القلاع القديمة ليحمل جزءاً من ثقافة التاريخ وليتحول في ما بعد إلى أكاديمية تجارية عرفية يتخرج منها رجال أعمال كبار بعد أن يدخلوها مجرد باعة صغار .
هنا يمكنك الحصول على أي شيء، وهنا يتحول السوق كل يوم إلى ملجأ للمهاجرين السريين ورجال السوق السوداء، ويتحول أيضاً إلى مساحة يمكن للمرأة أن تثبت فيها طموحها وجدارتها، وهنا تبقى مكانة خاصة للمكتبات الإسلامية الصوتية العريقة .
هنا يمكنك أن تأكل طبق كابيتال الشهير الذي يتكون من اللحم والبصل المشوي، ويمكنك أيضاً الاطلاع على آخر أزياء الموضة الموريتانية، وآخر تقليعات مساحيق التجميل والعطور والنظارات، إنه سوق يكشف لك عن جانب من جماله وثرائه كلما تعمقت فيه أكثر، لتكتشف إن كنت فطناً أن سوق كابيتال المركزي، هو واحد من أغرب الأسواق في إفريقيا وأكثرها تأثيراً في السياسة والاقتصاد والمجتمع .
تأسس هذا السوق قبل أربعين عاماً غربي العاصمة نواكشوط الناشئة آنذاك، حيث بني في السبعينات من الأخشاب والزنك، وسرعان ما تحول إلى سوق مركزي يعج بأنواع البضائع والرجال والنساء الطامحين لخوض غمار التجارة .
لكن حادثاً غير مجرى تاريخ هذا السوق، عندما اندلعت فيه النيران بعيد تأسيسه بسنوات قليلة لتلتهم كل شيء، وتترك أصحابه في مواجهة كومات من الرماد .
وقتها لم يكن للموريتانيين الضالعين في الفقه تفسير سوى أن ذلك نتيجة لممارسة الربا في هذا السوق، وهو ما نفاه التجار الذين أكدوا أنهم يجرون معاملاتهم وفق الشريعة .
وهنا أخذت الدولة على عاتقها المسؤولية وقامت ببناء السوق بمواد البناء الحديثة وظلت تؤجره للتجار إلى يومنا هذا .
لكن لسوق كابيتال تاريخ طويل مع النار، فقد شهد حرائق كثيرة في الثمانينات والتسعينات .
واليوم يتربع السوق كأشهر سوق في موريتانيا ومقصد للفقراء والأغنياء والسياح والزائرين وهواة التسوق وحتى الباحثين الاجتماعيين .
أرزاق وأخلاق
من الجانب الغربي يستقبلك سوق كابيتال بجناحه الخاص بالأزياء، النساء في الأعلى والرجال في الأسفل، هنا تدير النساء أكبر سوق للأزياء النسائية الموريتانية المعروفة بالملحفة، وهنا يتم إطلاق آخر صيحات الموضة والتي تلجأ النساء عادة إلى الفنانات المشهورات ومذيعات التلفزيون الحكومي لترويجها قبل دخولها السوق، وفي هذا السوق يمكن لعشرات المطلقات ومعيلات الأسر إثبات جدارتهن في الكفاح الطويل مع الحياة، وتسود هنا قاعدة مهمة لدى نساء السوق حيث لا يترددن في القول إنهن يخضن صراعاً صعباً في ما يتعلق بالبحث عن الأرزاق والحفاظ على الأخلاق . وتعود هذه القاعدة إلى الثمانينات من القرن الماضي عندما أطلق العلامة الموريتاني بداه ولد البوصيري فتوى شهيرة بأن للنساء الحق في العمل في السوق المركزي ولكن بشرط الحفاظ على معايير أخلاقية تجعل عمل المرأة مع الرجال ممكناً وفق تعاليم الشريعة الإسلامية .
الفتوى التي أطلقها العالم الذي ظل يشكل سلطة دينية محترمة لأكثر من أربعين عاماً حين كان مفتي موريتانيا الأول، كان لها دور كبير في دعم عمل المرأة حيث تخرجت سيدات أعمال كبيرات في موريتانيا من أجنحة هذا السوق ولعل أبرزهن لمات بنت مكية وهي سيدة الأعمال والسياسية المحنكة التي استقبلها الرئيس الأمريكي أوباما في البيت الأبيض بوصفها واحدة من أهم سيدات الأعمال في المنطقة الإفريقية، فالسيدة التي تقود اليوم شركة اتابليسماه شنقيط حملها طموحها إلى خوض تجربة الأعمال في سوق كابيتال لتصبح اليوم رمزاً مهماً للمرأة المكافحة في بلادها .
وتعتقد ميمونة بنت السالك، وهي بائعة ملابس نسائية، أن جناح النساء في سوق كابيتال هو أكبر مغذ للأسواق الصغيرة بالملاحف والفساتين النسائية المستوردة من مختلف أصقاع العالم وخاصة الفساتين الفرنسية ذات التصاميم الرائعة .
ميمونة تعمل طوال شهر رمضان من كل عام على تجهيز محلها التجاري ليصبح جاهزاً قبل عيد الفطر لاستقبال زبائنه الراغبين في شراء أزياء تتناسب مع أفراح عيد الفطر المبارك، وتعلق على ذلك بالقول: نحن نصوم عن البيع اضطرارياً، حيث يتراجع الشراء بصفة عامة، لكن في عيدي الفطر والأضحى تكون الأيام الذهبية حيث نعوض كل أوقات الكساد .
ورداً على سؤال يتعلق بدخول الرجال في موريتانيا مجال بيع الأزياء النسائية تقول السيدة الأربعينية إن محلها لا يخلو من ملابس رجالية خاصة القمصان حيث تبيع السيدة لمجموعة زبائن من الطبقة الراقية وتوصل الطلبات إلى منازل مسؤولين كبار في الحكومة الموريتانية .
ميمونة بدت أكثر انفتاحاً من صديقاتها لكنها لم ترغب في التقاط صورة لها مؤكدة أنها سيدة متزوجة وقد لا تروق زوجها فكرة ظهورها في الإعلام .
جناح الرجال يقع مباشرة تحت جناح النساء وقد تمكن من خلاله مئات الشباب من استيراد أحدث أنواع الملابس الرجالية بدءاً من أمريكا وصولاً إلى آسيا مروراً بأوروبا، محالّ راقية تتميز بأضوائها الأخاذة وموسيقاها الجذابة ولا ينسى مديرو محالّ أن يرتدوا بنطلونات حديثة وقمصاناً مستوردة للتو للفت انتباه زبائنهم الذين هم في الغالب شباب مودرن حسب تعبير مؤسس محل شهير في السوق .
تحويلات مالية ضخمة
في سوق كابيتال تمكن عشرات التجار من إنشاء سوق سوداء ضخمة من خلال التحويلات المالية غير الخاضعة للمعايير المصرفية، ومن المفاجئ أن يتمكن شخص رث الثياب يقف في أحد أروقة السوق، من تبديل مبالغ ضخمة في دقائق من اليورو أو الدولار إلى الأوقية الموريتانية بكل بساطة لأحد الزبائن، حيث يتجول عشرات التجار وسط السوق في الشوارع الضيقة بأزياء بسيطة جداً ورثة أحياناً ويسألون كل رواد السوق عما إذا كانوا سيستبدلون شيئاً وهي عبارة تعني استعدادهم للقيام بعمليات تبديل العملات، لا يبدو من هيئاتهم أنهم يقدرون على ذلك، ولكن من يعرف سوق كابيتال يعرف أن الزهد الظاهر يغلب على تجارها، فالملياديرات هنا قد يظهرون بأزياء بسيطة لا يتعدى ثمنها 16 دولاراً .
أما عمليات تحويل الأموال فهي تجربة مثيرة للاهتمام في هذا السوق . . حيث يتم تحويل الأموال إلى مستحقيها عن طريق محالّ صغيرة في مختلف دول العالم .
وقد تمكنا من حضور عملية تسليم مبلغ نصف مليون أوقية لشاب موريتاني أرسلها إليه شقيقه من أنغولا تلك الدولة الإفريقية العائمة على بحر من النفط والتي هاجر إليها آلاف الموريتانيين لتحسين ظروفهم المعيشية . وهي عملية من بين عشرات العمليات اليومية التي يقوم بها العاملون في السوق السوداء .
هذه السوق السوداء التي تعصف باقتصاد البلاد تحقق أرباحاً خيالية لمئات الرجال ومن بين هؤلاء ع . ش فالرجل الذي أفلس بعد حريق هائل تعرض له السوق في السبعينات أعاد بناء ثروته عن طريق التحويلات المالية السريعة حيث يكفي أن يتلقى اتصالاً هاتفياً من أحد عملائه المنتشرين في دول العالم المختلفة ليصرف مبلغاً لهذه السيدة أو ذلك الشاب على أن يأخذ عمولته من المبلغ الأصلي .ويقول ع .ش وهو يمسح على بطنه التي بدأت تكبر: الحمد لله . . . . الدنيا هكذا دائماً تأخذ من هنا وتعطي من هناك . . الدنيا أرزاق . . لم يشأ الرجل الخمسيني الإطالة في الحديث خاصة بعد أن لحظ جهاز الكاميرا، التجار الموريتانيون لا يطمئنون كثيراً إلى الكاميرا .
تنوع مدهش
يدهشك سوق كابيتال بأجنحته المختلفة كجناح الصناعة التقليدية الذي يحفل بالبخور المصنع محلياً وأدوات الصناعة الشعبية الفاخرة، وجناح العطور والحلي النسائية، وجناح المعدات المنزلية والحقائب مروراً بأجنحة مختلفة متخصصة في عرض الأحذية النسائية والرجالية وبين هذا وذاك يمكنك تناول الشاي الموريتاني برغوته الشهيرة، فقد جند عشرات الرجال أنفسهم لإعداد الشاي وبيعه للمتسوقين بأسعار زهيدة .
وقبل مغادرتك للجانب الشرقي من السوق يطل عليك الباعة المتجولون الذين يعرضون بضائع مختلفة (الأحذية المحلية - الساعات الرخيصة - مواد التجميل ذات الماركات المزورة - والبضائع المستعملة - كما تعرض السيدات الأنواع الرخيصة من الملاحف) وهنا يجد عشرات المهاجرين السريين مكانهم المفضل حيث يتمكنون من عرض بضائع مختلفة تمكنهم من العيش في بلد العبور إلى أرض الأحلام في أوروبا .