مقاصد الشريعة الإسلامية

01:52 صباحا
قراءة 3 دقائق
هناك مفردات تتكرر كثيراً ولا بد للمسلم مهما كانت درجة ثقافته من أن يفهم معانيها، ومن هذه المفردات "مقاصد الشريعة" فماذا تعني كلمة "المقاصد" لغة واصطلاحاً؟
معنى المقاصد: في اللغة المقصِد من قَصَدَ وله معان كثيرة منها : الهدف المنشود، ورد في لسان العرب لابن منظور: أَقْصَدْتَ الرجلَ إِذا طَعَنْتَه أَو رَمَيتَه بسهم فلم تُخْطئْ مَقاتِلَهُ . . . وقوله في الحديث "ليس وراءَ اللهِ مَرْمىً" أَي مَقْصِدٌ تُرْمى إليه الآمالُ ويوجَّه نحوهَ الرَّجاءُ، والمَرْمى موضعُ الرَّمْيِ تشبيهاً بالهَدَف الذي تُرْمى إليه السهام .
أما في الاصطلاح فمقاصد الشريعة هي الحكمة التي قصدها الشارع سبحانه وتعالى من تنزيل التشريعات والغاية التي وضعها في كل حكم منها، وهي المصالح التي يجب تحصيلها والسعي في رعايتها والعناية بحفظها .
ترجع الأحكام والتكاليف في هذه الشريعة السمحة إلى حفظ مقاصدها المتمثلة في تحقيق مصالح العباد وإسعادهم في الدنيا ودار المعاد، وهذا واضح في جميع تفاصيلها، قال تعالى عن مبعث الرسل عليهم السلام "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل" (النساء 165) .
وهذه المقاصد مطلقة عامة لا تختص بأمر دون أمر أو باب دون باب، وهي ثلاثة أقسام على تفاوت بينها:
- الضروريات: وهي التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث لو فقدت لم تستقم هذه المصالح مما يفوَّت على المرء نعيم حياته والنجاة في آخرته، فهي كليات الشريعة وقواعدها التي يجب حفظها، ويكون حفظها بمراعاتها من جانب الوجود أي بإقامة أركانها وتثبيت قواعدها وبفعل ما به قيامها وثباتها، وكذلك بمراعاتها من جانب العدم أي بدرئها من حدوث أي خلل فيها وبترك ما به تنعدم .
ومجموع الضروريات التي يجب حفظها خمس مرتبة على النحو التالي: الدين، النفس، النسل، العقل، المال، ومن العلماء من يقدم النفس على الدين .
ومن العلماء من يرى وجود ضروريات أخرى غير هذه كالعرض مثلاً، فحفظه من القذف والسب من المقاصد الشرعية المهمة، وكالتيسير على العباد ورفع الضرر والضيق عنهم، وكالعدل والحرية والمساواة والائتلاف والإصلاح وعدم الإفساد وغيرها .
ولا تقوم مصالح الدين والدنيا والآخرة إلا بالمحافظة على هذه الكليات الخمس، فلو عَدِمَ الدينُ عَدِمَ ترتُّبُ الجزاء الأخروي المرتجى، ولو عَدِمَ المكَلَّف (النفس) لعَدِمَ من يَتَديَّن، ولو عَدِم العقل لارتفع التديُّن، ولو عَدِمَ النسلُ لم يكن بقاء، ولو عَدِمَ المالُ لم يبقَ عيش .
ولأن هذه الضروريات هي المقاصد الأصلية فهي متعينة على كل إنسان بنفسه بأن يحفظ دينه اعتقاداً وعملاً، وأن يحفظ نفسه قياماً بضروريات حياته، وأن يحفظ عقله ليتمكن من تلقِّي الخطاب من ربه، وأن يحفظ نسله وصولاً إلى بقاء أثره وامتداده في الحياة الدنيا وعمارتها وصيانة له عن اختلاط الأنساب، وأن يحفظ ماله للاستعانة به على تحقيق هذه الأصول الأربعة .
- الحاجيات: وهي التي يُفتقر إليها من حيث التوسعة على المكلفين ورفع الضيق المؤدي غالباً إلى وقوع الحرج والمشقة بهم، مما قد يفوِّتُ حكمتها ويضيِّعُ ثمرتها، لكن هذا الضيق لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة . ومنها إباحة التمتع بالطيبات المحللة، وتشريع الرخص للتخفيف من مشقة العزائم .
- التحسينات: وهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات، ولا يخل فقدانها بالضرورات أو بالحاجيات، وهي راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية وجارية مجرى التحسين والتزيين . وبناء على ذلك فالتحسينات هي كالتكملة للحاجيات، والحاجيات هي الأخرى كالتتمة للضروريات؛ إذ إن الضروريات أصل المصالح، مع مراعاة أن هذه المكملات لو عادت على الأصل بالإبطال فإنها غير معتبرة .
ولا بد من الإشارة إلى أن المقاصد الضرورية في الشريعة هي أصل للحاجيات والتحسينات بحيث يلزم من اختلالها اختلال فيهما، فمن باب أولى أن يختل الفرع إذا اختل الأصل .

* قاضي قضاة فلسطين - رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"