أرسى القرآن العظيم الخطوط العامة للإدارة ومن خلال دراسة هذه القواعد وتحليلها يمكن استجلاء وتبيان أسس الإدارة الإسلامية.
العنصر الأول في إدارة المجتمعات البشرية هو صناعة الإنسان، وأولئك الذين يعتمدون طريقاً ومنهجاً آخر سيكون مصيرهم الإخفاق، كما حدث للماركسية التي جعلت تغيير المجتمع البشري مرهوناً بتحول وسائل الإنتاج، واعتبرت الإنسان خاضعاً لها، فكان هذا الأمر مدعاة لإخفاقها الذريع.
الرؤية الكونية من المنظور الإسلامي تقول لنا إن أساس كل شيء هو التوحيد والوحدانية بمعنى أن الإسلام بأكمله يلخص في حقيقة التوحيد ونفي الشرك وعلى هذا الأساس، فإن الكون بمجموعه ليس إلا وحدة واحدة، أوجدها رب واحد، وكل حركة وتدبير في هذا العالم يعود إليه، وهذا ما يسمى توحيد الأفعال، أي أن مصدر جميع تحولات الكون هي ذات الله تعالى.
وهنا تطرح مسألة الربوبية، أي التدبير الذي يحكم الكون، ويعني أن جميع ما في الكون يخضع لادارة واحدة ولمدير واحد هو الله تعالى..وكلمة رب هي في الأصل تعني: الرئيس والمصلح والمدير والمدبر، ومصدرها التربية، بمعنى تربية الشيء مرحلة فمرحلة، لبلوغ مستوى الكمال.
فجميع الإدارات وفقاً لهذا التفكير تعود إلى إدارته سبحانه، كما أنه مصدر جميع الملكيات، لأنه مالك الكون بأسره، وهكذا فقد منح الله تعالى الإنسان الحرية، والكفاءة، والملكية والإدارة في حياته. واختاره خليفة له في أرضه، ومنحه جميع الإمكانات اللازمة لتحقيق هذه الخلافة.
إن إدارة الله تعالى للكون هي على أساس رحمته العامة والخاصة، كما في سورة الفاتحة التي نقرؤها يومياً في صلواتنا، فبعد وصف الله برب العالمين نصفه بالرحمن والرحيم، أي أن الكون هو ساحة هاتين الصفتين الإلهيتين، الرحمن والرحيم.
وإدارتنا أيضاً يجب أن تقوم في جميع المجالات على أساس الرحمة العامة حب المنافس والصديق، والرحمة الخاصة الحب الخاص للأصدقاء المقربين والمخلصين.من هنا، فالذي يربط المديرين بالعاملين في دائرة واحدة، هي رابطة الصداقة والصفاء والإخلاص والمحبة، وهي التي تدفع المجموعة إلى الأمام بقوة.
التقيد بالشريعة
إن الإدارة البشرية في أداء واجباتها واستيفاء حقوقها مُقيّدة بعدم الخروج على نصوص القانون الإسلامي أو روحه، وذلك عملاً بقوله تعالى في سورة المائدة: وأن احكم بينهم بما أنزل الله سورة المائدة/ 49 وقوله تعالى في سورة الجاثية: ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون سورة الجاثية/ 18. وإذا كانت الإدارة مُقيّدة بأن تتبع الشريعة وأن تدير شؤون الناس طبقاً لنصوصها، فمعنى ذلك أن سلطتها مُقيّدة بنصوص الشريعة فما أباحته فقد امتدّ سلطانها إليه، وما حرّمته عليها فلا سلطان لها عليه.
وإذا كانت الشريعة قد بيّنت للإِدارة حقها وواجباتها وألزمتها بألا تخرج عن أحكامها، وجعلتها كأي فرد عادي فلم تُميزها على غيرها بأي ميزة سوى السلطة، فكان من الطبيعي تحقيقاً للعدالة والمساواة أن تُسأل الإدارة عن كل عمل مخالف للشريعة سواء أتعّمدت هذا العمل أم وقع منها نتيجة إهمال، ما دام الكل يُسأل عن أعماله المخالفة للشريعة عبدالقادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي ج1 ص41-46.
كما أن سلطة الإدارة في الإسلام ليست مطلقة بغير حدود لها أن تفعل ما تشاء وتدع ما تشاء، بل هي مقيدة بأحكام الشريعة أو المصلحة العامة للمواطنين. وبمعناه قال ابن خلدون في مقدمته: إن سلطان الدولة يجب أن يستند إلى شرع مُنْزل من عند الله أو إلى سياسة عقلية تُراعى فيها المصالح العامة (ابن خلدون: في مقدمته ص302- ،303 من طبعة دار إحياء التراث العربي في بيروت).
كما أن الفقهاء بنوا على ذلك القاعدة الكلية القائلة إن: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة (الدكتور صبحي محمصاني: أركان حقوق الإنسان ص 94)، فالإدارة الإسلامية هي جزء من الأمة اختيرت لتسيير أعمالها، فإذا كان لها من حقوق على الرعية فإنما يكون ذلك في مقابل واجباتها تجاههم. (الدكتور سمير عاليه - الدولة في صدر الإسلام).
وفي الإدارة الإسلامية يكون الاعتماد الأساسي على الدوافع المعنوية، ويتم عبر التعليم العقائدي والأخلاقي المستمر دون ترك أو إهمال الدوافع المادية.. فعقيدة المسلم تتمثل في مساعدة الأخ لأخيه المسلم، وخاصة إذا كان محروماً ومستضعفاً، وهي عبادة كبيرة. فقد جاء في الحديث المشهور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الناس أنفعهم للناس، وهذا أنموذج بارز لهذه التعاليم. وهناك أنموذج آخر، وهو أن العامل المسلم يتساوى عنده أن يكون في المعمل ودائرة العمل أو المزرعة أو في المسجد لأداء فريضة الصلاة أو الدعاء، والعمل بهذا المعنى يعد عبادة بالكامل.
المعنى الاصطلاحي
الإدارة كمفهوم هي الاستخدام الفعال والكفء للموارد البشرية والمادية والمالية والمعلومات والأفكار والوقت من خلال العمليات الإدارية المتمثلة في التخطيط، والتنظيم والتوجيه والرقابة بغرض تحقيق الأهداف.
أما علم الإدارة فهو ذلك الفرع من العلوم الاجتماعية الذي يصف ويفسر ويحلل ويتنبأ بالظواهر الإدارية، والسلوك الإنساني الذي يجري في التنظيمات المختلفة لتحقيق أهداف معينة. والإدارة كذلك هي فن لأنه لا بد للمدير أن يمتلك القدرة الشخصية على تطبيق الأفكار والنظريات والمبادئ الإدارية بطريقة ذكية ولبقة تعكس الخبرة والتجربة والممارسة.
إن التنظيم والانسجام يجب أن ينفذا إلى عمق تشكيلات العمل بشكل أوتوماتيكي لمواجهة أي طارئ ..فهذان العنصران يلعبان دوراً مهماً في الإدارة، وبخلافه فإنه من الممكن فوات الفرصة التي تعتبر كل لحظة منها مصيرية، فلا بد من الاهتمام بالعمل الرقابي في الإدارة تخطيطاً وتنفيذاً وتقويماً وإجراء الدراسات والبحوث اللازمة لتحديد المعوقات التي تعترض سير العمل.
وفي عالم الطبيعة ثمة دورات للحياة تعمل ضمن حركة دائرية منتظمة فمثلاً الأمطار تتساقط، فتجري المياه، ليرتوي الإنسان والحيوان والنبات، ثم تعود المياه إلى باطن الأرض بعد استهلاكها، ثم تأخذ صورتها السابقة من جديدة.
الرقابة القضائية
أخذ الإسلام من ضمانات خضوع الدولة للقانون بضمانة قيام رقابة قضائية على أعمال المسؤولين فأخضع أولي الأمر، وأهل الحل والعقد جميعاً لرقابة القضاء أسوة بسائر المواطنين.
وقد تقرر مبدأ الرقابة هذا منذ أربعة عشر قرناً بعمل الخلفاء الراشدين وقضاة السلف، وبأقوال أئمة المذاهب الفقهية. ويشهد على ذلك خضوع الخلفاء المسلمين في خصوماتهم لاختصاص القضاء، إذ لم يكن للخليفة أو للإمام أن يقضي أو يشهد لنفسه، فكان الخلفاء يلجأون في قضاياهم إلى السلطة القضائية، وينصاعون لأحكامها وأوامرها وكانوا لا يرون في ذلك أي نقيصة أو غضاضة، بل كان ذلك مصدر اعتزاز لهم لتقيّدهم بأوامر الشرع وقواعد العدل والمساواة.
كما سجّل التاريخ أنصع الصفحات على امتثال السلطات الحاكمة لسلطات القضاء ومساواة الخلفاء بالرعية في جلسات المحاكمة وانصياعهم للأحكام الصادرة ضدهم.
ويمكن تأكيد أن الشريعة الإسلامية عرفت نظرية إبطال القرارات الإدارية المخالفة للقانون. وهذا واضح من قصة فتح مدينة سمرقند هذا الفتح الذي حصل قبل انقضاء ثلاثة أيام على إنذار الأهالي كما تُوجب الشريعة، فقضى القاضي المسلم الذي نظر في القضية بإلغاء قرار الفتح المخالف للشريعة، وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل الفتح وذلك بإصدار الحكم بخروج جيش المسلمين إلى مواقعه خارج المدينة، على أن يتقيد بمهلة الإنذار إذا ما قرر الفتح مجدداً.
وكذلك عرف النظام الإسلامي فكرة التعويض عن قرارات الإدارة المخالفة للقانون، فقد حدث أن أساء القاضي أبو موسى الأشعري معاملة شارب الخمر بأن زاد على جلده فحلق شعره وسود وجهه، ونادى في الناس بعدم مجالسته، فتظلّم الرجل إلى الخليفة عمر بن الخطاب فأعطاه مائتي درهم تعويضاً عما أصابه وترضية له لما لحقه من إساءة، وكتب إلى أبي موسى يقول: لئن عدت لأسودنّ وجهك، ولأطوفنّ بك في الناس وأمره أن ينادي في الناس أن يجالسوا المتضرر. (الدكتور عبد الغني عبدالله: نظرية الدولة في الإسلام ص 186.
جزاء العمل
إن جزاء العمل في الإسلام لا ينصب على نتائجه بقدر ما ينصب على نيات العاملين وإخلاصهم، وفي هذا الطريق، يحصل الثواب على كل أذىً أو مخمصة يتعرض لها المسلم، ففضلاً عن نتيجة العمل ونية العامل، قال الله تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (التوبة/120).
وبهذا، فإن الجندي والموظف والعامل والفلاح المسلم يرى كل واحد منهم نفسه في محضر الله تعالى في الأحوال جميعاً، وأن الله تعالى يعلم ظاهره وباطنه، ويعلم جميع نواياه وأعماله: وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير (الحديد/4).
ويستلهم المسلم من مسألة خلوص النية (أي القيام بجميع الأعمال لوجه الله تعالى) تجنب أي نوع من الرياء، ويسعى إلى أن تكون جذور عمله صحيحة وأسلوبه راسخاً. (ناصر مكارم الشيرازي - الإدارة في الإسلام). لقد خلق الله تعالى القلب لإدارة الجسم، ومع أن الدورة الدموية التي تغذي بسهولة عشرة ملايين مليار خلية تقريباً فيه، إلا أن القلب يتعامل مع شريانين أو ثلاثة ويعتمد عليها في عمله، وليس له ارتباط مباشر بجميع الأوردة.
هذا الأنموذج يوضح لنا أن الإدارة الصحيحة تعتمد فقط على الارتباط المباشر بعدد من المساعدين الموثوق بهم، وإذا أراد المدير أن يكون على صلة مباشرة بجميع العاملين، فإنه مخطئ، كأن تكون جميع أوردة الجسم على علاقة مباشرة بالقلب، وهذه المادة تصدق تماماً في مجال إدارة الدماغ وشبكة الأعصاب.
وفي جميع الأحياء والنباتات، تكون نقطة الانطلاق صغيرة جداً (نطفة أو بذرة) لهدف عال جداً، مع أن قدرة الله تعالى هي أعظم القدرات.. وهذا مصدر إلهام لجميع المديرين، وهو أن ينطلقوا من نقاط صغيرة، وبعد توسيعها يصلون إلى أهداف عالية جداً.
ومسألة خلق العالم في عدة أيام كما ورد في القرآن هي تأكيد آخر على هذا الموضوع. إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (الأعراف/54).
وفي الإدارة الإلهية، الأصل هو صناعة الإنسان، وكل ما يرتبط بتغيير الإنسان، وآيات القرآن الكريم شاهد حي على هذا القانون: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد/11).