منى بنت الدي، إعلامية وسياسية موريتانية معروفة، استطاعت عبر مسيرتها المهنية والسياسية حفر اسمها على جدارية النضال ضد القهر والظلم والتهميش، وصممت في كل المراحل على أن تقول كلمتها بصوت مسموع، وهي اليوم تدير المؤسسة الإعلامية لزعيم المعارضة الديمقراطية في موريتانيا . الخليج التقتها في العاصمة نواكشوط وأجرت معها الحوار التالي:
أنت شخصية نسائية موريتانية بارزة . . كيف وصلت إلى هذه المكانة؟
- إذا كنت كما تصف فأظن أن الالتزام والصدق والمثابرة عوامل تنير درب كل من يريد الوصول إلي مكانة أو شأن حقيقي .
مزجت بين السياسة والإعلام . . فكيف تجدين نفسك في هاتين المهنتين؟
- درست الإعلام وعملت فيه وأحببته ومن خلال ممارسة مهنة الصحافة التصقت بالمواطن وأحسست بهمومه وبتطلعاته وبمعاناته، فأصبحت أعيش مشكلات الوطن وأحمل همومه ومن ثم وجدت نفسي مسكونة بالسياسة . وتستطيع أن تقول إن السياسة سرقتني من الإعلام بعد أن فتحت مهنة الصحافة عيني على الكثير فانتصرت لقضايا الوطن وأخذت مكاني في النضال السياسي .
تابوهات كثيرة أمام المرأة العربية . . فكيف إذا كانت امرأة معارضة ؟
- مجتمعنا العربي مجتمع رجولي بالكامل يضع الكثير من العراقيل أمام المشاركة السياسية للمرأة، وينظر إلى المرأة في مجتمعنا نظرة دونية والشائع عندنا أنها يجب أن تكون منسجمة تابعة للرجل، ولا ينظر إلى الآراء النسوية التي تناقض أحياناً مصالح الرجال بعين الرضى، ولكنني لا أرى غضاضة في أن أتمسك برأيي وأدافع عنه باستماتة المحارب عندما أقتنع به ولو لم يرُق ذلك للكثيرين، في المعارضة نساء ناضلن قبلي بكثير لهن مكانتهن المرموقة ولم يكن طريقهن بالطبع مفروشاً بالورود، ويحضرني في هذا المقام بيت للمتنبي أردده دائماً
لولا المشقة ساد الناس كلهم
فالجود يفقر والإقدام قتال
لم تعط مسيرة المرأة العربية خلال مئة سنة ما تصبو إليه الأجيال النسائية العربية، فما نقاط الخلل؟ وكيف يتم تجاوز المعوقات التي تعترض سبيل المرأة العربية؟
- لم تدفع المرأة العربية ثمن التحرر من هيمنة الرجل، كما أن النساء العربيات عموماً بقين تابعات للرجال في الكثير من المجالات وأرى أن تنظيمات نسوية قوية، تفرض تمييزاً إيجابياً للمرأة، ضرورة ملحة في الوقت الحاضر، لكن التضحية تبقى مفتاح أي إنجاز وأي تقدم .
في موريتانيا حالياً ست وزيرات وعشر وزيرات سابقات وعدد كبير من المديرات والمسؤولات والسفيرات والواليات والحاكمات والبرلمانيات وعضوات المجالس البلدية . . يبدو هذا لافتاً في مجتمع بدوي صحراوي، هل هذه المكانة منة من رجال السياسة أم بعرق الجبين؟
- أجد أن هذه الأرقام مبالغ فيها، وعشر وزيرات سابقات من أصل ستمئة وزير سابق رقم يثير الشفقة، ويوضح أن المرأة لم تجد بعد مكانتها اللائقة في المجتمع السياسي الموريتاني رغم عطائها المتميز، ولم تتحد النساء الموريتانيات بعد في تنظيمات نسوية قوية تدافع عن حقوق المرأة، وما يحصل لحد الآن إشراكات خجولة لا تأخذ بعين الاعتبار نسبة المرأة في المجتمع التي تزيد على 50%، وتتجاهل كذلك حضورها اللافت وعطاءها المتميز، ولكن: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً .
ماذا تقولين عن المرأة الفلسطينية؟
- ضربت المرأة الفلسطينية أروع الأمثلة في الصمود والكفاح، ننهل من معين صمودها ونتعلم منها قيم الإيثار والصبر والتضحية . . إن مجتمعاً أنتج ليلى خالد ودلال المغربي وآيات الأخرس منتصر لا محالة، كما أن صورة نساء غزيات يعملن في مجال البناء والحفريات لا تفارق مخيلتي ولا أستطيع إلا أن أنحني أمامها إجلالاً وإكباراً .
لاحظت أنك لا تكتبين إلا في السياسة فأين المجتمع وهموم بنات حواء؟
- كما قلت لكم أنا مسكونة بالسياسة، والسياسة مرض لا شفاء منه، من يُصب به يفقد الكثير من الحياد في تناول الأمور وعندما أتناول موضوعاً اقتصادياً أو اجتماعياً تغلب رؤيتي وموقفي السياسي عليه . وهموم المجتمع وبنات حواء وهموم المهمشين والمحرومين والمرضى، هموم البلد ووطني العربي وقارتي السمراء أحملها بين أضلعي وهي التي جعلتني أناضل في صفوف المعارضة من أجل غد مشرق . وملاحظتك في محلها تماماً فأنا عندما آخذ القلم لأكتب أجدني أكتب في السياسة من دون أن أشعر .
أنت تديرين إعلام أكبر أحزاب المعارضة الموريتانية، وهو الحزب المعروف بقدرته الإعلامية، فهل التضخيم الإعلامي صناعة أمينة؟
- التضخيم الإعلامي صناعة غير أمينة وأنا أمقتها، وشرف المهنة الإعلامية مقدس لدي، ولم نعمد يوماً في إعلامنا إلى التضخيم والتطبيل، ولم نشن أبداً حملة إعلامية بقصد التشويه لخصومنا السياسيين رغم أننا تعرضنا وما نزال نتعرض للكثير من هذه الحملات، ونحن حزب معارضة يفتقر إلى أبسط الإمكانات المادية من أجل إنشاء إعلام يفي بأبسط متطلبات الدعاية الحزبية، وأنت تعلم أن الإعلام بالمال والرجال ونحن ليس لدينا مال ولا نستطيع أن ندفع رواتب الرجال، ولكن وضوح خطابنا السياسي وقوة حججنا هي ما يخلق الانطباع لدى البعض بقوة إعلامنا ويكفينا دعاية وشرفاً أن الكثيرين يدركون أننا مثل الشمعة التي تحترق لتضيء للآخرين دروبهم .
كيف أثر فيك وجودك إلى جانب زعيم سياسي من وزن ولد داداه؟
- أحمد ولد داداه زعيم المعارضة ورئيس حزب التكتل مدرسة أنهل من معينها، وأتعلم منها الحكمة والصبر والجلد وعفة النفس وطول النفس وعمق الإيمان والزهد في الدنيا . . أحس عندما أكون معه بإحساس الثقة والأمان الذي أحسه مع والدي .
يقال إن المرأة تجد نفسها أكثر في العمل مع الرجال منها في العمل مع النساء . فما ردك؟
- بالنسبة لي أنا لا فرق لدي بين العمل مع الرجال والعمل مع النساء، المهم عندي نوع العمل ومدى اقتناعي به، ونحن في حزب التكتل لدينا إدارة فيها نساء كثيرات .
منى ربة المنزل . . منى الكاتبة . . منى السياسية . . كيف توفقين بين هذه المهام؟
- أوفق بين العمل والكتابة والسياسة والبيت والأطفال بتنظيم الوقت، فلا أقبل أن تطغى مهامي السياسية على شؤون بيتي وأطفالي . وأنا امرأة أجيد الطبخ والتدبير المنزلي وأعد مع الأطفال واجباتهم المدرسية كل يوم .
إلى من يعود الفضل في تكوين شخصيتك؟
- يعود الفضل في تكوين شخصيتي إلى والدي ووالدتي، فقد ولدت في بيئة ثقافية أصيلة وبيت سياسي كبير وقد اهتم والداي بتربيتي، أنا وإخوتي، وتدريسنا وأحاطانا بالرعاية والحب والاهتمام حتى نلنا كلنا شهادات عليا في مجالات مختلفة، أطال الله في عمرهما . كما أن عمل والدي في مجال الدبلوماسية أتاح لي أن أطّلع عن كثب على تجارب الكثير من المجتمعات .
هل تدفعين ضريبة الشهرة؟
- ضريبة الشهرة يدفعها كل الإعلاميين ولكنني لا أتضايق كثيراً منها لأنني أنسى أنني مشهورة، ولا أكون إلا حيث يجب أن أكون ولا أقول إلا ما يجب أن أقول، ولا أفعل ما أخفيه .