لم ينجح علي الأمريكاني في تجسيد شخصية بطل شيرين وهو درويش، الفارس الذي اختارته وسيلتها لتحطيم قيود الحرملك ودساتير الولاء والطاعة، ومشاركته بالتالي في بناء ذاتها من جديد، فلا هو أضاف لشخصيتها جديداً، ولا هي تركت في شخصيته بعضاً من بصمتها المميزة . بقيت شيرين حتى السطر الأخير من الرواية، تحاول جاهدة أن تضخّ في عروقه بعضاً من نبضها، ثورتها . . حدة ملامحها، وربما وضوحها الذي يضاهي جرأة قرارها في خوض تجربة مميّزة نجحت بامتياز في تحديد أدواتها وتشكيل أبطالها ورصد أحداثها وبلورة أهدافها، لتقدم لنا في النهاية الرواية التي أرادتها أو التي فرضتها عليها شخصية علي الأمريكاني السلبية إلى حدّ الإحباط أحياناً، وربما الباهتة في كثير من الأحيان مقارنة بحضور البطلة، وربما سائر الشخصيات .
صحيح أنها غادرت المكان كما دخلته لكنها أخذت معها ذلك الوهم الذي عاشته البطلة سنوات طفولتها وسكن مخيلتها أعواماً طويلة لتجسد فيه فارس أحلامها ورجل حياتها، أو ربما هو بديل عشقها المجنون لشاعر رحل قبل أن تبدأ معه روايتها، فكان هذا المزيج الذي لا يجمعه سوى قصة حب لم تكتمل، وإن كان الحب لا يشكّل الحدث الأساسي في الرواية، لكنه حاضنها أو الرحم الذي ولد فيه وعلي الأمريكاني الرواية الثالثة للكاتبة والروائية هالة كوثراني الصادرة عن دار الساقي تضيء في صفحاتها ال 174 على هموم المجتمع وقضاياه بشكل عام، وعلى المرأة فيه بشكل خاص . لكن مشكلات الحرب وانعكاساتها على المجتمع والناس تبقى الحدث الأبرز الذي ينطلق منه العنوان . فإلى أي مدى نجح العنوان في ترجمة المضمون؟ تجيب هالة كوثراني بأن الهدف من العمل الروائي هو في الإضاءة على ما تركته الحرب اللبنانية في التركيبة النفسية والسلوكية للناس، وفي تغيير الكثير من المفاهيم والعلاقات الإنسانية . ولكن لماذا علي الأمريكاني؟ ولماذا حصر المغترب اللبناني في نموذج محدد يحمل كل هذه الكثافة من الإيحاءات؟ وهل يصح هذا النموذج على خصوصيته للدلالة على هموم الاغتراب؟
أيضاً لاستحضار الجنوب هنا أكثر من هدف . فعلي هو واحد من ضحايا الحرب ورمز للمغترب بشكل عام، الذي يهاجمه الحنين إلى الوطن، فيجد نفسه يشدّ الرحال إليه بحثاً عن جذوره وهويته . وفي نهاية المطاف يكتشف أن الهوية ليست ثابتة وإنما تُبنى وتتغير كما كل شيء في الحياة . وحول الإسم الذي يحمل تلك الدلالة الصارخة تؤكد هالة أنها تقصّدته ولم يكن الخيار عفوياً . فقد أرادت من خلاله جمع الشرق والغرب معاً، إضافة إلى أن اسم علي منتشر بكثرة في أمريكا، وأنا أحب هذا الاسم، فهو أكثر دلالة عدا عن إيقاعه الجميل . لقد أردت تكثيف الطرفين المتناقضين أو الهويتين المتناقضتين لعلي/جذوره الجنوبية وهويته الأمريكية بعد أكثر من عشرين عاماً أمضاها في أمريكا . . هذا التناقض الذي يجعل البطل قلقاً وفي حالة بحث دائم عن جذوره وهويته الحقيقية .
لكن بطل هالة أو شيرين لا فرق، ليس تقليدياً سواء لناحية الاغتراب أو التعاطي مع واقع الحدث . كذلك هي تقدم الحرب أيضاً بصورة غير نمطية ومغايرة لتلك التي اعتدنا قراءتها في روايات الحرب . . فماذا أرادت هالة أن تقول من خلال طرحها علاقة الحرب والغربة في المكان وفي الإنسان؟ تجيب: شغلتني قصة المكان وعلاقة الإنسان به ومدى تأثيره في علاقته بالآخرين، إضافة إلى أن المغتربين أنماط مختلفة . . هناك من سافر ولم يعد . وهناك من اجتاحه الحنين فعاد واستقر في الوطن . وهناك من عاد وندم لعودته، كما أن هناك من فقد انتماءه للوطن ولم يستطع في المقابل الانتماء للمكان الثاني وعلي البطل واحد منهم . وحول حضور الحرب الذي طرحته هالة بصورة غير مباشرة تقول: إن استحضار نتائج الحرب وتأثيرها النفسي والاجتماعي وإنعكاساتها على المواطن والمجتمع هو أكثر واقعية ومصداقية من وصف المتاريس والقذائف وغيرها من أدوات الدمار والحرب، فالحرب ليست قذائف فقط وتأثيرها النفسي دائم ومستمر .
وفي مواجهة السؤال: هل ثمة قواسم مشتركة بين هالة وبين بطلة روايتها شيرين؟ ترى هالة أن الشبه قليل جداً . تقول: ليس لديّ سلبيّتها السابقة ولا جرأتها اللاحقة فأنا عقلانية ولا أحب التطرف . . باختصار أنا لست شيرين وإن أعطيتها من نفسي الكثير في قضايا تستفزني كامرأة، ونصطدم بها في حياتنا ومشاهداتنا اليومية باستمرار، فالمرأة لا تزال وبنسبة تختلف من مجتمع إلى آخر . . هي مقموعة ومظلومة حتى في القوانين المفترض فيها أن تدافع عنها، فحين يكون لها حرية الاختيار تختار من ضمن مروحة مفروضة عليها، وحتى في العمل هي تبذل جهوداً جبارة ومضاعفة ومتواصلة لإثبات الذات، ولعلّ هالة هنا تتماهى مع بطلتها شيرين في الكثير من الرفض والتمرد رغم إصرارها على أنها في الموقع الوسط . فهي التي أعطت هذا التمرد ملامحه الخاصة والإيجابية وبدورها أعطت المرأة قيمتها الإنسانية الحقيقية من خلال دورها الفاعل والبنّاء عبر تلك المساحة الحرّة التي تختبر فيها قدرتها على التحليق .
وعلى صعيد الصحافة فإن شيرين في المقابل هي النموذج الوحيد أو المتفرد للمرأة . لكنها الأكثر تجسيداً للحلم، فهناك إلى جانبها إيما الأمريكية بكل لامبالاتها التي تشبه فيها علي وهدى التي سقط في فخها علي رغم فارق السن والخبرة .
إيما وهدى نموذجان صارخان لطبيعة المرأة اليوم بخصوصياتها وتناقضاتها، واحتيالها على واقعها أو القفز عنه . وقد نجحت هالة من خلال النساء الثلاث في اختزال الوجه الآخر للمرأة إلى جانب نجاحها في تصوير المشاعر المتناقضة وصراع الإرادات، والتغلغل عميقاً داخل النفس البشرية ورصد انفعالاتها وتفاعلاتها مع نفسها والآخرين، وبشفافية ومصداقية لا يمتلكها إلاّ قلم مرهف عميق ومتجذر، فكيف تسنى لخريجة السياسة أن تحيك هذا الكمّ الإنساني الكثيف في علي الأمريكاني؟ وكيف انتهى بها المطاف إلى حضن الأدب والصحافة وعلاقتها وتفاعلها مع هذه الميادين على تنوّع خصائصها؟ . . تقول الروائية هالة إنها بعد أن درست العلوم السياسية اكتشفت أنها لم تضف إليها شيئاً، وأنها في دراستها الأدب حققت التوازن في حياتها وخيارها كونها أحبت الكتابة منذ طفولتها، أما عن عملها كمديرة تحرير لمجلة لها فقد بدأت العمل فيها فور حصولها على بكالوريوس الآداب في العلوم السياسية وأمضت في عملها ثلاث عشرة سنة . . أعطاها وأعطته وتفاعلت معه وأحبته . لكن للصحافة تأثيرها في الأدب حكماً وهو تأثير ليس إيجابياً، خاصة كمديرة للتحرير بكل ما يقتضيه هذا من جهد ووقت وتفرّغ، ومع هذا يحمل وجهاً إيجابياً كونه يضعها دائماً في الجوّ الثقافي . أما الكتابة الأدبية كاحتراف ومهنة فهي الأفضل لو كان بالإمكان التفرّغ لها . ويبقى أن هالة أم لطفلين ومسؤولة تحرير ومقال أسبوعي نجحت في خلق حالة من التوازن وإن كان على حساب راحتها الخاصة، فهي التي لطالما عشقت الكتابة في ساعات الفجر الأولى لم تجد بدّا من التكيف مع الكتابة ليلاً أو في أية ساعة فراغ تتمكن من اقتناصها . وحول أسلوبها الخاص والمتميز تعترف أنه على سعة قراءتها ومطالعاتها لم تتأثر بأسلوب أحد من الروائيين والكتّاب . تقول إنها باتت اليوم أكثر نضجاً وتمكنّاً . وهي بعد أن تحررت من هاجس المكان في روايتها علي الأمريكاني تعمل على رواية جديدة أحداثها أكثر شمولية واتساعاً .
يبقى أن تشير هنا إلى أن علي الأمريكاني نالت الجائزة الأولى لمعرض الشارقة الدولي، وهي جائزة تعني لي الكثير! أما لماذا تخلو هذه الرواية من مشاهد الجنس ومفرداته التي نادراً ما خلت منها رواية معاصرة . فتجيب: أنا أترك نفسي لتخيل المشهد وفي روايتي هذه لم أجد له مكاناً ولم أستطع تخيله وبالتالي لا مبّرر له في سياق الحدث . فالبطل لم يعشق البطلة ولا ضرورة لإقحام الجنس في مشهد لا يستدعي وجوده .