كيونك أزبرغ أي مرتفعات الملوك أو بالروسية كالينينغراد أو كاريلينسكايا غارا، كانت ولا تزال الشغل الشاغل لروسيا في صراعها السابق والحالي مع أوربا، فمنذ أن أحتلها السوفييت إذ إبان الحرب العالمية الثانية، أصبحت هذه المدينة مركز أساسيا للصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حتى في العادات والتقاليد الاجتماعية داخل المدينة والتي بقي قسم منها يحتفظ بنكته الألمانية في حين أنصاعت البقية الباقية لما حملته الثقافة الروسية إليه.
التطورات السياسية في أوربا جعل من هذه المدينة جيبا روسيا في القارة العجوز يقلق منامها كل لحظة، فهي ترى في هذا الجيب المحاط بدول خرجت من الفلك الشيوعي كبولندا وليتوانيا وأخرى تسير على خطاها كأوكرانيا، وبحر البلطيق التي أبت دوله الثلاث البقاء ضمن الكنف السوفييتي وأختارت ما تسميه بمجال الحرية، ظلت أمواجه الوحيدة التي تلامس ضفاف هذا الجيب، وأوربا التي ترى فيه سكينا مزروعا في خاصرتها وإن الاتفاق بشأنه مع روسيا في مد وجزر، فهي قلقة من الاتفاق حول حاجة سكان الإقليم إلى الانتقال إلى روسيا ومنها عبر ليتوانيا إلى جانب حاجة الليتوانيين إلى ممارسة كامل سيادتهم فوق أراضيهم.
الخليج أصبحت شاهدا على هذا الصراع، وتجوالها داخل الإقليم الذي يقارب عدد سكانه المليون لتسلط الضوء ولو على جزء بسيط منه وهو الجانب الاجتماعي ولقد كشفت اللقاءات مع المواطنين والإستماع إلى حكاياتهم أن معظم ساكني هذه المدينة هم ليسوا من الروس الأصليين، وأغلبهم من البيلاروس الذي يشكلون وحدهم نحو 70 في المائة والأوكران وبعض من دول آسيا الوسطى الذين حكم عليهم النظام السوفييتي للعمل هناك، وحصلوا بعد ذلك على الجنسية الروسية، وبالتالي بقوا هناك لأنهم أصبحوا مجبرين على مرافقة مصالحهم وأسرهم التي نشأت هناك مع ظهور الإقليم، في حين يحتل الروس المراتب الأخيرة ضمن هذه القائمة.
ولعل أهم ما يجلب نظر الزائر للمدينة هو ذلك الصراع الموجود في الطراز المعماري فيها، فهو لا يزال يحتفظ بلمساته الألمانية تارة والروسية تارة أخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن ملاحظة هذا التناقض في شارع أكتيابرسكايا وأسمه منسوب إلى الثورة البلشفية في الاتحاد السوفييتي، فهو يجسد كل معاني الصراع، فعلى هذا الجانب البنايات القديمة منها والحديثة والدير الكنائسي الكونفدرالي يجسد بكل معانيه الطراز الألماني بكل تفاصيله وتشعر وكأنك تمشي في واحد من الشوارع الألمانية، في حين تنتصب على طوال الجهة الثانية من الشارع نفسه البنايات المرصوفة كعلب الكبريت السوفييتية لتؤكد هي الأخرى وجودها واستمرارها في حياة المدينة.
عشرات السنوات الماضية كان الإهمال هو الشيء الوحيد الذي يشعر به السكان بشكل كبير سواء في الخدمات أو في إقامة المشاريع العمرانية والاستثمارية رغم الإمكانيات الكبيرة التي تتمتع بها المدينة، والسبب كما أفصحوا لنا هو التوجس من مستقبل الإقليم وإمكانية بقاءه في كنف روسيا وعدم ظهور مطالبات أوربية بشأنه وأعادته إلى حضنها، وتعد انطلاقة مشروع جرف الكهرمان أو ينتارني بيرغ الذي حضرت الخليج مراسيم وضع حجر الأساس له وبكلفة تصل نحو 500 مليون دولار كمرحلة أولى من مراحله الثلاث الذي تبلغ قيمته الإجمالية أكثر من ملياري دولار، محاولة جدية لفتح باب الاستثمار العربي كدولة قطر والكويت والمفاوضات مع الإمارات أيضا للولوج فيه أو الاستثمار الأجنبي كالفرنسي والإيطالي داخل هذه المدينة، والغريب أنه لم يفسح المجال للمستثمر الألماني للولوج فيه هذا المشروع لأسباب لم نجد جوابا لها عند أي من المسؤولين عن إقامة المشروع.
ويستبشر أهالي المدينة بمشروع ضفاف الكهرمان خيرا لأنه يشكل التفاتة جدية من قبل الحكومة لتشجيع الاستثمار في هذا الإقليم بوابة للمستثمرين الأجانب للدخول إلى مشاريع مهمة فيه، على إعتبار أن المشروع الجديد رفع حاجز الخوف من قبل المستثمرين أنفسهم، خصوصا وأن سلطات المدينة وعدت بتقديم كل التسهيلات التي من شأنها أن تنمي هذه الاستثمارات التي ستعطي لمدينتهم مكانتها الحقة من حيث موقعها الاستراتيجي وإمكانياتها ومواردها الغنية.
ولعل أبرز المدن في الإقليم هي كراسنو غورسك وينتارنيا بالعربية الكهرمان والتجوال في شوارع المدينة الأخيرة يعطيك الانطباع الكامل بأنك في متحف للكهرمان حيث تنتشر في شوارعها أسواق بيع هذا الحجر الكريم بشكل كبير وبأشكاله الجميلة المختلفة بالمدينة تزود العالم ب 90 في المائة من هذه الأحجار، تحتفظ أيضا بمصنع وأهم مقالع استخراجه، والغريب أن العاملين فيها لازالوا يحتفظون بأساليب العمل الألمانية في استخراجها أو تطويعها وحتى في تسميتها مثل الكهرمان الملكي أو ما يسمى بالروسية كارولوفسكي ينتار والذي يعد واحدا من أنواع الكهرمان الجيدة وليس أحسنها كما كنا نظن والتي جاءت تسميته بالملكية نسبة لارتباطه بمرض ملكة ألمانيا التي كان علاجها بالكهرمان الأبيض المخلوط باللون الأصفر وبناء غرفة خاصة لها من هذا النوع من الكهرمان، الذي تتنوع ألوانه بين الأصفر الشبيه بلون العسل أو البني الغامق القريب إلى السواد، كونه يتمتع بخواص طبية فريدة تشفي الأمراض وتنظم عمل القلب والجهاز العصبي وأموراً أخرى، وبالتالي اكتسب هذا الحجر لقب الملكة ليتربع هو الآخر على عرش الكهرمان من حيث سعره.
وجولتنا في معمل صنع الكهرمان أفهمتنا حقيقة واضحة أن أحجار الكهرمان المحشوة بالحشرات هي أنواع نادرة جداً وغالية جدا بحيث يبلغ سعر الحجر الصغير منه الذي يحتوي على دودة صغيرة أو بعوضة أو ذبابة ولا يزيد وزنها عن 10 -20 جراماً نحو 50 دولاراً.
أما الجولة النهرية فإنها تكشف للزائر أيضاً طبيعة الصراع الآنف الذكر، فالمدينة حرصت على إبراز قوتها الحربية من سفن ضخمة وغواصات ممن كان لها الأثر الكبير في الحرب لوضعها على أحدى جوانب نهر بيرغوليا في حين كان للضفة الأخرى نصيب من البنايات الجميلة التي احتفظت بطرازها المعماري الألماني رغم قدم الزمن تعكس صمودها بوجه التقلبات المناخية والسياسية لتؤكد هي الأخرى وجودها.
جولة الأيام الأربعة أيام في المدينة أنتهت. ولكن هذه الأيام لم تكن كافية للإطلاع على معالمها الجميلة بالكامل وطبيعتها الخلابة والناس الذين أختلطت عاداتهم وتقاليدهم بين أوربا وآسيا لكنهم أحتفظوا لأنفسهم بما هو جميل، تاركين صراع السياسة خلف ظهورهم ليشعروا زائرهم بأنه في مدينته وبين أهله، وتوديعه بالابتسامة التي ظلت مرسومة على وجوههم مادمنا بينهم.