وأعلن هؤلاء الشباب أن معظم القواعد والشروط الموجودة في إعلانات الوظائف الجديدة، وخاصة في المؤسسات الحكومية وضعت بعناية، كي تنطبق على أشخاص بعينهم فضلاً عن أن كثيراً منها لا يطبق على أرض الواقع، حيث يتدخل أصحاب النفوذ لاختيار من يريدون وتضيع حقوق الأكفاء الذين تنطبق عليهم الشروط.
نتائج هذه الدراسة التي أشرف عليها باحثون جامعيون، تطرح العديد من التساؤلات حول مشروعية التوسط للحصول على حق ضائع وحكم الشرع في تدخل صاحب نفوذ لاقتناص حق إنسان ومنحه لإنسان آخر أقل منه كفاءة، كما يحدث في كثير من بلادنا العربية، وهذه آراء عدد من العلماء والباحثين في مساوئ الوساطة والمحسوبية وتداعيات ذلك على الواقع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي والأمني في بلادنا العربية والإسلامية.
في البداية تؤكد الخبيرة الاجتماعية، د. عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر أن ما يعتقده هؤلاء الشباب صحيح إلى حد كبير، حيث تتدخل الرشوة والوساطة والمحسوبية والفهلوة في اقتناص الوظائف لأشخاص بعينهم، وبالتالي تهدر حقوق ذوي الكفاءات.
إحباط مكبوت
وتضيف: يؤمن الشباب بأن فرص العمل الجيدة تأتي بالمحسوبية والوساطة وهو ما يشيع روح اليأس والعزوف عن العمل في نفوس أغلبيتهم، وأصبح لدى هؤلاء الشباب اعتقاد قوي بأن الشهادة الجامعية لا توفر فرصة عمل جيدة بسبب شيوع هذه الرذائل التي أدت إلى نشر اليأس في نفوس كثير من الشباب، ودفعتهم إلى ارتكاب جرائم في حق أنفسهم وفى حق دينهم، وهناك عشرات الآلاف من الشباب العربي الذين اكتفوا بالإحباط واليأس ودفنوه بداخلهم استعداداً للحظة الانفجار، نتيجة الظلم الشائع في بعض البلاد العربية وغياب العدالة والمساواة بين الناس، وضياع حقوق الضعفاء الذين لا يجدون مسؤولا نافذا يساعدهم على انتزاع حقوقهم، ولذلك انطلقت الثورات في عدد من الدول العربية، نتيجة هذا الظلم وضياع الحقوق وشيوع الفساد الإداري الذي أعطى حقوق الفقراء والضعفاء لأصحاب الوساطة والمحسوبية ولمن يقدمون الرشاوى لمعدومي الضمير.
وفضلاً عن الظلم والقهر الذي يتعرض له الأكفاء الذين يبحثون عن وظيفة بجهدهم وكفاحهم، فإن انتشار الوساطة والمحسوبية في الحصول على الوظائف - كما تقول د. عزة كريم - أدى إلى تراجع أداء العاملين في المؤسسات والهيئات الحكومية، حيث لا يتم قبول القادرين على أداء الواجبات الوظيفية بكفاءة عالية لعدم وجود من يتوسط لهم ويدفع بهم إلى مواقع العمل والإنتاج.
حقد على الجميع
ويؤكد استشاري الطب النفسي، د. أحمد عكاشة، أن الظلم عواقبه وخيمة على المجتمع كله وأنه أحد أهم انتشار الأمراض النفسية بين أفراد المجتمع، لأن من يحصل على وظيفة أو امتياز عن طريق المحسوبية يبعث في نفوس هؤلاء الذين حرموا من تلك المميزات شعوراً بالإحباط والغبن والظلم، مع ما ينجم عن الإحباط من عدوان وحقد يتوجه إلى الآخرين، سواء إلى الجهة المسؤولة عن هذا الإحباط أو يتوجه لا شعورياً إلى جهة أخرى بديلة، أو يرتد هذا العدوان إلى داخل النفس، وهناك العشرات من الشباب الذين انتحروا نتيجة شعورهم بالإحباط لعدم الحصول على عمل والشعور بالظلم، كما أن الإحساس بالظلم يؤدي إلى العجز والإحباط والاكتئاب، وهذه الحالات تؤدي إلى انعزال الإنسان عن مجتمعه، نتيجة إحساسه بالظلم، إضافة إلى أن بعض الأشخاص تنتابهم حالات عدائية تجاه مسؤوليهم أو زملائهم في العمل، نتيجة إحساسهم بالدونية وعدم التقدير، في ظل سيادة المحسوبية على حساب الاجتهاد في العمل.
ويرى د. عكاشة أن شعور الشباب بأن الوساطة أو المحسوبية هي الحل لمشكلة البطالة، سيضاعف من حدة الغضب داخلهم وسيدفعهم إلى الانتقام من المجتمع الذي أهدر حقوقهم.
حين تغيب المساواة
والسؤال المهم هنا: ما موقف الإسلام من الوساطة والمحسوبية؟
الفقيه الأزهري، د. محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يؤكد أن الوساطة والمحسوبية ضد عدالة الإسلام، وأن شيوعهما يؤدي إلى إضاعة حقوق الضعفاء، ويقول: عندما يغيب العدل وتختفي المساواة من حياة الناس ينتشر الظلم بكل أشكاله وتكثر الأحقاد والضغائن، وما نشاهده الآن من جرائم مفزعة يرتكبها بعض الشباب العاطل مجرد مؤشر لما ينتظر المجتمع من مشكلات وظواهر إجرامية، نتيجة غياب العدالة والمساواة.
ويؤكد د. عثمان أن الالتزام بالشريعة الإسلامية يحمي المجتمع الإسلامي من وباء الوساطة والمحسوبية، فالإسلام من خلال نصوصه القرآنية وتوجيهات رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه وسيرة السلف الصالح من الصحابة يرفض تماماً كل صور المحاباة وإهدار حقوق البسطاء والضعفاء ممن لا واسطة لهم ولا نفوذ فالعدل والمساواة هما أساس الحكم بين الناس وأساس توزيع الحقوق على كل أفراد المجتمع، وفي ظل العدالة والمساواة ينعم المجتمع كله بالأمان والاستقرار، لأن النفوس ستكون مستريحة وراضية حتى لو لم تحصل على ما تتطلع إليه.
مبائ سامية
وفي ظل الالتزام بالعدل والحرص على المساواة ينعم الجميع بالأمان ولذلك حرص الإسلام، كما يوضح د. أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء، من خلال حربه المعلنة بلا هوادة على كل صور الوساطة والمحسوبية والتفرقة العنصرية بين الناس على استتباب الأمن ونشر أسباب الوقاية من الإجرام والطغيان، وذلك بالأمر بالعمل ليشتغل كل إنسان بعمله، فلا يبقى هناك مجال للتفكير في العدوان الذي ينتج عن البطالة، كما كفل الإسلام حقوق الناس جميعاً على مختلف طبقاتهم فقرر العدل والتواصي بالحق وقرر مساعدة المحتاجين الذين لا يجدون عملاً أو لا يستطيعون العمل فأشرقت من تعاليم الإسلام أسمى مبادئ الإنسانية الرحيمة في التضامن الاجتماعي وإخماد الثورة، والغضب، والانتقام التي يكون مبعثها الشعور بالظلم.
ويضيف د.هاشم: لقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ المساواة والعدالة بين كل المسلمين من خلال العديد من التوجيهات النبوية الكريمة، ومن بين هذه التوجيهات التي تحارب كل صور الوساطة والمحاباة والشفاعة الظالمة قوله صلوات الله وسلامه عليه: «يا أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
ولذلك استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القاعدة الأخلاقية أن يقيم مجتمع الأمن والاستقرار وأن يشعر الجميع بالأمان بعد أن شعروا بالعدالة والمساواة، وهذا ما ينقصنا الآن في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية.. ينقصنا الشعور بالعدل والمساواة، ينقصنا التخلص من كل مظاهر الوساطة والمحسوبية في الحصول على الوظائف، وعلى حقوقنا المختلفة سياسية واقتصادية ومدنية، وقتها سنشعر بالأمان وسيختفي عن مجتمعاتنا الكثير من المصائب والمشكلات والأزمات والجرائم والانحرافات التي نعانيها الآن.
الوساطة المشروعة
ويفرق د.هاشم بين الوساطة أو الشفاعة المشروعة لمساعدة الناس على أخذ حقوقهم، والوساطة المرفوضة شرعا وهى التي تؤدي إلى السطو على حقوق الآخرين وهى وساطة منبوذة لأنها تنتهي إلى ظلم الضعفاء والفقراء الذين لا وساطة لهم.. ويقول: الإسلام دين العدل والمساواة والإنصاف، ولا يجوز بأي حال من الأحوال انتزاع حق إنسان في تولي وظيفة هو كفء لها ليقتنصها شخص آخر أقل منه كفاءة لأنه وجد من يوصى عليه أو يتدخل لدعم موقفه على حساب حقوق الآخرين.
ويضيف د. هاشم: الإسلام حارب الوساطة والمحسوبية والتفرقة بين الناس استناداً إلى مكانتهم الاجتماعية، والإسلام بإقراره المساواة وإرساء أسس وقواعد العدالة يحرص على استتباب الأمن ونشر أسباب الوقاية من الإجرام والطغيان قبل إصدار قوانينه الخاصة بالعقاب، فكل إنسان من واجبه أن يجتهد في التعلم واكتساب الخبرات والمعارف وبعد ذلك من حق هذا الإنسان الذي كافح وتعلم أن يحصل على الوظيفة المناسبة لقدراته وعلمه وكفاحه، وإذا ما حصل غيره على حقه فمن حقه أن يحتج ويتظلم بالطرق المشروعة من دون أن يرتكب جريمة. وينتهي د. هاشم إلى ضرورة التفرقة بين الوساطة التي تقوم على انتزاع حقوق الآخرين ومنحها لشخص بعينه أو تؤدي إلى تمييز شخص على أقرانه ومنحه ما لا يستحق من امتيازات، وبين السعي لقضاء حاجات الناس، فالأولى رذيلة مرفوضة شرعاً وعرفاً ومحظورة قانوناً، والثاني مطلوب شرعاً ويكافأ صاحبه بالأجر والثواب من الله عز وجل، ولذلك لا ينبغي خلط الأوراق في هذه المسألة، فهناك واسطة مرفوضة وهناك شفاعة مطلوبة للحصول على الحقوق.
زكاة على الوجهاء
الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق والداعية الإسلامي الشهير يتفق مع د.هاشم في ضرورة التفرقة بين الوساطة المرفوضة والشفاعة المطلوبة ويقول: إذا كانت الوساطة من أجل اقتناص حقوق الآخرين مرفوضة ومدانة، فالشفاعة أو الوساطة في الخير مرغوبة، فقد جعل الله على ذوي الوجاهة الاجتماعية والمكانة الأدبية والكلمة المسموعة والشفاعة المقبولة زكاة عليهم أن يؤدوها لإخوانهم المحتاجين حيث يقدموا لهم ما يستطيعون من مساعدات ومعونات تفرج كربتهم وتغيث لهفتهم وتشعرهم بأن لهم إخوانا في الدين وأعوانا من كرماء المسلمين، وهذه المساعدات الأدبية واجبة على من يكونون قادرين عليها إذا كان المحتاج متضرراً من حالته فعلاً، فإذا قام بعضهم بالمعونة سقط الإثم عن الباقين، لأن المقصود رفع الضرر وقد حصل، والدليل على أن رفع الضرر واجب ولو من خلال الوساطة، هو أن الله تعالى فرض العدل لرفع الضرر وأوجب الزكاة لرفع الضرر، وأنزل التشريعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية لرفع الضرر، وحرم أنواع الإيذاء لمنع الضرر، وكل ذلك معلوم بالضرورة لمن له أدنى إلمام بالشريعة الإسلامية، وهنا علينا جميعا أن نتذكر قول الحق سبحانه وتعالى: «من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها».