‮ ‬الوساطة والمحسوبية‮ ضد عدالة الإسلام‮ ‬

00:32 صباحا
قراءة 7 دقائق
كشفت دراسة استطلاعية أجريت مؤخراً في‮ إحدى الدول العربية أن‮ ‬86%‮ ‬من الشباب لا‮ ‬يثقون في‮ ما تعلنه المؤسسات الحكومية،‮ من ضوابط وقواعد لاختيار العاملين بها،‮ ‬ولذلك‮ ‬يصرون على البحث عن صاحب نفوذ،‮ ‬كي‮ ‬يسهل لهم الحصول على الوظيفة المعلن عنها‮.‬

وأعلن هؤلاء الشباب أن معظم القواعد والشروط الموجودة في‮ ‬إعلانات الوظائف الجديدة،‮ ‬وخاصة في‮ ‬المؤسسات الحكومية وضعت بعناية،‮ ‬كي‮ ‬تنطبق على أشخاص بعينهم فضلاً عن أن كثيراً منها لا‮ ‬يطبق على أرض الواقع،‮ ‬حيث‮ ‬يتدخل أصحاب النفوذ لاختيار من‮ ‬يريدون وتضيع حقوق الأكفاء الذين تنطبق عليهم الشروط‮.‬
نتائج هذه الدراسة التي‮ ‬أشرف عليها باحثون جامعيون،‮ ‬تطرح العديد من التساؤلات حول مشروعية التوسط للحصول على حق ضائع وحكم الشرع في‮ ‬تدخل صاحب نفوذ لاقتناص حق إنسان ومنحه لإنسان آخر أقل منه كفاءة،‮ ‬كما‮ ‬يحدث في‮ ‬كثير من بلادنا العربية،‮ ‬وهذه آراء عدد من العلماء والباحثين في‮ ‬مساوئ الوساطة والمحسوبية وتداعيات ذلك على الواقع الاجتماعي‮ ‬والنفسي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬والأمني‮ ‬في‮ ‬بلادنا العربية والإسلامية‮.‬

في‮ ‬البداية تؤكد الخبيرة الاجتماعية،‮ ‬د‮. ‬عزة كريم،‮ ‬أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي‮ ‬للبحوث الاجتماعية في‮ ‬مصر أن ما‮ ‬يعتقده هؤلاء الشباب صحيح إلى حد كبير،‮ ‬حيث تتدخل الرشوة والوساطة والمحسوبية والفهلوة في‮ ‬اقتناص الوظائف لأشخاص بعينهم،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تهدر حقوق ذوي الكفاءات.

إحباط مكبوت

وتضيف: ‬يؤمن الشباب بأن فرص العمل الجيدة تأتي‮ ‬بالمحسوبية والوساطة وهو ما‮ ‬يشيع روح اليأس والعزوف عن العمل في‮ ‬نفوس أغلبيتهم،‮ ‬وأصبح لدى هؤلاء الشباب اعتقاد قوي‮ ‬بأن الشهادة الجامعية لا توفر فرصة عمل جيدة بسبب شيوع هذه الرذائل التي‮ أدت إلى نشر اليأس في‮ ‬نفوس كثير من الشباب،‮ ‬ودفعتهم إلى ارتكاب جرائم في‮ ‬حق أنفسهم وفى حق دينهم،‮ ‬وهناك عشرات الآلاف من الشباب العربي‮ ‬الذين اكتفوا بالإحباط واليأس ودفنوه بداخلهم استعداداً للحظة الانفجار،‮ ‬نتيجة الظلم الشائع في‮ ‬بعض البلاد العربية وغياب العدالة والمساواة بين الناس،‮ ‬وضياع حقوق الضعفاء الذين لا‮ ‬يجدون مسؤولا نافذا‮ ‬يساعدهم على انتزاع حقوقهم، ولذلك انطلقت الثورات في‮ ‬عدد من الدول العربية،‮ ‬نتيجة هذا الظلم وضياع الحقوق وشيوع الفساد الإداري‮ ‬الذي‮ ‬أعطى حقوق الفقراء والضعفاء لأصحاب الوساطة والمحسوبية ولمن‮ ‬يقدمون الرشاوى لمعدومي‮ ‬الضمير‮.‬

وفضلاً عن الظلم والقهر الذي‮ ‬يتعرض له الأكفاء الذين‮ ‬يبحثون عن وظيفة بجهدهم وكفاحهم،‮ ‬فإن انتشار الوساطة والمحسوبية في‮ ‬الحصول على الوظائف‮ ‬- كما تقول د‮. ‬عزة كريم‮ - ‬أدى إلى تراجع أداء العاملين في‮ ‬المؤسسات والهيئات الحكومية،‮ ‬حيث لا‮ ‬يتم قبول القادرين على أداء الواجبات الوظيفية بكفاءة عالية لعدم وجود من‮ ‬يتوسط لهم ويدفع بهم إلى مواقع العمل والإنتاج‮. ‬

حقد على الجميع

ويؤكد استشاري‮ ‬الطب النفسي،‮ ‬د‮. ‬أحمد عكاشة،‮ أن الظلم عواقبه وخيمة على المجتمع كله وأنه أحد أهم انتشار الأمراض النفسية بين أفراد المجتمع،‮ ‬لأن من‮ ‬يحصل على وظيفة أو امتياز عن طريق المحسوبية‮ ‬يبعث في‮ ‬نفوس هؤلاء الذين حرموا من تلك المميزات شعوراً‮ ‬بالإحباط والغبن والظلم،‮ ‬مع ما‮ ‬ينجم عن الإحباط من عدوان وحقد‮ ‬يتوجه إلى الآخرين،‮ ‬سواء إلى الجهة المسؤولة عن هذا الإحباط أو‮ ‬يتوجه لا شعورياً‮ ‬إلى جهة أخرى بديلة،‮ ‬أو‮ ‬يرتد هذا العدوان إلى داخل النفس،‮ ‬وهناك العشرات من الشباب الذين انتحروا نتيجة شعورهم بالإحباط لعدم الحصول على عمل والشعور بالظلم،‮ ‬كما أن الإحساس بالظلم‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى العجز والإحباط والاكتئاب،‮ ‬وهذه الحالات تؤدي‮ ‬إلى انعزال الإنسان عن مجتمعه،‮ ‬نتيجة إحساسه بالظلم،‮ ‬إضافة إلى أن بعض الأشخاص تنتابهم حالات عدائية تجاه مسؤوليهم أو زملائهم في‮ ‬العمل،‮ ‬نتيجة إحساسهم بالدونية وعدم التقدير،‮ ‬في‮ ‬ظل سيادة المحسوبية على حساب الاجتهاد في‮ ‬العمل‮.‬

ويرى د‮. ‬عكاشة أن شعور الشباب بأن الوساطة أو المحسوبية هي‮ ‬الحل لمشكلة البطالة،‮ ‬سيضاعف من حدة الغضب داخلهم وسيدفعهم إلى الانتقام من المجتمع الذي‮ ‬أهدر حقوقهم‮.‬

حين تغيب المساواة

والسؤال المهم هنا‮: ‬ما موقف الإسلام من الوساطة والمحسوبية؟

الفقيه الأزهري،‮ ‬د‮. ‬محمد رأفت عثمان،‮ ‬أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر،‮ ‬يؤكد أن الوساطة والمحسوبية ضد عدالة الإسلام،‮ ‬وأن شيوعهما‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى إضاعة حقوق الضعفاء،‮ ويقول: عندما ‬يغيب العدل وتختفي‮ ‬المساواة من حياة الناس‮ ‬ينتشر الظلم بكل أشكاله وتكثر الأحقاد والضغائن،‮ ‬وما نشاهده الآن من جرائم مفزعة‮ ‬يرتكبها بعض الشباب العاطل مجرد مؤشر لما‮ ‬ينتظر المجتمع من مشكلات وظواهر إجرامية،‮ ‬نتيجة‮ ‬غياب العدالة والمساواة‮.‬

ويؤكد د‮. ‬عثمان أن الالتزام بالشريعة الإسلامية‮ ‬يحمي‮ ‬المجتمع الإسلامي‮ ‬من وباء الوساطة والمحسوبية،‮ ‬فالإسلام من خلال نصوصه القرآنية وتوجيهات رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه وسيرة السلف الصالح من الصحابة‮ ‬يرفض تماماً كل صور المحاباة وإهدار حقوق البسطاء والضعفاء ممن لا واسطة لهم ولا نفوذ فالعدل والمساواة هما أساس الحكم بين الناس وأساس توزيع الحقوق على كل أفراد المجتمع،‮ ‬وفي‮ ‬ظل العدالة والمساواة‮ ‬ينعم المجتمع كله بالأمان والاستقرار،‮ ‬لأن النفوس ستكون مستريحة وراضية حتى لو لم تحصل على ما تتطلع إليه.

مبائ سامية

وفي‮ ‬ظل الالتزام بالعدل والحرص على المساواة‮ ‬ينعم الجميع بالأمان ولذلك حرص الإسلام،‮ ‬كما‮ ‬يوضح د‮. ‬أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء،‮ ‬من خلال حربه المعلنة بلا هوادة على كل صور الوساطة والمحسوبية والتفرقة العنصرية بين الناس على استتباب الأمن ونشر أسباب الوقاية من الإجرام والطغيان،‮ ‬وذلك بالأمر‮ ‬ بالعمل ليشتغل كل إنسان بعمله،‮ ‬فلا‮ ‬يبقى هناك مجال للتفكير في‮ ‬العدوان الذي‮ ‬ينتج عن البطالة،‮ ‬كما كفل الإسلام حقوق الناس جميعاً على مختلف طبقاتهم فقرر العدل والتواصي‮ ‬بالحق وقرر مساعدة المحتاجين الذين لا‮ ‬يجدون عملاً أو لا‮ ‬يستطيعون العمل فأشرقت من تعاليم الإسلام أسمى مبادئ الإنسانية الرحيمة في‮ ‬التضامن الاجتماعي‮ ‬وإخماد الثورة،‮ ‬والغضب،‮ ‬والانتقام التي‮ ‬يكون مبعثها الشعور بالظلم‮.‬

ويضيف د.هاشم‮: ‬لقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ المساواة والعدالة بين كل المسلمين من خلال العديد من التوجيهات النبوية الكريمة،‮ ‬ومن بين هذه التوجيهات التي‮ ‬تحارب كل صور الوساطة والمحاباة والشفاعة الظالمة قوله صلوات الله وسلامه عليه‮: «يا أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،‮ ‬وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد،‮ ‬وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت‮ ‬يدها».
ولذلك استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القاعدة الأخلاقية أن‮ ‬يقيم مجتمع الأمن والاستقرار وأن‮ ‬يشعر الجميع بالأمان بعد أن شعروا بالعدالة والمساواة،‮ ‬وهذا ما‮ ‬ينقصنا الآن في‮ معظم ‬مجتمعاتنا العربية والإسلامية‮.. ‬ينقصنا الشعور بالعدل والمساواة،‮ ‬ينقصنا التخلص من كل مظاهر الوساطة والمحسوبية في‮ ‬الحصول على الوظائف،‮ ‬وعلى حقوقنا المختلفة سياسية واقتصادية ومدنية،‮ ‬وقتها سنشعر بالأمان وسيختفي‮ ‬عن مجتمعاتنا الكثير من المصائب والمشكلات والأزمات والجرائم والانحرافات التي‮ ‬نعانيها الآن‮.‬

الوساطة المشروعة

ويفرق د.هاشم بين الوساطة أو الشفاعة المشروعة لمساعدة الناس على أخذ حقوقهم،‮ ‬والوساطة المرفوضة شرعا وهى التي‮ ‬تؤدي إلى السطو على حقوق الآخرين وهى وساطة منبوذة لأنها تنتهي‮ ‬إلى ظلم الضعفاء والفقراء الذين لا وساطة لهم‮.. ‬ويقول‮: ‬الإسلام دين العدل والمساواة والإنصاف،‮ ‬ولا‮ ‬يجوز بأي‮ ‬حال من الأحوال انتزاع حق إنسان في‮ ‬تولي وظيفة هو كفء لها ليقتنصها شخص آخر أقل منه كفاءة لأنه وجد من‮ ‬يوصى عليه أو‮ ‬يتدخل لدعم موقفه على حساب حقوق الآخرين‮.‬

ويضيف د‮. ‬هاشم‮: ‬الإسلام حارب الوساطة والمحسوبية والتفرقة بين الناس استناداً إلى مكانتهم الاجتماعية،‮ ‬والإسلام بإقراره المساواة وإرساء أسس وقواعد العدالة‮ ‬يحرص على استتباب الأمن ونشر أسباب الوقاية من الإجرام والطغيان قبل إصدار قوانينه الخاصة بالعقاب،‮ ‬فكل إنسان من واجبه أن‮ ‬يجتهد في‮ ‬التعلم واكتساب الخبرات والمعارف وبعد ذلك من حق هذا الإنسان الذي‮ ‬كافح وتعلم أن‮ ‬يحصل على الوظيفة المناسبة لقدراته وعلمه وكفاحه،‮ ‬وإذا ما حصل‮ ‬غيره على حقه فمن حقه أن‮ ‬يحتج ويتظلم بالطرق المشروعة من دون أن‮ ‬يرتكب جريمة.‬ وينتهي‮ ‬د‮. ‬هاشم إلى ضرورة التفرقة بين الوساطة التي‮ ‬تقوم على انتزاع حقوق الآخرين ومنحها لشخص بعينه أو تؤدي‮ ‬إلى تمييز شخص على أقرانه ومنحه ما لا‮ ‬يستحق من امتيازات،‮ ‬وبين السعي‮ ‬لقضاء حاجات الناس،‮ ‬فالأولى رذيلة مرفوضة شرعاً وعرفاً ومحظورة قانوناً،‮ ‬والثاني مطلوب شرعاً‮ ‬ويكافأ صاحبه بالأجر والثواب من الله عز وجل،‮ ‬ولذلك لا‮ ‬ينبغي‮ ‬خلط الأوراق في‮ ‬هذه المسألة،‮ ‬فهناك واسطة مرفوضة وهناك شفاعة مطلوبة للحصول على الحقوق‮. ‬

زكاة على الوجهاء

الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق والداعية الإسلامي‮ ‬الشهير‮ ‬يتفق مع د.هاشم في‮ ‬ضرورة التفرقة بين الوساطة المرفوضة والشفاعة المطلوبة ويقول‮: ‬إذا كانت الوساطة من أجل اقتناص حقوق الآخرين مرفوضة ومدانة،‮ ‬فالشفاعة أو الوساطة في‮ ‬الخير مرغوبة،‮ ‬فقد جعل الله على ذوي‮ ‬الوجاهة الاجتماعية والمكانة الأدبية والكلمة المسموعة والشفاعة المقبولة زكاة عليهم أن‮ ‬يؤدوها لإخوانهم المحتاجين حيث يقدموا لهم ما‮ ‬يستطيعون من مساعدات ومعونات تفرج كربتهم وتغيث لهفتهم وتشعرهم بأن لهم إخوانا في‮ ‬الدين وأعوانا من كرماء المسلمين،‮ ‬وهذه المساعدات الأدبية واجبة على من‮ ‬يكونون قادرين عليها إذا كان المحتاج متضرراً من حالته فعلاً،‮ ‬فإذا قام بعضهم بالمعونة سقط الإثم عن الباقين،‮ ‬لأن المقصود رفع الضرر وقد حصل،‮ ‬والدليل على أن رفع الضرر واجب ولو من خلال الوساطة،‮ ‬هو أن الله تعالى فرض العدل لرفع الضرر وأوجب الزكاة لرفع الضرر،‮ ‬وأنزل التشريعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية لرفع الضرر،‮ ‬وحرم أنواع الإيذاء لمنع الضرر،‮ ‬وكل ذلك معلوم بالضرورة لمن له أدنى إلمام بالشريعة الإسلامية،‮ ‬وهنا علينا جميعا أن نتذكر قول الحق سبحانه وتعالى‮: ‬«من‮ ‬يشفع شفاعة حسنة‮ ‬يكن له نصيب منها،‮ ‬ومن‮ ‬يشفع شفاعة سيئة‮ ‬يكن له كفل منها‮».‬

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"