خدمة مجتمعية

03:58 صباحا
قراءة دقيقتين
راشد محمد النعيمي

تعود الخدمة المجتمعية بديلاً عن عقوبة الحبس للواجهة من جديد، لتقول إن مجتمع الإمارات بفضل القيادة الواعية، ماضٍ إلى مرحلة جديدة في التعاطي مع الإشكالات والظواهر التي تُطل بين فترة وأخرى، وتحتاج إلى تعامل من نوع جديد يواكب العصر ومن يعيشون فيه، ليتخلص من الأساليب العقيمة التي لم تُجد نفعاً، والتي كانت ناجحة ربما في عصر سابق لم تمتد إليه يد التكنولوجيا ووسائل الاتصال وسرعة تناقل المعلومات، والتفاخر بتصوير الجرائم التي يعاقب عليها القانون، ونشرها على الملأ دون خوف من عقوبة أو خشية من فضيحة أو خجل من مجتمع توفرت فيه كل سبل الرفاهية، وبات الناس فيه ينعمون بوسائل حديثة وخدمات لم يسبق لها مثيل.
تطورت الجرائم والظواهر السلوكية وبتنا أمام تحدٍ جديد يجب ألا نواجهه بأسلحة قديمة؛ لذلك كانت الخدمة المجتمعية التي باتت أكثر وقعاً وردعاً للمذنبين، والأشد تأثيراً في تبصيرهم بحجم الذنب الذي اقترفوه ويتجلى واضحاً في تنفيذ العقوبة المفروضة عليهم، بهدف دق ناقوس الخطر في عقولهم وتبصيرهم بأهمية الرجوع إلى الطريق القويم وعدم الانحراف مجدداً، وهو الأمر الذي قد لا تُحققه عقوبة السجن والغرامة مع كثير منهم، والذين يستفيدون أكثر من ممارسة عمل ربما لم يُقدِّروه سابقاً، أو يعلموا حجم الجهد المبذول فيه، فيكون البلسم الشافي عبر تعزيز الوعي لديهم، وتمتين الجانب الأخلاقي والديني، وتقدير الخدمات المقدمة للمجتمع والنعم التي نعيشها في مختلف نواحي حياتنا.
وكما يقول القانونيون، فإن المشرِّع يهدف من العقوبات المجتمعية إلى تحقيق أمرين رئيسيين؛ الأول تحقيق الردع العام وإيقاع الخوف في نفس من تُسوِّل له نفسه ارتكاب مخالفة قانونية أو أخلاقية أو سلوكية. والهدف الثاني خاص ويتعلق بالمجرم نفسه، حتى ينال جزاءه وعقابه نظير ما قام به، وفي هذا الموقف تكون العقوبة المجتمعية كافية لتحقيق الردع العام والخاص، أو مكملة لعقوبات أخرى مثل الحبس أو الغرامة، بعد إحالة المتورطين فيها إلى المحكمة، كما أنه من المبشر أن استحداث العقوبة المجتمعية أسهم في خفض معدلات الجرائم المرورية بنسبة 90%؛ إذ كان متوسط المخالفات المرورية التي كانت تنظرها النيابة في أبوظبي كمثال، قبل إقرار الخدمة المجتمعية، يتراوح بين ثلاث إلى أربع مخالفات أسبوعياً.
نركن اليوم إلى تجربة مميزة في هذا الإطار مقننة ومؤطرة، بعد أن أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قرار مجلس الوزراء رقم 41 لسنة 2017، الذي حدد نطاق أعمال الخدمة المجتمعية التي يجوز إلزام المحكوم عليهم بتأديتها، وفق أحكام المادة 120 من قانون العقوبات، لتمثل هذه الخطوة دفعة إلى الإمام لرفعة المجتمع وتقدم الدولة، لا سيما وأنها تُحوِّل مخالفي القانون والمشاغبين من الشباب إلى عناصر فاعلة في بناء المجتمع.
نتمنى التوفيق لهذه الخطوات الإيجابية، خاصة بعد الإعلان عن دراسة تهدف إلى التوسع في تطبيق تدبير الخدمة المجتمعية بحيث يسمح بتطبيقها على أكبر عدد ممكن من الجرائم، وذلك بعد ثبوت نجاحها في السلوكيات والجرائم البسيطة.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"