واقع مزيف

04:08 صباحا
قراءة دقيقتين
راشد محمد النعيمي

فجأة وبدون مقدمات تحول مشاهير ومؤثرو (السوشل ميديا) إلى الترويج وإعلانات التسويق، وتحول المحتوى الذي من المفترض أن يكون شاملاً متنوعاً إلى (دعايات) لعروض وتصفيات وتنزيلات وفرص ذهبية لا تعوض سرعان ما يتقاطر عليها المتابعون بلهفة لتنتهي خلال ساعات.
في كل مرة أتناول هذا الموضوع مع الأصدقاء أجد أن تفسيرهم لتلك الظواهر أن المجتمع تغير، وأن الأدوات الجديدة للتواصل الاجتماعي لعبت لعبتها في العقول، وانعكست فيما بعد على التصرفات، لدرجة أن هناك من يعتبر محتوى (السناب) الذي يقدمه من يتابعهم ما يشبه خارطة الطريق التي يسير وفقها فيأكل أينما يأكلون، ويلبس مما يلبسون، ويسافر أينما يذهبون، حتى لو كانت تلك الخطط والرغبات تتعارض مع ظروفه، خاصة المادية، وكأن ما يفعله نتيجة تنويم مغناطيسي لا يدرك فيه ما يقدم عليه، معتقداً أن جل ما يراه حقيقة.
ولو كان الموضوع على الأكل والشرب واللبس والسفر لقلنا إنها مجرد (موضة) تنتشر وسرعان ما تخفت وتنتهي، لكن يبدو أن الأمور هذه المرة أكثر تعقيداً، والانشغال بها أخذ الكثير من الوقت والجهد والإمكانات وعطل مجالات أخرى مهمة يمكن لتلك الوسائل ومن يستخدمها أن تفعله، ويكون لها تأثير سحري، لكن اليوم من بيننا من يجري عمليات تجميل وهو ليس بحاجة لها، ومن يبذر أمواله في مظاهر لا نفع منها ومن يزج بنفسه وأسرته في سلوكيات لا تناسبه؛ لذلك برزت ظاهرة التقليد التي كنا قد تخلصنا منها لسنوات لتطفو على السطح مجدداً وتُوقِع كثيرين ممن يقعون تحت طائلتها في شرك القروض البنكية لتحويل ما يرونه ويحبونه في الواقع الافتراضي إلى واقع عملي من دون أن يفرقوا بين الحقيقة والإعلانات المدفوعة التي يحقق هؤلاء الكثير جراء عوائدها المجزية، بينما يقع الإنسان المتواضع المعتمد على (معاشه) في فخها، ويصبح وقوداً لظاهرة للأسف لم يستوعب ما يدور في كواليسها.
مناسبة الحديث ليست لانتقاد المؤثرين أو التدخل فيما يعتقدون أنه حرية شخصية أو نشاط مشروع يملكون موافقات من الجهات المختصة لممارسته، ولكنها مجرد تذكير بما يمكن أن يفعلوه في المجتمع كمسؤولية تقع على عاتقهم لو استثمروا ذلك التأثير في التوعية ضد ظواهر مقلقة، ولغرس مفاهيم إيجابية بدون دعايات مباشرة أو مدفوعة؛ لأن هناك اليوم من لا ينظر إلى الإعلانات، بل يقلد التصرفات والتوجهات؛ لذلك فإن إعادة النظر مطلوبة، وتنوع الأدوار والمهام واجب مجتمعي يجب أن يمارس من خلال مبادرات حقيقية، وليس مجرد مشاهد مصورة هنا وهناك لا طائل منها سوى المجاملات.
في النهاية لا نريد لمجتمعنا أن يعيش واقعاً مزيفاً يرتدي من فيه الأقنعة ليختفوا عن بعضهم، بل أن نعود لجوهرنا الحقيقي، ونوظف تلك المستجدات فيما ينفعنا، ونحقق التوازن المطلوب بين ما نظنه واقعاً جديداً وبين واقعنا الفعلي الذي نعيشه على الأرض!!

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"