كابوس يومي مخيف
الازدحام المروري في طرق الدولة بلغ حداً لا يطاق، وعبئاً لا يحتمل ومشكلة يومية تتفاقم مع مرور الوقت، بل إنه كابوس مخيف يهدد المدن وسكانها اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً وبيئياً، ومع صباح كل يوم تبدأ معاناة الموظفين، حين تكتظ السيارات في الطرقات بما يفوق طاقتها الاستيعابية، وتبدأ أرتال السيارات تتراكم في صف يمتد لمسافة طويلة، تسير ببطء هو أقرب للتوقف منه للتحرك، ليمضي وقت طويل قبل أن يصل مستخدمو الطريق إلى وجهتهم، وقد أصابهم الإعياء والتعب والملل.
إن من أصعب الأمور على الإنسان سوي الفطرة أن يمضي الوقت من دون فائدة ومن دون مبرر ومن دون معنى وقصد، أو أن يجد نفسه فجأة في موقف ليس له الخيرة من أمره.. مسلوب الإرادة لا يملك حق التصرف وسط ركام من السيارات، وقد بلغ بهم الازدحام المروري مبلغاً تلاشت معه أخلاقهم ونفد صبرهم وضاقت صدورهم، حتى إن الواحد منهم يدافع عن حيزه وموقعه على الطريق دفاعاً مستميتاً لا يسمح لأي كان، ومهما كانت الظروف والأحوال إفساح المجال للتقدم عليه.
إنها مأساة كبيرة يواجهها السكان في الازدحام المروري ليس في أوقات الذروة في الصباح الباكر أو عند العودة من الأعمال والمدارس أو في أوقات العطل الأسبوعية والأعياد فحسب، ولكن تتحول لتكون في معظم الأوقات، ويبدو أنه علينا الاعتياد على ذلك، والتكيف معه، لأنه لا تلوح في الأفق أي مبادرة حقيقية لمعالجة مشكلة الازدحام واستئصالها من جذورها. ومع هذا فإن أصل مشكلة الازدحام المروري وجوهرها يبقى على وجه التحديد في أن الناس يرغبون أو يضطرون إلى استخدام الطريق في الوقت نفسه، وبما لا يتناسب مع الطاقة الاستيعابية له، ومن هنا يتبين أن هناك عاملين أساسيين في مواجهة مشكلة الازدحام المروري.. الأول الطاقة الاستيعابية للطريق، والثاني عدد مستخدمي الطريق.
في إمارة دبي بذلت جهود كبيرة لحل مشكلة الزحام المروري كان آخرها تطبيق نظام بوابة التعرفة نظام سالك بهدف تقليل الزحام في أوقات الذروة، لكن مع الأسف هذا الوضع لم يعالج المشكلة بل على العكس تماماً ساهم في تفاقهما، في باقي شوارع المدينة، لقد أصبح المرور أشبه ما يكون بالماء أو الهواء يبحث عن أي فراغ ليملأه.
إن مشكلة الازدحام المروري تتعدى كونها مشكلة تتعلق بعدم رضا الأفراد وتذمرهم، إلى كونها مشكلة اجتماعية كبيرة تحتاج إلى النظر إليها بجدية ووضع السياسات في المديين القصير والطويل.
لقد أصبح من الضروري أن نعي حقيقة مهمة، وهي أن المدن لم تعد كما كانت عليه.. قليلة السكان.. بسيطة المعيشة، فقد نمت نمواً مطرداً وتمددت عمرانياً على مساحات كبيرة، وتباعدت المسافات، وارتفع المستوى المعيشي للأفراد وأصبح النقل ضرورة حياتية لجميع السكان لا غنى عنها، وقد لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن النقل داخل المدن المحدد الرئيس لأسلوب ومستوى الحياة وقدرة المدينة على البقاء جذابة حيوية منتجة صالحة للعيش والعمل.
لمياء عطية