لم يكد طه حسين يجمع محاضراته حول موضوع الشعر الجاهلي وينشرها في كتاب في الشعر الجاهلي في ابريل/ نيسان عام 1926 حتى قامت الدنيا ولم تقعد، ما بين البرلمان والأزهر والصحافة والأحزاب حتى أصبحت مثار اهتمام الرأي العام، لتندفع القضية تحت ضغط النواب وعلماء الأزهر، إلى النائب العام الذي حدد التهم المنسوبة إلى طه حسين، من واقع البلاغات التي قدمت إليه، وليمثل طه حسين أمامه للتحقيق بالفعل، ليصدر النائب العام محمد نور حكمه التاريخي ببراءة طه حسين، وليسجل بذلك احترام القضاء لحرية الفكر والبحث العلمي .
ولكن القضية لم تنته عند هذا الحد، حيث أثيرت بين فترة وأخرى بفعل السياسة وتقلباتها، لكن إثارتها عام 1932 في عهد وزارة إسماعيل صدقي (يونيو/ حزيران 1930 يناير/ كانون الثاني 1933) كانت أكثرها تأثيرا في حياة طه حسين واتخذت ابعادا أوسع وشملت الاتهامات مؤلفات أخرى لطه حسين، واعتبرت أن مسألة حذف بعض فصول من كتاب في الشعر الجاهلي كانت تضليلا وإخفاء لجوهر الكتاب الذي لم يتغير . . الخ .
وكان طه حسين قد انتخب في يناير عام 1928 عميدا لكلية الآداب بإجماع زملائه ليكون أول مصري يتولى هذا المنصب، غير أن وزير المعارف آنذاك علي الشمسي باشا الذي وقف إلى جانب طه حسين خلال أزمة كتاب الشعر الجاهلي، رجا طه حسين أن يتنازل عن هذا الترشيح حتى لا يسبب للوزارة حرجا نتيجة تعرضها لضغوط تستهدف بقاء الأساتذة الأجانب يشغلون مناصب الجامعة، واستجاب طه حسين لرجاء الوزير مشترطا أن يصدر قراره بتوليته منصب العميد ولو ليوم واحد، وقد كان، ثم لم يلبث طه حسين أن انتخب عميدا لكلية الآداب في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1930 بعد انتهاء مدة العميد الفرنسي ميشو وتولى المنصب بالفعل منذ ذلك التاريخ حتى فصل منه في مارس/ آذار 1932 .
ولما كان طه حسين قد اكتوى بنار السياسة خلال أزمة كتاب في الشعر الجاهلي لذلك قرر فور عودته إلى الجامعة أن يبتعد عن السياسة والكتابة فيها، قانعا بعمله في الجامعة محبا له ومكرسا له كل جهوده في التدريس والتأليف، حتى بلغ مكانة مرموقة رفعته إلى منصب العميد، ومن المعروف انه خلال الفترة التي سبقت فصله من الجامعة عام 1932 ركز جهوده لدراسة الأدب، نقده وتاريخه فألف فيها بعض كتبه وصنف ونشر ما كان قد كتبه في شكل مقالات، فإلى جانب فصوله التي أضافها لكتاب الشعر الجاهلي الذي نشر بعنوانه الجديد في الأدب الجاهلي عام ،1927 كان قد نشر الجزأين الأولين من حديث الأربعاء عامي 1925 و1926 ثم جمع خواطره عن رحلاته الصيفية ونشرها في كتابه رحلة الصيف عام 1928 وكتب سيرة حياته الأيام في جزئها الأول ونشرها عام 1929 .
وكان إسماعيل صدقي قد تولى الحكم في مصر في يونيو عام ،1930 ولم يكن يستند إلى أية قوة شعبية أو حزبية، لذلك قضى الشهور الأولى من سنوات حكمه في وضع دستور جديد، بعد أن ألغى دستور الأمة (دستور 1923)، وتشكيل حزب جديد (حزب الشعب)، وإصدار صحيفة تحمل اسمه تنطق بلسانه، وأقام أسس نظام دكتاتوري أهدرت فيه سلطة الأمة لحساب القصر والوزارة فتشكلت جبهة معارضة قوية تضم الوفديين والأحرار الدستوريين لتبدأ البلاد مرحلة من الصراع السياسي، توارت معها مطالبها الوطنية كما هو معروف، المهم أن رئيس الوزارة صدقي باشا رأى أن يشرف طه حسين على تحرير صحيفة الشعب في الشهر نفسه الذي تولى فيه منصبه كعميد لكلية الآداب، وبأي شروط يريدها العميد، حتى لو كتب مقالاته بها دون توقيع، لكن طه حسين اعتذر عن عدم قبول ذلك، مما أثار حفيظة رئيس الوزراء، الذي بدأ يتدخل في شؤون الجامعة، ولم يرضخ طه حسين لتدخلات الوزارة المتكررة، والتي رآها تذهب باستقلال الجامعة وحريتها مما عجل بصدامه مع هذا العهد الدكتاتوري، خاصة بعد أن توالت المتاعب من جانب الوزارة تثيرها في وجه عميد كلية الآداب الذي كان يتصدى لها بعناد وإصرار، فما كان من الوزارة إلا أن نقلته إلى وظيفة متواضعة بوزارة المعارف في الثالث من مارس عام ،1932 مما أثار أزمة شهيرة بين الجامعة ومجالسها وطلابها من جانب والوزارة من جانب آخر، وانتقلت الأزمة إلى الصحافة، فالرأي العام الذي رأى في مسلك الوزارة اعتداء على استقلال الجامعة وحرمة أساتذتها، كما استقال لطفي السيد من منصبه كمدير للجامعة احتجاجا على نقل العميد، مسجلا موقفا تاريخيا في يوم من أيام الجامعة، وإزاء هذه التطورات لجأت الوزارة إلى إثارة قضية مؤلفات طه حسين مرة أخرى وتوسيع دائرة اتهامها، لتشويه صورته أمام الرأي العام، فأوعزت إلى من قدم استجوابا في مجلس النواب بشأن ذلك كما أدخلت الأزهر طرفا فيها حين أوعزت إلى الإمام الأكبر بأن يعلن إدانته لطه حسين تمهيدا لفصله من عمله في الجامعة ومن العمل الحكومي كلية، وهو ما حدث بالفعل في 29 مارس 1932 .
لم يفقد طه حسين مكانته لدى أصدقائه وتلاميذه وقرائه، لكنه انتقل إلى مرحلة جديدة من حياته، تخفف فيها من قيود الوظيفة ومتطلباتها، وبدأ يشتغل بالصحافة من جديد وفي الصحافة السياسية على نحو خاص، بين عامي 1932 و1934 بعد أن فقد وظيفته، فأنشأ يحرر المقالات الافتتاحية لصحيفة السياسة متصديا لدكتاتورية صدقي ونظامه، ولم يعد لديه مناص من الخوض في بحار السياسة وخوض غمارها بعد أن عانى منها ما عانى ثم انتقل إلى صحيفة الوفد المسائية كوكب الشرق في مارس 1933 ليتولى كتابة مقالها السياسي الافتتاحي .
ورغم انخراط طه حسين في كتابة المقال السياسي شبه اليومي خلال فترة إبعاده عن الجامعة (32 1934) إلا انه لم يهجر عالمه الأثير، عالم الأدب والفكر، فكان يوالي الصحف والمجلات بمقالاته النقدية بين الحين والآخر، ولم يكد يمر عام إلا ويصدر له كتاب جديد أو أكثر، بعضها ضم مقالات نشرت، وبعضها ألف تأليفا مستقلا، فخلال هذه الفترة جمع دراساته عن حافظ وشوقي وأصدرها في كتابه الذي حمل الاسم نفسه في عام 1933 الذي كان من أخصب سنوات حياته، حيث نشر فيه كتابه في الصيف كما كتب ونشر الجزء الأول من كتاب على هامش السيرة كما شارك في تحقيق كتاب نقد النثر لقدامة بن جعفر ومراجعته ونشره مع عبد الحميد العبادي، وملأت مقالاته في الأدب والنقد صحف ومجلات السياسة الأسبوعية فضلا عن السياسة، والوادي، والرسالة، والجهاد، والهلال، والحديث وغيرها .
انتهى عهد صدقي البغيض في أواخر عام ،1934 وفي عهد وزارة توفيق نسيم (نوفمبر 1934 يناير 1936) التي أعقبت سقوط نظام صدقي أصبح المجال مفتوحا أمام طه حسين ليعود إلى جامعته وكان قبلها بعدة أشهر قد انشغل بتحرير صحيفة الوادي التي اشترى امتيازها وصار يصدرها على نفقته بعد استقالته من كوكب الشرق في ابريل/ نيسان 1934 وجعل يشرف على تحريرها حتى ديسمبر/ كانون الأول رغم خسارته المادية بسبب عدم خبرته بشؤون التوزيع وشؤون إدارة الصحف، ولم ينقذه من ظروفه المادية المتردية إلا عودته أستاذا بكلية الآداب مرة أخرى في منتصف ديسمبر عام 1934 حيث استعاد وظيفته ومكانته، حتى انتخب عميدا للكلية مرة أخرى في أواخر مايو/ أيار ،1936 وليظل في وظيفته هذه حتى يستقيل منها بعد نحو ثلاث سنوات، في عهد وزارة محمد محمود الرابعة (يونيو 1938 أغسطس 1939) وإن احتفظ بوظيفته كأستاذ بالكلية، بعد أن آثر أن يتولى وظيفة جديدة كان يتوق إليها هي وظيفة المراقب العام للثقافة بوزارة المعارف التي رأى أنها ستتيح له فرصة تحقيق أفكاره عن التعليم والثقافة والتي سجل بعضها في كتابه الخطير مستقبل الثقافة في مصر الذي صدر عام ،1938 ولذلك خطط لينشئ إدارة للترجمة والنشر العلمي تحت رعاية هذه المراقبة، وأن يضم إليها كذلك شؤون المسرح والموسيقا والأوبرا . . الخ .
كما كان يرى أن وجوده على رأس هذه المراقبة داخل وزارة المعارف سوف يعينه على السعي لتحقيق ما كان يحلم به بشأن مجانية التعليم ورفع مستواه، والملاءمة بينه وبين حاجات المجتمع وطموحاته .