لعل السمة الأساسية التي تعبر عن حيوية الثقافة وتنوعها وانفتاحها تتمثل في قدرتها على التواصل ولهذا المعنى تجليات عدة تظهر بدءاً من القدرة على السعي الى بناء جسور من التفاهم مع الآخر ولا تنتهي باستلهام الماضي في قراءة الحاضر والتطلع الى المستقبل.
والقارئ لرؤية النهضة العربية الحديثة يدرك ان تلك المعادلة هيمنت على رواد النهضة منذ ان اكتشفوا ان الواقع العربي المعاصر يسير على قدمين احداهما تخطو الى الامام والاخرى تحاول اللحاق بها وبينهما خطوة رمادية تعبر عن تلك الحالة الجدلية الخلاقة من التفاعل بين ثقافتين وصولاً الى صياغة نقاط التقاء مشتركة تترجم رغبة العرب في التواصل والحوار.
ان المتابع للمنتج الثقافي العربي بمعناه الواسع في العصر الحديث سيلاحظ ان معظمه ان لم يكن كله جاء كاستجابة لتحدي التواصل مع الذات والآخر في الوقت نفسه تجلى ذلك في تشكل تيارات الفكر العربي الحديث وانقسامها بين من يتطلع الى كل جديد ومن يتمسك بالقديم بخلاف التيار الأوسع الذي ظل يراوح بينها وترجم كل هذا على أرض الواقع في حالة من الزخم شملت الادبيات الفكرية والمدارس النقدية والفنون المختلفة. وهذا الجدل المحتدم دفع ببعض المثقفين العرب الى تأكيد ان الثقافة العربية تميل الى الوسطية بطبيعتها بفعل عوامل مستمدة من الدين الحنيف والموقع الجغرافي الذي تحول الى ملحمة تاريخية شهدت فصولاً من الصراع والتفاهم تجاه آخر ما ينتمي الى الإطراف المتشابكة الواقعة على تخوم ذلك الموقع، اضافة الى مفعول قيم حملها الغرب إلينا في العصر الحديث، وكان لها ازدواجيتها الذاتية فكانت المطبعة دلالة جوهرية على الرقي والتقدم مصاحبة للمدفع كرمز للتسلط والغزو والاستعمار ومنهما معاً حلمه بإمكانية القدرة على التواصل مع تراث حاول ان يقرأ أفضل ما فيه ومع ثقافة أخرى يستلهم منها ما يناسب قيمه وتقاليده الذاتية.
ولا تخرج روح الفعاليات والأنشطة الثقافية في الإمارات عن تلك السمة المميزة للثقافة العربية المعاصرة فعندما ذهبت الى خورفكان لمتابعة ورشة رواية السيرة الذاتية شعرت بأن المطروح في الورشة وتعدد انتماء الباحثين بالجنسية الى أقطار عربية عدة وبالفكر الى مدارس ثقافية مختلفة بالاضافة الى طبيعة وجمالية المكان المستمدة من الذات والآخر كلها عوامل تؤكد حيوية ثقافية تسعى بكل قوتها الى التأكيد على مفهوم التواصل المتعدد التجليات.
محمد إسماعيل زاهر