عادي
تنتج أفلاماً تبرر العنف ضد الشعب الفلسطيني

السينما “الإسرائيلية” سلاح صهيوني جديد

00:39 صباحا
قراءة 10 دقائق

في الأسبوع الماضي استلم المخرج الفرنسي جودار رسالة مفتوحة من قبل الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية ل إسرائيل تهيب به الرجوع عن قبول الدعوة التي وجّهها اليه مهرجان تل أبيب لطلاب السينما في دورته الثانية عشرة التي انطلقت بالفعل الأحد الماضي.

مضمون الرسالة هو أن الوضع في إسرائيل حيال المعاملة السيئة للفلسطينيين لم يعد يتحمّل السكوت عنه وأن قبول الدعوة التي وُجّهت إليه (والتي قيل إن جودار كان قد وافق على تلبيتها بالفعل) قبول بالوضع اللاإنساني السائد والمنتهك للقرارات الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني. وقارنت الرسالة بين الوضع في إسرائيل اليوم والوضع في جنوب افريقيا أيام الحكم العنصري.

طبعاً، لم يكن جودار بحاجة الى ترغيب. منذ سنوات بعيدة وموقفه من القضية الفلسطينية واضح في تأييده ومُمارس في بعض أفلامه وبينها موسيقانا (2004) الذي يتضمّن -بالمناسبة- مشهداً يلتقي فيه جودار بطلاّب سينما يتحدّث وإياهم عن كيف أن كل صورة هي فعل تليها صورة أخرى تكون بمثابة رد فعل وكيف أن التاريخ مؤلّف من المتناقضات والازدواجيات وكيف أن المصالح عنصر من عناصر هذا التأليف.

وللتدليل على كلامه يعرض صورتين فوتوغرافيّتين: واحدة لمركب يحمل لاجئين يهوداً لحظة وصولهم الى شاطىء حيفا ويقول: هذه صورة للاجئين يهود سعداء بوصولهم إلى أرض الميعاد في العام 1948. ثم يسحب صورة أخرى لفلسطينيين يستقلّون قارباً وقد بدا على وجوههم الخوف والذعر هاربين من الاحتلال ويقول: وهذا هو النقيض.

إذا كانت الصورة تلخّص ألف كلمة فالصورتان تلخّصان ستين سنة من الصراع الذي لم يتقدّم بعد صوب كما مفهوم جودار للتاريخ بأسره، ذلك المفهوم القائم على التناقضات التي تفرزها الصراعات والمصالح الخاصّة.

المخرج السوري المستقل عمّار البيك استخدم في فيلمه (O Jerusalem) المشهد المذكور محيياً بذلك مخرجاً لا يزال يعرف أولوياته- او هكذا يأمل المرء وهو يحاول أن يجد تفسيراً لقبول جودار الدعوة في الأساس. هل كان يريد استغلال المناسبة للحديث عن رأيه في الوضع القائم؟ هل كان يرغب في تسييس زيارته وتحويل محاضرته الى واحدة كتلك التي أحياها في بوسنيا حيث شرح رؤيته للتاريخ؟ هل كان سيسحب من ملفّه هاتين الصورتين لعرضهما على الطلاّب الإسرائيليين؟ أو أنه كان سيؤم الملتقى. يتحدّث عن السينما والفرق بين التصوير بالفيلم والتصوير بالدجيتال ويشاهد بعض الأعمال الطلابية ويعود بعد يومين او ثلاثة الى سويسرا حيث يعيش؟

مهما يكن فإن قبوله الزيارة كان سيعزّز احتفال إسرائيل بذكرى نشأتها الستّين وهي التي تشهد في السنوات القليلة الماضية قدراً من النشاط السينمائي لم تشهد مثيلاً له، من حيث نشاطه وحجمه، منذ أكثر من عقد. نشاط تعكسه مهرجانات يهودية وإسرائيلية تقام في الغرب وتعرض فيه الجديد على نحو سنوي معتاد.

هذه المهرجانات لا تنظّم فقط عروض الأفلام التي تتحدّث عن اليهود او عن إسرائيل او عنهما معاً، بل في الأساس تروّج للسينما اليهودية والإسرائيلية ولصانعيها وتحصد ذلك الوجود الإعلامي والتأييد الضمني الذي تحظى به من تلك المدن الكبيرة المذكورة وسواها.

والوجود الإعلامي بدوره هو من تلك العناصر الرئيسية التي تجعل من باراك أوباما يحسّ بحجم الوجود اليهودي والتأييد لدولة إسرائيل فيبادر الى تكرار تأييده لها ولسلامتها واستقرارها على النحو الذي يسترضي اللوبي المتوغّل بين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.

في واقع الأمر الأمور مترابطة والطرق المختلفة تؤدي الى الساحة نفسها. وما تفعله المهرجانات هو تعزيز الرابط العاطفي والفكري بين يهود الكيان الصهيوني وبين يهود العالم خارجه، كما بين الطرف الأول والمشاهدين الغربيين الذين يقدّرون في المقام الأول حقيقة أن السينما الإسرائيلية موجودة وتبحث في الأوضاع الداخلية او في القضايا الاجتماعية والسياسية التي تعيشها بأساليب بصرية مفهومة وقريبة كون معظم اليهود في إسرائيل جاؤوا من أوروبا وأمريكا متشرّبين، على عكس العقل والعين العربيين، لغة بصرية غربية تحاكي تلك المستعملة في الغرب عموماً.

ذلك المفهوم غائب عن العالم العربي ومعه في الغياب الإدراك بأن السينما ليست مجرّد أفلام نطلقها نحقق أمجاداً محليّة ونربّت على ظهور بعضنا البعض لاشتراكنا في هذا الفيلم الذي سجل إيرادات قياسية او في ذلك الذي هلل له النقاد. ليست السينما، في أي وجهة نظر تتبنّاها مشاهدا او سينمائياً، هي الخليط من التجارة والترفيه بمنأى عن الرسالات الأخرى، بل هي الرسالات الأخرى قبل الترفيه وقبل التجارة والمصلحة الخاصّة.

ما حدث في مهرجان كان السينمائي الأخير كان دلالة على أن البعد شاسع بين نتيجتين سينمائيتين عمر كل منهما ستين سنة من الصراع على هوية الأرض والوطن. ففي حين أن العالم العربي أخفق في استرداد الحق الشرعي للفلسطينيين لا بالسلام ولا بالحرب، استطاع الكيان الإسرائيلي العيش ضمن تلك المنطقة المحدودة له مستفيداً من الهزيمة العربية حياله لتثبيت موقع الوطن في الذات اليهودية.

عدم وجود فيلم عربي في مهرجان كان داخل المسابقة (وهو الأمر الشائع في معظم سنوات كان السابقة) ووجود فيلم إسرائيلي جيّد (الرقص مع بشير) بعد ستين سنة من المواجهة على كل صعيد، ليس سوى دلالة على المنحى الخطأ من التفكير الذي ساد المفهوم العربي الرسمي والشعبي على حد سواء تجاه السينما ودورها. وهو لم يكن، في معظم مراحله، مدركاً لهذا الدور وحين فعل استكان للحد الأدنى حتى من بعد تأسيسه قطاعات عامّة هدفها، المعلن على الأقل، الحث على تكوين هويّة سينمائية عربية جيدة ومتقدّمة وجادّة.

مؤسسات السينما العربية، على قلّتها، إما تحوّلت الى تمجيد لنظام او ترجمة لخطّة مرحلية انتهت بنهاية تلك الخطّة او هي تعثّرت بعد نجاح جيّد وعقدين من الانتاجات المهمّة بسبب من الحرب عليها بتهم تتعلّق ببعض آليات التطبيق لكنها تمادت لتطالب بحل القطاع العام لأنه يخسر كما لو كان الهدف منه في الأساس هو أن يربح.

الوضع الإسرائيلي كان مختلفاً منذ البداية.

الفيلم لعب الدور الإعلامي الأول ولا يزال في الترويج لفكرة إنشاء الدولة، ثم -بعد إنشائها- لفكرة حمايتها وصيانتها ودحض المزاعم العربية بحق الشعب الفلسطيني فيها. ثم وبعد كل حرب خاضتها اسرائيل مع الدول العربية تكرّست لإظهار إسرائيل كدولة غير معتدية بل معتدى عليها ولتمرير رسالة مفادها أن الرد العسكري القوي من جانب الدولة الإسرائيلية أمر مشروع لا في أيام الحروب الرسمية فقط، بل في أي مكان وزمان ترتئيه إسرائيل مناسباً للقيام بحملات عسكرية في الدول الأخرى من لبنان الى تونس ومن سوريا الى أوغندا وبأخرى أمنية تطال العواصم الغربية ذاتها لاغتيال رموز المقاومة الفلسطينية أينما وُجدت.

ملف السينما الإسرائيلية في العامين الماضيين ومطلع هذه السنة هو نتيجة كل هذا المفهوم الثابت بأهمية السينما حتى ولو تحدّثت عن أمور لا علاقة لها بالوضع الأمني او بالصراع القائم. وبالفعل أطلقت السينما الإسرائيلية حديثاً أفلاماً من كل لون ونوع. من تلك الحربية التي تحدّثت عن الشقاق القائم بين السياسيين والعسكريين في فيلم بيوفورت (الذي تناول الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان) الى تلك التي بحثت أموراً دينية وعقائدية يهودية في المقام الأول. من أفلام تسجيلية عن نشأة الدولة العبرية الى رسوم متحركة مبنية على مذكّرات عسكريين كانوا شهوداً على مجازر صبرا وشاتيلا.

في العام 2007 وحده أنتجت السينما الإسرائيلية ثمانية عشر فيلماً لا تتضمن تلك الأفلام المموّلة من قبل المحطّات التلفزيونية وحدها بغاية عرضها على الشاشات الصغيرة، وعدد الصالات السينمائية في اسرائيل هو 380 صالة، وهو رقم يعلو عدد الصالات الموجودة في مصر مثلاً على الرغم من الفارق الهائل في التعداد البشري.

تسعة ملايين و700 ألف تذكرة بيعت خلال ذلك العام. بغياب أرقام عربية فإن المرء لا يستطيع سوى أن يخمّن أن هذا العدد من التذاكر المباعة يضع نسبة الإقبال على صالات السينما في إسرائيل في موقع متقدّم قياساً بدول الجوار العربي. حين نعلم أن دولاً مثل السودان وسوريا وليبيا لا تملك الا النذر القليل من الصالات، وأن لبنان يتحمّل عبء الوضع السياسي الذي لا يخوّله العودة الى نشاطه السابق، وأن غالبية الدول العربية لا تملك صناعات تعرضها في صالاتها، فإن هذه الأرقام لابد أن تتصدّر المقاييس المحليّة في المنطقة.

أكثر الأفلام الإسرائيلية نجاحاً في العام الماضي وحتى مطلع هذه السنة كان زيارة الفرقة وهو فيلم لإيران كوليرين لم ينل إعجاب الإسرائيليين والجمهور العالمي فقط، بل نال إعجاب عدد من النقاد العرب الذين أعجبوا بفكرته الانفتاحية على الآخر. وهو بلا ريب واحد من تلك الأفلام التي تفتح نافذة لكنها في الوقت ذاته تغلق أخرى. النافذة المفتوحة هي على العرب المستعدّين للمرور فوق كل الجراح ونسيان الماضي والتطبيع، وتلك المغلقة هي على اولئك الذين لا يزالون يعانون من تلك الجراح او يفهمون الوضع على أساس انه احتلال كامل وعدوان لا يزال مستمرّاً مع تعنّت إسرائيلي يمنع التقدّم في مسألة السلام حتى حين تتقدّم به الدول العربية بموافقة الفلسطينيين أنفسهم.

فيلم زيارة الفرقة يصوّر إمكانية التعايش (ما يجعله تذكرة مربحة تشتري الإعلام الغربي بأسره) من دون أن ينتقد العوائق الإسرائيلية التي تمنعه. وذلك التغييب المقصود لا يمكن الشعور به او ملاحظته الا لمن لديه الصورة البانورامية الكاملة عن الوضع السائد. صحيح أن بعض الأفلام لا تستطيع أن تتناول في حديثها كل شيء، لكن لو كنت كاتباً جيّداً، ومخرجاً أميناً، لاستطعت إدخال ولو عبارة واحدة في مشهد واحد تتحدّث عن كيف أن السلام لا يمكن الا أن يكون جزئياً حين لا يطال الوضع بأسره.

استولى هذا الفيلم على المركز الأول في مبيعات التذاكر داخل المدن الإسرائيلية ولم ينافسه عليه سوى فيلم بيوفورت ذاك الذي أخرجه يوسف شيدار حول الانسحاب الاضطراري من قلعة بذلك الاسم تكمن على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية.

أفلام القمّة

الجمهور يهجم على الإثارة والمدينة

فيلم الإثارة والمدينة انتقل بنجاح من الصندوق الصغير الى الشاشة الكبيرة منجزاً رقماً هائلاً بالنسبة لفيلم كوميدي- رومانسي- من بطولة نسائية. لم يسع إنديانا جونز والحال هكذا الا العودة خطوة الى الوراء.

سجل الأفلام

الرجل الحديدي فيلم على أكتاف ممثل

السيناريو الذي بنى عليه فيلم الرجل الحديدي للمخرج جون فاريو أحداثه يتمحور حول شخصية بطل الفيلم الذي يظهر في نحو 90 في المائة من المشاهد. ولولا أن الممثل روبرت داوني جونيور من القدرة على تحمّل ضغط مسؤولية حمل الفيلم على كتفيه لسقط العمل باستثناء بعض تلك المشاهد التي يتم فيها استخدام الكمبيوتر غرافيكس لتصوير المعارك الخارقة على الأرض او في الفضاء الخارجي.

إنه فيلم آخر مأخوذ عن شخصية من روايات الكوميكس الأمريكية شأنه في ذلك شأن كل تلك الأفلام التي سبقته مثل رجال إكس، الأربعة الرائعون وباتمان والعديد من الأفلام الأخرى التي تزايد عددها في السنوات العشر الأخيرة مع ارتفاع نسبة الإقبال عليها خصوصاً من قبل الجمهور الشاب والجمهور المؤلّف أيضاً من الجيل الذي ترعرع على مثل هذه الشخصيات في الستينات وما بعد.

حسب السيناريو، هناك توني ستارك (داوني) الملياردير الذي صنع ثروته من وراء تصميم وصنع أحدث أسلحة الدمار والذي يؤمن بحق الولايات المتحدة بشن الحروب على الغير للدفاع عن الحرية والديمقراطية. شأنه في هذا الدفاع شأن شريك والده (الذي مات بينما كان توني صغيراً) ويؤديه الممثل جف بردجز. لكن إذ يقع توني في أسر قوّات أفغانية أثناء زيارة له لبيع أسلحة جديدة للجيش الأمريكي هناك، يدرك توني مغبّة السياسة التي آمن بها مدركاً أن السلاح الذي يبيعه للجيش الأمريكي هو الذي يفتك بهم. فيقرر، بعد هربه من الأسر، تطوير فكرة بذلة معدنية تتيح له العودة الى مبدأ القتال المنفرد عوضاً عن تصنيع الأسلحة الحربية. هذا المنحى يضعه في مواجهة شريك والده الذي يساعد المجموعة الأفغانية ليس من مبدأ اعتناق تفكيرها بل لاستخدامها في السيطرة على العالم كقوّة إرهابية. هذا سيقود الى مجابهة بين توني والشرير الأكبر وصولاً الى النهاية المتوقّعة.

لا يعتبر الفيلم أن المجموعة الإرهابية هي من رجال طالبان، لكن اللافت أن أفرادها يتكلّمون اللغة العربية (بينهم الممثل المصري سيد بدرية). لكن الفيلم يوزّع اللوم على الأمريكيين الذين، طمعاً بالثروة، يبيعون السلاح لأعداء الولايات المتحدة بلا رادع.

أوراق ناقد

التلفزيون وسينما المقاولات

منذ سنوات أخذت محطات فضائية عربية على عاتقها مهمّة دخول الساحة السينمائية بأموالها الخاصّة كطرف إنتاجي مقابل أن يؤول لها الفيلم كتوزيع سينمائي وتلفزيوني خارج مصر. المحطّة السبّاقة الى ذلك كانت روتانا التي بادرت بالفعل الى الإسهام في تمويل العديد من الأفلام المصرية تضمّها في نهاية المطاف الى مخزونها من الأفلام الجاهزة للعرض التلفزيوني بعد دورة تلك الأفلام على صالات السينما في الإمارات والبحرين والكويت من بين دول أخرى.

تجارياً، ليس هناك ما يعيب هذه المحاولة. المحطّات التلفزيونية العربية تستطيع الاعتماد على الإنتاجات العربية التي تشترك في تمويلها (او قد تموّلها بالكامل) كرديف أساسي لمخزونها السينمائي. بكلمات أخرى، عوض أن تكتفي بشراء الأفلام القديمة وتكرر عرضها، كما هو حاصل معها جميعاً، تنتقل الى مرحلة الإنتاج بنفسها فتحقق بذلك غايتين: ترفع من حجم مكتبتها السينمائية من ناحية، وتتحوّل الى موزّع سينمائي على أمل أن تسترد تكاليفها (وربما بعض الأرباح) من عملية التوزيع الخارجي (الداخلي يبقى في أيدي موزّعين مصريين).

ولأن المحاولة تجارياً صائبة، فقد تبعت محطّات أخرى، مثل إم بي سي واي آر تي، النمط او هي رفعت درجة نشاطها في هذا المجال في الأشهر الأخيرة. إحدى هذه المحطّات لديها، كما تردد، ثمانية أفلام في مراحل مختلفة وتأمل أن تواصل العمل لرفع هذه النسبة الى نحو عشرة او خمسة عشر فيلماً في العام الواحد.

بالطبع، حتى تضمن هذه المحطّات أن تستعيد أرباحها ممنوع عليها أن تقدم على مشاريع ستكلّفها غالياً او أخرى من التخصص بحيث لن تستطيع عرضها في صالات السينما. بهذا، لا يبقى مفتوحاً أمامها سوى ذات النوعية من الأفلام التي عانت مصر من إنتاجها منذ أن تهاوى القطاع العام وتراجع المنتجون الكبار وتوقّف حال المخرج- المفكّر والمخرج -الفنان تبعاً لمناخ الوضع المحلي منذ مطلع الثمانينات.

آنذاك، سادت سينما المقاولات التي غذّتها أيضاً رؤوس أموال غير مصرية. ولأن هناك من يريد أن يكسب ويعيش داخل مصر أيضاً فإن التجاوب مع شروط تلك السينما كان كليّاً من قِبل أطراف الصناعة السينمائية.

المرحلة الحالية تختلف من حيث امكانيات تقنية متوفّرة أكثر مما كانت عليه في ذلك الحين، كما أن السوق المحلّية منتعشة الى حد يكفي لتمرير ثلاثة او أربعة أفلام ناجحة جدّاً كل سنة، ومثيلها من تلك التي تجتاز نصف النجاح. الباقي يسقط في مكانه.

سياسة المحطّات التلفزيونية الداخلة الى هذا العرين لا تختلف، كما يتبدّى لنا حسب المعلومات المستقاة، من سياسة سينما المقاولات. الآن تحت أسماء مختلفة ولو بالنتائج ذاتها. فحين يكون الهم هو الربح ويكون السبيل الوحيد الى ذلك تقليص النفقات والميزانيّات، فلن يبق سوى طرق باب الإنتاجات الرخيصة ونبذ فكرة إنتاجات رخيصة ذات فكر او أساليب فنية ومعالجات جادّة.

وهذا بدوره يؤدي الى أن تبقى مشاكل النوعية في السينما المصرية قائمة وأن يبقى مفهوم أن يسود الربح بأي وسيلة الصناعة بأسرها.

في السينما لديك ثلاثة أفلام لا أكثر: فيلم تجاري رخيص مادة وفكراً، وفيلم فني محدود الجمهور، وفيلم يحاول الجمع بين الاثنين. وهذا الثالث هو الأصعب ولا يقدر عليه سوى مخرجون متمرّسون ويعرفون تماماً فن المحافظة على الأولويات. وحين كان القطاع العام موجوداً في مصر وسواها، فإن المخرج تمتّع بميزة لم يتمتّع بها قبل ذلك او بعده: الحريّة في الإبداع الفني بلا قيود تجارية.

التلفزيون العربي إذ يدخل الإنتاج لا يفعل ذلك وهو يفكّر بخيري بشارة او محمد خان او سعيد مروزق او إيليا سليمان او نادين لبكي او نوري بو زيد، لأن هموم هؤلاء ليست تجارية. يدخل من باب السينما كتجارة فقط وهو الدخول الذي يؤكد لنا تخلّف التلفزيونات العربية وتأثيرها السلبي في الثقافة بأسرها.

م.ر

[email protected]

shadowsandphantoms.blogspot.com

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"