على الرغم من الوجود البريطاني الطويل في الإمارات، والذي بدأ منذ العشرينات من القرن التاسع عشر، لم تؤسس الحكومة البريطانية قوة أمن إلا في بداية الخمسينات من القرن العشرين، ولم تكن هناك مبررات لعدم وجود قوة لحفظ الأمن، خاصة أن الحكومة البريطانية لم تكن لتقبل بوجود قوات أمنية محلية في ظل حمايتها للمنطقة، وعموماً لم يكن من الممكن لأي حاكم أن ينشئ قوات أمنية لحماية إمارته في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة خلال فترة ما قبل النفط، وكانت القوات الأمنية الوحيدة في الإمارات هي مجموعة الحرس المحيطة بالحاكم وهم من يطلق عليهم مسمى المطارزية وهذه المجموعة تنحصر مهمتها في حماية الحاكم وتنفيذ بعض المهام.
رغم انتشار الحوادث الخطرة كإغارات القبائل على المدن، وعمليات خطف الأطفال والنساء التي انتشرت بكثرة من العشرينات حتى بداية الخمسينات من القرن العشرين، وانعدام الأمن في المناطق البعيدة عن المدن الساحلية، إلا أن السلطة البريطانية لم تحرك ساكناً، وفي نهاية الاربعينات بدأت السلطة البريطانية تستشعر ضرورة وجود قوات أمن لحماية المسؤولين البريطانيين، وأيضاً لحماية فرق استكشاف النفط التي بدأت تفد إلى المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية وكلها تابعة لشركة نفط العراق البريطانية، كما أن عمليات الخطف والاسترقاق زادت بمعدلات خطرة استوجبت التصدي لها، ومنذ أواخر الاربعينات بدأت المباحثات بين المسؤولين البريطانيين حول تشكيل قوة لحفظ الأمن، فكيف كانت الأوضاع الأمنية في تلك الفترة؟ وماذا دار في تلك المباحثات؟ وكيف اسست قوة ساحل عمان عام 1950؟ وهل أدت مهمتها التي أسست من أجلها؟
خلال الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، نشرت بعض الصحف المحلية أخبار رجال ونساء من الإمارات اختطفوا عندما كانوا أطفالاً وأرسلوا إلى دول الخليج ضمن صفقات بيع للرقيق، وعادوا للإمارات يبحثون عن أهلهم وذويهم، ولا شك في أن هذه الحوادث المأساوية التي حدثت في الإمارات وفي معظم مدن الخليج قبل النفط، كانت مفجعة وتعبر بوضوح عن قسوة الحياة في تلك الفترة، فالكساد الاقتصادي الذي ضرب المنطقة منذ بداية الثلاثينات، بعد انتشار اللؤلؤ الاصطناعي.
كل ذلك أدى إلى تدمير المهنة الرئيسية لأبناء منطقة الخليج، وفي حين انصرف كثير من سكان المنطقة لمهن أخرى لسد متطلباتهم المعيشية، كصيد الأسماك والزراعة والرعي، إضافة إلى هجرة الكثيرين للعمل كعمال في آبار النفط المكتشفة في البحرين والسعودية والكويت، اتجه بعض التجار للعمل بالتجارة الممنوعة كما يحدث في كل مكان، وكانت تجارة الرقيق هي أسوأ انواع التجارات الممنوعة، وأكثرها قسوة.
وبما أن هذه التجارة كانت محاربة من حكام المنطقة، كان من الطبيعي أن يلجأ تجار الرقيق إلى المناطق التي لا توجد فيها سلطة، ولم يجدوا أفضل من المناطق المتنازع عليها في تلك الفترة.
وكانت المنطقة الشرقية في الإمارات أحد مراكز استقبال الرقيق، وأسرت أعداد كبيرة من الرقيق في مدن الإمارات وأرسلوا عن طريق البحر إلى قطر والكويت والسعودية لبيعهم هناك، وأكد تقرير قدم للمقيم السياسي البريطاني هذه الحقيقة عام ،1949 وأوضح التقرير أنه في عامي 1947 و،1948 ذكرت التقارير أن 48 شخصاً معظمهم من النساء والأطفال بيعوا في أسواق النخاسة، وأنهم، باستثناء اثنين، تم أسرهم بالقوة،(1) ويشير تقرير آخر لعام 1947 إلى أن حاكم دبي طرد واحداً من كبار النخاسة، واستعاد منه ثلاثة أشخاص كان خطفهم من دبي، وقام الوكيل المحلي بزيارة إلى مناطق سوق الرقيق وأجرى تحقيقات حول تجارة الرقيق، وعمل على الافراج عن ثلاث نساء كن اختطفن من دبي والشارقة (2)، وعام ،1948 أوصى الضابط السياسي في الإمارات في تقرير للوكيل السياسي بالبحرين لاتخاذ إجراءات أكثر شدة لمواجهة الموقف بعد ازدياد اختطاف الأرقاء من دبي والشارقة وبعض الإمارات الأخرى وساحل الباطنة (3)، ويقول تقرير آخر كتب عام 1948 إن تجارة الرقيق انتشرت في المنطقة، ويعتبر حجم هذه التجارة صغيراً في إمارات الساحل مقارنة بحجمه في مناطق أخرى، ومما زاد في رواج هذه التجارة وجود تجار رقيق من السعودية وقطر كانوا يدفعون أسعاراً عالية نظير الأرقاء المختطفين ليعيدوا بيعهم في الأسواق السعودية. ويكمل التقرير وجهة نظره فيقول ما لم يتم وقف هذه التجارة في السعودية، فإن الحكومة البريطانية لن تنجح في إيقافها في إمارات الساحل، خصوصاً في ظروف الأزمة الاقتصادية التي تعيشها المنطقة (4). واستمرت هذه التجارة بقوة حتى منتصف الخمسينات، كما أن بعض القبائل بدأت تغير على المدن وتستولي على ما تستطيع الحصول عليه من مؤن وغيرها، ويشير أحد المصادر إلى أنه عام 1939 رفع حاكم رأس الخيمة شكوى للسلطات البريطانية ضد هجمات على ممتلكات بعض إمارات الساحل، وكتب رسالة للوكيل المحلي يقول فيها تبعاً لمشاغلنا الداخلية الراهنة فيما يتعلق بالقبائل التي يزعزع رجالها السلام، ويرتكبون الجرائم ضد الحياة والممتلكات، نوافق ونتعهد بأن تكون بلادنا دولة واحدة، وأن أية جريمة ترتكب ضد إمارة من الإمارات سوف تعتبر كأنها موجهة لنا جميعاً، وان المجرم لن تكون له أية حماية، وتعاقبه أية إمارة تقبض عليه، ولو أن قبيلة عصت شيخها المسؤول، الحاكم فسوف تعتبر هذه عاصية وعلينا معاداتها ومقاطعتها جميعاً. وما سبق ذكره كان مسودة اتفاقية للتعاون بين الحكام ضد هذه الأنشطة، ورفع الوكيل المحلي في الشارقة مذكرة إلى الوكيل السياسي في البحرين ليخبره بأنه أعلم حاكم رأس الخيمة، بأنه في حالة توقيع شيوخ الإمارات على هذه الاتفاقية لغرض التعاون، ومساعدة كل منهم الآخر ضد الأنشطة، فإن السلطات البريطانية تؤيد ذلك (5).
النفط والحدود
طيلة فترة وجودها لم تسع بريطانيا لتأسيس قوات برية لعدم حاجتها لذلك، فقد كان الهدف الأساسي للنفوذ البريطاني في الإمارات منذ عام 1820 حتى استقلال الهند عام 1947 هو الحفاظ على السلم البحري في مياه الخليج بوصفه أحد الممرات الحيوية للهند. لذا حرصت بريطانيا على تجنب التورط في أي مشكلات داخلية كالحروب التي تنشب بين القبائل ما دامت لا تهدد سلامة الملاحة البحرية، إلا أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت تحولاً جذرياً في هذه الاستراتيجية، إذ انتقلت المصالح البريطانية من الساحل الى الداخل إثر تزايد احتمالات العثور على النفط من ناحية، واستغلال الهند من ناحية أخرى، وكانت المشكلة الأخطر التي أقلقت بريطانيا هي عدم استقرار الأوضاع الأمنية في الامارات في الوقت الذي تطور فيه التمثيل الدبلوماسي البريطاني لديها. ونشطت شركات النفط في عمليات المسح الجيولوجي، ومثلت حالة عدم الاستقرار الامني هذه انعكاساً حقيقياً للحالة الاقتصادية المتردية التي عانت منها المنطقة، مع انتشار البطالة التي نجم عنها حدوث الكثير من الاضطرابات.
وكانت المشكلة الرئيسية الثانية الى جانب تجارة الرقيق، التي اسهمت بشكل فعال في زيادة توتر الوضع الأمني في الامارات، اشتعال مشكلات الحدود الداخلية اثر استئناف شركات التنقيب عن النفط نشاطها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واحتاجت تلك الشركات الى معرفة مناطق نفوذ كل حاكم لتحديد مساحة امتيازه، ولم تكن هناك اية خريطة سياسية دقيقة تحدد بداية حدود كل إمارة ونهايتها، ولم تكن مناطق نفوذ الحكام تحدد بالأراضي التابعة لهم، بل بالقبائل الخاضعة لسيادتهم، ولما كانت هذه القبائل في ظل النظام القبلي، وظروف الصحراء القاسية تنتقل من مكان لآخر بحثاً عن الماء والكلأ، فإن نفوذ الحكام كان ينتقل معها، وساهمت هذه العوامل في انتشار حركات التمرد لدى بعض القبائل التي انتقلت الى مناطق جديدة تحت سيادة حكام آخرين، وعندما ظهرت قضية الامتيازات النفطية، بدأ بعض الحكام بالمطالبة بالاراضي التي تسكنها تلك القبائل، والتي اعتبرها جزءاً لا يتجزأ من إمارته، وكان لنشوب بعض النزاعات المحلية أثره في تفكير الحكومة البريطانية بالتدخل بنفسها في النزاعات الداخلية.
وسط هذه الظروف الصعبة، وهنا برزت مشكلة عدم وجود قوة عسكرية تساعد الانجليز على حفظ استقرار الوضع الامني في الداخل، وزاد من تفاقم المشكلة اتساع دائرة نشاط شركة تطوير نفط الساحل المنبثقة عن شركة نفط العراق التي تنقب عن النفط، وحاجة موظفيها للحماية، إذ ابلغ مسؤولوها الحكومة البريطانية عدم قدرتهم على متابعة اعمال التنقيب ما لم تتوافر قوة لحمايتهم، وامام كل هذه المستجدات والظروف المختلفة، فكرت الحكومة البريطانية عام 1949 في انشاء قوة عسكرية ثابتة لها تستخدم في المناطق الداخلية من الإمارات (6).
مناقشات
جرت مناقشات كثيرة بين المسؤولين البريطانيين حول تشكيل قوة ساحل عمان، كعادة الانجليز عندما يطرحون مشروعاً مقترحاً تشترك عدة جهات في ابداء رأيها في الموضوع. ورغم ان تلك المداولات ليس لها أهمية كونها مناقشات تتم بينهم لمعرفة رأي مختلف القطاعات في المشروع المطروح، إلا أننا نستفيد احيانا من تلك المداولات لمعرفة حقيقة الأهداف التي يرمى لها من تأسيس هذا المشروع. ويبدو واضحاً من المناقشات، ان الغرض الاساسي والأهم هو حماية شركات النفط والدبلوماسيين البريطانيين وليس الأمن الداخلي للامارات، وتأتي مسألة تجارة الرقيق في المرتبة الثانية وربما الأخيرة من حيث الاهتمام بإنشاء تلك القوة. وتتضح الكثير من الحقائق في رسالة بعثت بها دار المقيم البريطاني بالبحرين بتاريخ 30/12/1948 عن محادثات مطولة مع سلطان عمان وصقر بن سلطان النعيمي زعيم قبيلة النعيم، حول المخاطر التي تصادف شركات النفط في عمليات التنقيب في الاراضي الداخلية والحدود المشتركة التي لم تكن حددت في تلك الفترة. وتقول الرسالة الوضع العام لا يشجع على العمل من دون وجود قوة حماية مناسبة منذ وقعت حالتان لإطلاق النار على بعض ضباط الحكومة البريطانية وموظفي شركة نفط العراق المنقبة عن النفط، ويبدو صعباً تحديد مصادر النيران مع وجود انتشار قبلي كبير في الصحراء والمناطق الجبلية، كما ان المحادثات مع بعض رجال القبائل لا تحل المشكلة، ولكن تبقى افضل من لا شيء، ولو شكلت الحكومة البريطانية قوة من الجنود البريطانيين لحماية تلك الشركة أو غيرها، فربما يصبح هؤلاء الجنود هدفاً سهلاً لرجال القبائل لأسباب متنوعة، ولذا كان هناك اقتراح بتشكيل تلك القوات وخاصة في تلك المناطق من قوة تتكون من حوالي 50 رجلا يتم اختيارهم من القبائل بنفس الاسلوب الذي تكون به اللواء العسكري العربي في الاردن، شريطة ان يقودها ضباط اكفاء (7).
وكان من ضمن المقترحات التي تضمنتها رسالة روبرت هاي المقيم السياسي البريطاني في الخليج ان تقوم شركة النفط بتأسيس وتدريب قوة من الحرس، خاصة ان شركة نفط العراق كانت تدفع مخصصات اللواء العسكري العربي في الاردن، وكانت وجهة نظر الحكومة البريطانية مطابقة لهذا الاقتراح وان تؤسس الشركة قوتها الخاصة من رجال القبائل بعيداً عن الحماية الحكومية(8).
واستمرت المباحثات بين المسؤولين البريطانيين طيلة عامي 1948 و1949 اضافة الى جزء كبير من عام 1950 حول تأسيس تلك القوة ومهامها، وكان من أهم البنود الصعبة التي أخذت وقتاً طويلاً هو طرق تمويل هذه القوة. وفي مطلع ،1950 وافقت وزارة المالية البريطانية على تشكيل قوة من 70 رجلا بدلاً من 100 رجل كما اقترح، وان تتحمل التكلفة وزارة الخارجية، واقترح في البداية الحصول على نواة لهذه القوة من عدن، لكن تقرر فيما بعد انه يمكن توفير طاقات بشرية افضل من الجيش العربي في الاردن، وعين ضابط بريطاني استقدم من هناك في منصب القائد مع ضابطين عربيين، وانتدب 32 شخصاً من اصحاب الرتب والأفراد مع تجنيد العدد المتبقي من القوة محلياً وتقرر اطلاق تسمية قوة ساحل عمان على هذه القوة، وأن يكون مقرها في الثكنات الخالية التابعة لسلاح الجو الملكي في الشارقة. وجرت مناقشات كثيرة حول حق الحكومة البريطانية في تشكيل القوة، لأنه لا توجد معاهدة يمكن أن تعتبر أنها تغطي ذلك، وطرح في البداية اقتراح للقيام بمحاولة للحصول على موافقة الحكام على تشكيلها، فاعترض المقيم السياسي على هذه الطريقة، وفي النهاية صدرت إليه الأوامر لإبلاغ الحكام شفوياً باقتراح تشكيل القوة، والأسباب الداعية إلى ذلك على أساس أن تعتبر بعد ذلك قانونية. وتبعاً لذلك جرى إبلاغ الحكام في سبتمبر/أيلول 1950 فكانت النتائج مرضية، وبالتالي قوبل تشكيل القوة بالترحيب في كل مكان، ومن أجل إخضاع أفراد قوة ساحل عمان لسلطة الحكومة البريطانية، ومن أجل تبرير إصدار لوائح ملكية حول إنشاء وتجنيد وانضباط ونظامية القوة المقترحة، صدر مرسوم جديد لإمارات الساحل في ديسمبر/كانون الأول ،1950 ثم صدرت اللوائح الملكية بعد فترة قصيرة تقضي بتأسيس قوة ساحل عمان لتحقيق ما يلي:
1- صيانة الأمن والسلام والنظام في إمارات الساحل. 2- توفير حراس للموظفين البريطانيين، وتبع ذلك إصدار لوائح تتعلق بالاعتقال والتفتيش، ومنحت سلطات إضافية للمقيم السياسي لإصدار اللوائح التي تنظم عمل القوة، كما تحددت العقوبات على كل المخالفات التي يرتكبها أشخاص خاضعون لسلطة الأمر الملكي من غير أفراد القوة، وعندما كانت اللوائح في طور الإعداد، رأت وزارة الخارجية ضرورة الحصول على موافقة الحكام على بعض البنود الواردة في اللوائح، ولكن المقيم السياسي اعترض، فتمت الموافقة على إرسال نسخ من هذه اللوائح باللغة العربية ليطلع عليها الحكام، وليقوموا بدورهم بتحذير رعاياهم من مغبة مخالفة هذه اللوائح، ونتيجة لكل ذلك تم تأسيس القوة، وصدرت لائحة بالإجراءات التأديبية، كما صدر توجيه يحدد واجبات القوة الجديدة.(9)
نواة لتشكيل مجتمع مختلط
إضافة إلى قضية تمويل القوة، واجهت السلطة البريطانية مشكلة تركيبة القوة، فمن السهل توفير قادة وضباط من البريطانيين، ولكن ماذا عن الأفراد؟ ومن خلال المداولات التي تمت بين المسؤولين البريطانيين بخصوص إنشاء تلك القوة، هناك تقرير كتبه مستر بيلي الوكيل السياسي في البحرين يبدي رأيه فيما يتعلق بالجنسيات التي يجب تجنيدها في هذه القوة، فيقول أرى أن الاحتمالات التالية هي المتوفرة لدينا حالياً وهم: المواطنون، والبلوش، والصوماليون، والهنود، والباكستانيون. وفيما يخص المواطنين، فمن الصعب الحصول على العدد الكافي من الرجال الأقوياء المهيئين للمهام العسكرية، أما البلوش فهم عناصر لا يعتمد عليها وأثبتت التجارب صدق هذه المقولة، أما الصوماليون فإنهم يتصفون بحدة الطبع وصعوبة التعامل معهم، فضلاً عن عدم إمكانية الاعتماد عليهم، وعلى الرغم من أن فكرة تجنيد الباكستانيين أو الهنود قد تجد ترحيباً أكثر بشرط أن تكون القوة تحت قيادة ضباط بريطانيين سابقين ممن عملوا في الجيش الهندي، إلا أن الفكرة ستواجه بالمعارضة، ومن الأفضل في حال تكوين هذه القوة من الهنود والباكستانيين أن تكون خليطاً متنوعاً من حيث العرق والدين، ومن الأفضل استشارة الحكام في هذا الصدد كما أن من الممكن تجنيد فصيلة من المواطنين في بداية مرحلة تكوين القوة حتى يمكن تدريبهم، وإذا نجحت التجربة من الممكن أن يكون هؤلاء المواطنون بديلاً للهنود والباكستانيين عند التقاعد أو إنهاء الخدمة. ونقلت هذه الفكرة إلى مستر بيرد وكان رأيه أنها ستواجه بمعارضة في بادئ الأمر، ولكني لا أعتقد ذلك، فاستخدام البلوش في مسقط لم يقابل بأية معارضة، وفي حالة العرب، فإن صعوبة طباعهم، وعدم قدرتهم على كبح غضبهم سيقف حائلاً دون اختيارهم لهذه المهمة(10). كانت هذه مقترحات تقدم بها أحد المسؤولين البريطانيين ويشغل منصباً مهماً في الإدارة البريطانية، وهو مستر بيلي الوكيل السياسي في البحرين قبل تأسيس القوة، وتعبر مقترحاته عن وجهة النظر البريطانية الواضحة والرامية إلى تحويل المنطقة بشكل عام، والإمارات بشكل خاص إلى مجتمع أقليات، فقد لاحظ البريطانيون قلة عدد السكان، ورأوا أن أفضل أسلوب لتفتيت بنية تلك المجتمعات إغراقها بالأجانب، وبالأخص الآسيويين، وفي تلك الفترة، كان دخول العرب محظوراً إلا بموافقة السلطة البريطانية بعكس الجنسيات الآسيوية وخاصة الهنود والباكستانيين، ورأينا في حلقات سابقة ما ذكره عبدالقادر زلوم عن الأعداد الهائلة من الآسيويين التي كانت تفد للإمارات في أواخر الخمسينات وبداية الستينات، ويمكننا من خلال قراءة أفكار بيلي تصور طبيعة التفكير الإنجليزي، فالسلطة البريطانية تريد تكوين قوة تدعي ظاهرياً أن أهم مهامها ردع تجار الرقيق وحفظ الأمن، ولكن إذا كان هذا أحد أهدافها، فمما لا شك فيه أن هدفها الأول هو حماية شركات النفط البريطانية ورجال الحكومة البريطانية العاملين بالإمارات، وفي حين أنها تريد أن تسمي تلك القوة باسم قوة ساحل عمان فإنها في واقع الأمر قوة جنودها هنود وباكستانيون كما هو مقترح، وضباطها إنجليز، وأشار بيلي بوضوح إلى عدم صلاحية المواطنين والبلوش والصوماليين للعمل في هذه القوة بسبب حدة طباعهم أو غيرها من الأسباب، ولكن هل من الممكن أن يكون كل الصوماليين والعرب والبلوش حادي الطباع؟، وفي فقرة أخرى يشير إلى أنه من الممكن تكوين فصيلة من المواطنين يتم تدريبها، وإذا نجحت التجربة من الممكن أن يكون هؤلاء بديلاً عن الهنود والباكستانيين عند التقاعد أو إنهاء الخدمة، ولم يذكر بيلي كيف من الممكن أن تفشل مثلاً تجربة تجنيد مجموعة من المواطنين كجنود في قوة عسكرية، فهل يختلف هؤلاء عن كل الشعوب التي تكونت منها جيوش، وهل التدريب العسكري يحتاج إلى مهارات خاصة حتى يخضع أشخاص من جنسية ما للتجربة قبل الحكم على صلاحيتهم للعمل كجنود في قوة عسكرية مهمتها حماية فرق النفط ومطاردة عصابات الرقيق؟ ويرى بيلي أن من الممكن لهؤلاء أن يحلّوا في حال نجاحهم محل الهنود والباكستانيين عند التقاعد أو إنهاء الخدمة، أي في حالات نادرة ومحددة من الخروج من الخدمة. وفي النهاية قامت السلطة البريطانية بتأسيس تلك القوة بضباط بريطانيين وجنود معظمهم من بدو الأردن بعد الاستعانة باللواء العسكري العربي في الأردن الذي كان يرأسه جلوب باشا، وشكل المواطنون الإماراتيون النسبة الأقل في بداية تكوين تلك القوة حسب الخطة البريطانية، لكن السلطة البريطانية اضطرت إلى تجنيد المزيد من المواطنين أمام الظروف التي أدت إلى رحيل جزء كبير من أفراد اللواء العسكري الأردني.