كأنك تمر عبر باب العامود أو الاسباط، لتطأ الأرض التي عليها ما يستحق الحياة، اذ خيل لنا لحظة عبورنا الجناح الفلسطيني في القرية العالمية أننا في احدى القرى الفلسطينية، حيث رائحة الزعتر والزيتون والميرمية الفواحة التي تأخذنا إلى هناك وابعد، إلى زهر اللوز في جنين والناصرة، يعانق شهد زيت الزيتون في القدس والجليل، بل إن الأمر تعدى إلى ما هو اكثر، لنجد تراب الحرم القدسي الشريف الذي يطلبه الزائرون اشتياقا منهم لفلسطين ولتحقيق حلم يراودهم في ملامسة ذلك التراب المقدس الذي ربما لن تراه اعينهم الا من خلال زجاجة جاءت من فلسطين..
الخليج تجولت في ازقة الجناح الفلسطيني ورصدت مشاهدات وعيون بكت لاجل تراب وزعتر البلاد واخرى صاحت عند رؤية المطرزات اليدوية التي قد يستغرق انجازها نحو عام كامل على ايدي نسوة ربما لا يعرفن القراءة والكتابة لكنهن يتقن ترجمة وطنيتهن عبر نقشات تراثية في الثوب الفلسطيني.
أم بلال فلسطينية، قادمة من قرية كفر راعي في محافظة جنين تتصدر في محلها مدخل الجناح الفلسطيني، بالكاد تفرغت دقيقتين للاجابة عن اسئلتنا، اذ ان الزبائن انهالوا عليها مثل المطر مقارنة مع العام الماضي، إذ لجأ البعض منهم إلى مفاوضتها لتقليل السعر بضعة دراهم.
تقول أم بلال: هذا العام تزايد الطلب كثيراً على منتجات محددة كالزعتر والزيت والمفتول والفريكة والاجبان، حيث ان الغالبية يطلبونها من صنع البيت حسب تعبيرهم، إلا أن المميز هذا العام عن بقية الاعوام المنصرمة مفاوضات الزبائن معنا اعتقاداً منهم اننا نرفع اسعارنا لزيادة الطلب، لكننا نوضح لهم أن الموسم الحالي للزيت والزيتون في فلسطين شحيح كونه لم ينتج منه سوى 10% مقارنة مع العام السابق.
وتضيف: الكثير من الزبائن لا يعرفون عن منتجاتنا الوطنية لكنهم يسألون زيادة عن اللزوم لمعرفة كل ما يتعلق بفلسطين، مشيرة إلى شعورها بالغبطة لدى تقديمها لقمة لكل الذين يمرون أمام محلها لتذوق الطعم الفلسطيني على أصوله بل إنها تنسى كل تعبها عندما تسمع احدهم يقول: ما اطيبه.
وتتابع: العديد من السيدات صغيرات السن يسألن عن طريقة طبخ المفتول كونه من المأكولات التراثية، إلا أن اكثر المواقف التي يصعب نسيانها تعود لواقعة حدثت قبل أسبوع عندما قدم شاب إلى المحل وبدا يقول: الله يرحم ايامك يا حنونة (والدته) لدى مشاهدته المفتول الذي ذكره بوالدته.
أما جورج خير القادم من بيت ساحور في محافظة بيت لحم وصاحب محل معروضات خشبية واكسسورات فيوضح ان اكثر معروضاته ترمز لبيت المقدس والاديان، في حين تتزايد طلبات الزبائن على شراء القطع الخشبية التي تجسد قبة الصخرة، كذلك الكوفية بلونيها الأسود والأحمر، علاوة على الاكسسوارات الوطنية والاغاني التراثية والفلوكلورية.
ويتابع: غالبية زبائن العام الحالي تقريبا زبائن العام الماضي، إذ إنهم يتصفون بالمواظبة على التردد على الجناح الفلسطيني لمشاهدة ما هو جديد، بل يلجأ بعضهم إلى تذكيرنا بالاغاني التراثية والفلوكلورية التي طلبها العام الماضي والسؤال عن الجديد لبعض المطربين الوطنيين.
في حين يشير بسام أحمد الزعبي، لاجئ من الرملة وصاحب محل مطرزات يدوية إلى أن أكثر زبائنه هن من السيدات اللواتي يسألنه عن كل غرزة في الثوب الفلسطيني على حد قوله، نتيجة رغبتهن في معرفة تفاصيل تطريز الثوب والمنطقة التي يمثلها والوقت الذي قضته المرأة الفلسطينية في تطريزه.
ويوضح أن الكثير من السيدات يتهافتن على شراء المطرزات وخاصة الثوب رغبة منهن في ارتداء الزي الفلسطيني التراثي لما له من مدلول وطني، إلا أن أكثر الاثواب طلباً يعود لمناطق القدس ويافا خاصة الثوب الذي يتميز باللون الاسود والتطريز الاحمر.
ويتابع: قالوا في الامثال ان المرأة تتصف بالدهاء وهذا صحيح لأن اكثر المواقف التي تعرضت لها ولن انساها ما حييت تعود لسيدة مسنة دخلت المحل تسأل عن الثوب الخليلي، وعندما أظهرت لها أحد الأثواب صاحت انه ليس بالثوب المطلوب، كونها تعرف أكثر مني عن أثواب كل منطقة في فلسطين.
أما أمجد سمارة القادم من قرية بين أمرين في محافظة الخليل وصاحب محل خشبيات فيقول إن أكثر الطلب يعود للكوفية التي لا تزال ترمز للنضال الفلسطيني، حيث أن أكثر الزبائن من دول مجلس التعاون الخليجي والاجانب الذين يرغبون في التضامن مع الشعب الفلسطيني من خلال شراء الكوفية، إلا أن غالبيتهم يطرحون اسئلة عديدة عن الفرق بين السوداء والحمراء وكيفية ارتدائها ومنطقة تصنيعها.
ويضيف: أحد الزبائن الدائمين على مدى الاعوام التي مضت طلب مني العام الماضي أن أحضر تراباً من القدس حتى يشتم رائحة فلسطين كما قال أنذاك، حيث حضر في الأيام الاولى من انطلاقة المهرجان ليسأل إذا احضرت له طلبه، وعندما شاهد حفنة التراب ووضعها في كفه بدأ في استنشاقها وليس شمها فقط وهو يقول: (حقاً إنها رائحة الجنة).
مهنة متوارثة
أما بالنسبة لمجدي النتشة القادم من مدينة الخليل وصاحب محل للتحف الخزفية والزجاجية فيقول ان هناك فئات معينة تقبل على شراء هذه المنتجات خاصة الأجانب الذين يدهشون لدقة صنعها اليدوي، بل إن بعضهم يجلس معنا لساعات لمعرفة مراحل صنعها.
ويضيف: تشتهر مدينة الخليل بهذه المهنة المتوارثة منذ اجيال مضت، اذ إن كل قطعة منها تستغرق ساعات واحياناً اياماً في صناعتها كونها تحتاج لدقة وصبر، في حين للرسومات التي تظهر عليها مدلولاً وطنياً وتراثياً خاصة الرموز المتعلقة بمدينة القدس والناصرة والخليل اضافة إلى الآيات القرآنية، علاوة على انها ليست للزينة كما يعتقد البعض بل يمكن استخدامها في المنزل بهدف تقديم الاطعمة والفواكه.
ومن جانبه يوضح مجدي خاطر القادم من بلدة طوباس في محافظة نابلس ويعمل في محل لبيع المواد الغذائية منزلية الصنع أن أكثر الزبائن يشعرون بالدهشة عند مشاهدتهما للزعتر البلدي والجبلي والغزاوي واللبنة بمختلف أنواعها، في حين هناك من يبحث منهم عن النكهات الغريبة على حد قولهم خاصة الزيتون الأسود والأخضر الحار، إضافة إلى المنتجات الجديدة التي تميزت هذا العام مثل البيتزا الفلسطينية والكنتاكي الفلسطيني.
ومن بين الزائرين الذين جالوا الجناح الفلسطيني زوجان بريطانيان هما جويم ومايكل اللذان قالا انهما يرغبان في شراء المنتجات التراثية بعد سماعهما عنها من اصدقاء لهما زارا مدينة القدس في وقت سابق، حيث انه وباعتقادهما ان أجمل المعروضات هي التحف الزجاجية والخزفية والخشبية التي ترمز للناصرة والقدس. وتضيف جويم: أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الجناح هو المعروضات التي ترمز للقضية الفلسطينية خاصة الكوفية التي اصبحت رمزاً من رموز التضامن مع الشعب الفلسطيني.
أما فادي نزال فأوضح أنه يزور الجناح الفلسطيني للبحث عن الاغاني الفلوكلورية الخاصة بالأعراس بالاضافة إلى الجديد في تصميمات الاكسسوارات.
ويتابع: وجود منتجات خاصة بنا تحمل مسميات عالمية مثل البيتزا والكنتاكي يعد أمراً جديداً ومميزاً لهذا العام، كما أنها وسيلة مبتكرة لاستقطاب الزائرين من أجل شراء مثل هذه المنتجات.
محمد الرومي أوضح أن شراء مفتاح العودة هو الذي دفعه إلى زيارة القرية العالمية كونه حلماً يراوده كغيره في العودة إلى بلدته المحتلة عام 48 الفالوجة.
وتضيف زوجته منى صلاح أن رغبتها في شراء منتجات غذائية منزلية الصنع جعلها تتشوق لزيارة الجناح الفلسطيني خاصة الزعتر الذي عبقت رائحته أرجاء المكان، علاوة على الفريكة والمفتول.