ينتمي الشاعر الإماراتي الكبير سالم الجمري (1910-1991) إلى ذلك الصنف من الشعراء الذين يمكن تناول حيواتهم الشخصية نفسها، على أنها قصيدة أخرى، إلى جانب القصيدة التي شغفوا بها، وذلك لما في حياته الشخصية من دأب وسعي للتشبث بالحياة، وترجمة كل ذلك عبر الكدّ والتعب، ومواجهة الصعاب .
هذه النقاط تم التركيز عليها، خلال الأوراق والنصوص والفعاليات التي قدمت في ملتقى الجمري الذي نظمه مركز الشارقة للشعر الشعبي، والتابع لدائرة الثقافة والإعلام مساء أمس الأول في قصر الثقافة في الشارقة، وذلك بحضور عبدالله العويس رئيس دائرة الثقافة والإعلام، وعدد كبير من الأدباء والشعراء والإعلاميين وأسرة الشاعر الراحل وقد جاء هذا الملتقى تحت عنوان سالم الجمري، شاعر الشجن والحنين والأنين والذكريات، وصاحب الملتقى معرض ضم: مختارات من شعر الجمري، والجمري في عيون الصحافة وقصائد الجمري وأشرطة مسجلة بصوت الشاعر .
بين الشاعر محمد بريكي مقدم الندوة أن رسوخ بعض الأسماء في ذاكرة الشعوب هبة من الله، ترافقها همم لتصل بها إلى قمة المشاعر والإدراك، إذ تحتفل الأجيال اللاحقة بالسابقة وتتواصل خيوط النور، وإن الشاعر الجمري أحد هؤلاء بامتياز .
ثم ألقى مدير المركز الشاعر راشد شرار كلمة وجدانية بين فيها أهمية دور الشاعر الجمري، وتأثيره ليس بالنسبة إلى الجيل الذي رافقه - فحسب - بل في الأجيال التالية، وأضاف: أنا أحد الذين أخذ الجمري بأيديهم، حينما ألقيت قصيدة شعبية للمرة الأولى بحضوره، ثم عرج على الأغراض التي كتب فيها الشاعر الجمري فرآها متعددة، فمنها الغزلي ومنها الوجداني ومنها الوطني ومنها الاجتماعي، ومنها المساجلات وقصائد الفخر، وإنه استحق التقدير على عطائه، لأنه عاش محباً لكل الناس .
وقدم د . راشد المزروعي ورقة تحت عنوان أثر الجمري على مسيرة الشعر الشعبي في الإمارات جاء فيها أن الاحتفاء بالشاعر الجمري بمناسبة مئوية ولادته، ومرور عشرين عاماً على رحيله دليل على مكانة هذا الشاعر الشعبي المهم في الشعر الإماراتي والخليجي، وأشار إلى أن للشعر الشعبي المتداول بين الناس أهميته الكبيرة، لأنه بلغتهم، ولأنه من أهم روافد الدراسات الاجتماعية ومعرفة سيرة المجتمع .
ثم عرج د . المزروعي على سيرة هذا الشاعر الذي برز بحاراً، وتنقل ما بين الكويت والسعودية وعمل فيهما من أجل لقمة أسرته، وتعرف في هاتين المحطتين إلى عدد كبير من شعراء تلك المرحلة، وتمت بينهم مساجلات شعرية مهمة .
وقدم علي المطروشي ورقة بعنوان الشاعر سالم الجمري: معالم السيرة والموهبة والإبداع الذي رأى بدوره أن الجمري أحد الأعلام من المبدعين الإماراتيين، وقد اشتهر على صعيدين هما: النبطي والقصائد الشعبية المغناة، وإنه لم يدون سيرته الذاتية، وقد التفت إليها الباحثون في ما بعد، ومن الخطوط العريضة التي توقف خلالها الباحث أن الجمري ابن عائلة بدوية، تعلم على أيدي الكتاب، وتفتحت ذهنيته نتيجة مرافقته لأبيه في مرحلة الغوص، وأسفاره ورحلاته، ثم سلط الضوء على مرحلة الثلاثينات والأربعينات من تاريخ الإمارات، وتردي الوضع الاقتصادي بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي، كما أنه بين بأنه من أسرة شعرية، حيث كان والده وخاله شاعرين، وتحدث عن عمله في الدمام كاتب عرائض، ومن ثم مصوراً، وأوضح أنه عند عودته لبلده فتح محلاً للتصوير وكان محله هذا يغص بالشعراء والمثقفين والمبدعين، كما سلط الضوء على تجربة خطيرة في حياته عندما تعرض لحادث سير نجا منه بأعجوبة .
وقرأ الشاعر راشد شرار عدداً من قصائد الجمري التي أدهشت الحضور، وأعطت صورة حقيقية عن إبداع هذا الشاعر الإماراتي الأكثر أهمية .