عادي
أكد أن صورة الغلاف تعود لحقبة سلطان بن صقر

سلطان: “تحت راية الاحتلال” يروي أحداث الشارقة في عهد المحتل البريطاني

05:16 صباحا
قراءة 17 دقيقة
الشارقة - أحمد البيرق:
يطل علينا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في كل عام ومن خلال عرس الشارقة الثقافي في معرض الشارقة الدولي للكتاب ليرفد المكتبة العربية والإسلامية والعالمية بسفر جديد يغذي الروح والفكر وينمي العقل ويبقى شاهداً على التاريخ .
ونلتقي مع سموه في حوار جديد بثت تفاصيله مساء يوم أمس عبر أثير وشاشة اذاعة وتلفزيون الشارقة حاوره خلالها الإعلامي محمد خلف للحديث حول رائعة سموه الجديدة وكتابه الجديد الذي سوف يطلق صباح اليوم الأربعاء الموافق 5 إبريل/ نيسان 2014 في حفل افتتاح معرض الشارقة الدولي للكتاب .
"تحت راية الاحتلال" هو عنوان الكتاب الجديد، والحوار التلفزيوني يسرد جزءاً يسيراً منه وما يحويه الكتاب بين دفتيه لا تسعه ساعات تلفزيونية .
ويقول صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حول ما دعاه إلى اختيار اسم "تحت راية الاحتلال" وصورة الغلاف على الكتاب "إن الاسم لا بد أن يدل على مدلول ما سيأتي في الكتاب، ويقال الكتاب يقرأ من عنوانه، فمعنى ذلك أن الأحداث التي جرت كانت تحت راية الاحتلال، وكانت في مجملها في محيط حصن الشارقة، وذلك ما تعبر عنه صورة الغلاف، وحصن الشارقة كما هو معلوم كانت الأوامر والاتصالات والاجتماعات كلها تحدث فيه" .
هذا الحصن، وبالتحديد هذا الجزء من القلعة والتي تسمى "المحلوسه" هي ذاتها التي قام ببنائها الشيخ سلطان بن صقر مع بداية حكمه . . . . وهي عبارة عن سجن وبرج للدفاع .
الحصن لم يمس ولكن أجزاءه الأمامية تغيرت وخصوصاً بوابته، ففي سنة 1915 كانت صورة الحصن مقتصرة على الجزء الأمامي، ويختلف عما لحقت عليه، أما القلعة أو البرج والذي يسمى "المحلوسه" باقٍ في جميع المراحل . . والواجهة ليست هي التي كانت عليها أيام الشيخ سلطان بن صقر، وليست هي كما كانت عليه أيام الشيخ صقر بن سلطان، وليست كما هي في عهدي وقد عملت على أرجاعها إلى أصلها .
والصورة على الغلاف تدل على الحقبة الزمنية أيام الشيخ سلطان بن صقر . .
حول سؤال صاحب السمو حاكم الشارقة عن الشكل الأدبي والفني الذي استخدمه في كتابة كتابه الجديد في حال كونه رواية أدبية أم كتاب تاريخ قال: بين الأدباء هناك اختلاف وخلاف فمنهم من يقول بأن الروايات يجب أن تكون من نسج الخيال، ومنهم من يقول إنه من الممكن تبسيط التاريخ بحيث يستوعبه العامة، والرواية إذا كانت تستلهم التاريخ لا بد أن تكون موثوقة صحيحة، وإلا لا نقول نحن استفدنا من الرواية، وإنما شوهنا التاريخ وزيفناه، وهذه مسؤولية كبيرة .
فعلى من يكتب في التاريخ ويسرد قصصه أن يتحرى الدقة والحقيقة، ولا يقوم بنسج الأحداث من خياله، ضمن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم "تحت راية الاحتلال"، سيجد القارئ كلاماً وضع بين قوسين فإنه كلامي وقمت بذلك حتى يعرف القارئ بأن هذا من جهد المؤلف، وليس ضمن الوقائع أو الوثائق ولا يخص المراجع الأصلية .

البحث مضنٍ

وتحدث صاحب السمو حاكم الشارقة حول الجهد الذي يبذله في البحث والوصول للمعلومة وتحري صحتها من مراجع متعددة مختلفة قائلاً: بحثي عن الوثائق والمراجع بالنسبة لي في بعض الأحيان ليس بالأمر الصعب، وهذا يعود لإمكانياتي وجهدي، ليس كل واحد ستفتح له الأبواب في المراكز العلمية، وبحكم مكانتي يتم استقبالي من عند المداخل وغيري يبقى عند الأبواب لا يحصل على فرصة .
عندما بدأت بالبحث في الوثائق البريطانية عن الهند والمنطقة في بريطانيا، ذهبت إلى المكتبة البريطانية وفي الركن الذي يسمى مكتبة الهند، وقد ذهبت إلى أبعد من ذلك حتى وصلت البرتغال وزرتهم هناك، ولم أقابل مدير المركز ولكن وجدت إحدى الباحثات تدعى ماريا واتفقت معها على أن أخصص لها مخصصاً مالياً وبالتالي تقوم بتصوير الوثائق التي تخص منطقتنا وتبعثها لي بالبريد، وذهبت لزيارتهم وعرفتني على المدير وسألني ماذا تريد أن تعمل بهذه الوثائق، فأجبته أريد كتابة التاريخ، وقلت إن هناك اعتداء وقتلاً وذبحاً، ويبدو أنه لم يتقبل كلامي ورد قائلاً: إذا كان ذلك فعل ضابط تجره على أمه، أتريد أن تغطس قلمك في محبرة حقد .
قلت: لو كان التصرف من الملك، هل يمثل أمه . .قال: نعم، وأخرجت له رسالة تقول (من ألفونسو دي ألبوكيرك قائد البرتغاليين إلى الملك دون مانويل الثالث، مولاي عندما وطأت رجلي أرض مسقط سارعت إلى هدم ذلك المكان اللعين الذي يسمى بالمسجد حسب أوامركم) .
وأسمع مدير المركز ماريا كلام . ومنعت من الاتصال بي وتغير رقمها .
اشتكيت الحال لمدير مكتبة بريطانيا فضحك وقال: لي أترى هذه الكتب على يميني هذه ذاتها الموجودة لديهم، فقلت له: كيف وصلت إلى هنا .
فرد: عندما أردنا أن نستولي على الهند كان من الضروري معرفة التجارب التي كانت قبلنا، كلفنا مستر دامبر وهو يتحدث البرتغالية ومعه 5 آخرون يتحدثون البرتغالية وجمعوا هذه المادة كلها في 5 سنوات .
هذه الوثائق ليست عندهم فقط، فقد قمت بمسح المراكز البحرية ومراكز الكنائس، والمراكز كلها، وتعدينا ذلك ووصلنا إلى إسبانيا، ووضعنا باحثين واستطعنا أن نستخرج كثيراً من الوثائق .
كل ذلك قمنا بجمعه ووضعه في دارة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي للدراسات الخليجية، ويصل مجموع صفحاتها إلى مليون ونصف صفحة .
وهي توجد بنمطين ورقي وإلكتروني لتسهيل عملية البحث على الزوار والباحثين .
وفي إندونيسيا كان قد صادفني موقف حيث منعت من الحصول على المعلومات متعللين بضرورة أن أكون قد أتيت عن طريق جامعة أو مركز بحثي .
ومن هنا أود أن أقول إن البحث ليس أمراً سهلاً ولكنه أمر مضن .
وفي معرض حديث سموه تناول بعض أسماء المناطق التي ذكرت في كتاب (تحت راية الاحتلال) وأصول بعض القبائل .
قوم الهولي كيف وصلوا إلى هذه الأرض وهم كثيرون، منهم يتجادلون حول من أين أتوا، جاؤوا من منطقة تسمى الهولة وتقع في صحراء الجزيرة العربية الواقعة بين الشام والعراق، والمكان معروف ومشهور .
هناك واقعة في عام 1152 للهجرة 1739 للميلاد، كان صقر بن حمود شيخ قشم اعتدى على فرع من احدى القبائل، وكان الشيخ لديه مجلس واعتدى عليه صقر، واشتكى لدى والي العراق أحمد باشا، فقام والي العراق بتجييش جيش لمطاردة صقر، فهرب صقر لصحراء الهولة، حيث لم يتمكنوا من الوصول إليه، وهناك شاعر يسمى عبدالله السديري يمدح الباشا، ولكن في آخر القصيدة ذكر يقول "انجضع رحب الصحارى ارخوا . . هل لصقر في صحراء الهول وكر"، وهذا من التعريفات لهذه الصحراء .
وتحدثنا هنا عن اسم الهولي بالنسبة لهذه المنطقة، وفي خاطرة أخرى نجد نهر الخابور، ونهر الهولي ينبع من جبال سنجار، وكنت قد بعثت بأحدهم للتأكد منه في العراق في زمن قريب، خرج المبعوث من اربيل واتجه حتى وصل مكان النهر على طريق الخابور وتبين أن مكانه موجود إلا أن النهر قد نشف .

دبي أم "دوباي"

هل هي دُبي أم دوباي كما تكتب بالإنجليزية (DUBAI)، ومن خلال خريطة تركية عرضها سموه، تبين وجود منطقة لمساكن مهجورة بالقرب من بغداد تسمى دُبي، كما أنه وفي خريطة أخرى ذات المنطقة سميت دوباي كما تكتب بالإنجليزية اليوم .
ومن خلال خريطة تظهر أحياء بغداد، يتبين وجود منطقة ضمن أحياء بغداد تسمى (شارجة) .
وليس بعيداً عن تلك المناطق، وبالتحديد في الشمال من بغداد يذكر سموه، ومن خلال متابعة إحدى الخرائط أن هناك منطقة تسمى (خان السويدية) نسبة إلى السويدي .
وبالقرب من بغداد أيضاً، هناك منطقة تسمى (بالخيمة) .
وما أود أن أوضحه أن هذه الأسماء نقلت مع خروج القبائل في الفترة الأولى إبان الغزو المغولي في العصر العباسي، وقد دخلوا بغداد وهرب من فيها، وكلما تقدم المغول زاد هروب القبائل والأقوام حتى وصلوا الحلة التي يقطنها وقت ذاك 40 ألفاً، وأخذوا في التوجه جنوباً هرباً من بطش المغول، واستقروا في منطقة الخليج جالبين معهم أسماء بلدانهم، واسموا بها المناطق التي أقاموا بها وكثيرة هي الأسماء في الشارقة، التي ارتبطت بأسماء القبائل التي أتت من العراق في تلك الفترة كالفاو والزبير ولدينا أيضاً (المُديّنة) بالقرب من فلي .
في عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود وصلت الدعوة السلفية إلى البريمي، وكان والي البريمي أحد مواليهم يسمى الحارك، ولما قدم سعود لسدة الحكم وهو معروفاً أنه رجل دولة، أخذ يفكر ويطور ويوثق العلاقات ويمدد نفوذه، فقرر أن يبدل الموجودين بآخرين، وحول الحديث عن دخول الدعوة السلفية للمنطقة فإني أتحدث عنه في كتاب خاص، يسمى (القواسم وصراع القوى) وهي بريطانيا وإيران وآل بوسعيد وآل سعود ولا أريد أن أشتت القارئ لذلك لن اخوض فيها كثيراً . . .

سلطان بن صقر في الدرعية

قام آل سعود بابتعاث قضاة إلى رأس الخيمة، على أن يقوموا بأمور القضاء والحكم فيها، وكان سلطان بن صقر قد رفض هذا ومن ثم قيل له، عليك الذهاب للدرعية، للتفاهم مع الإمام سعود بن عبدالعزيز، ووصل وقد تم حجزه في القلعة وطلبوا من الآخرين العودة، وبقي من حين وصوله إلى فترة عودته 6 أشهر .
وكان سلطان بن صقر قد هرب إلا أنه لم يسلك الطريق المعتاد مما ينم عن ذكائه حتى لا يتم القبض عليه، فقد سلك طريقاً غير متوقع وغير مسلوك، على مسافة 700 كم، إلى الغرب الجنوبي، خرج من الدرعية متجهاً إلى وادي الدواسر، وعلى طول الطريق توجد قرى متباعدة، والقرى المتباعدة يستطيع أن يتخفى منها الإنسان، وكان يمشي ليلاً ويختبئ نهاراً، بدون أي وسيلة استدلال على الطريق، حتى بلغ بلدة (ذمار)، بالقرب من (تعز) في اليمن، ومن هناك انتقل إلى (موخا) عن طريق البحر مروراً بمسقط، وهناك قد علم بأن البلد قد حكمت من قبل حسن بن رحمه، وأخيه ابراهيم بن رحمه وبدعم ومساندة من جماعة الدعوة السلفية، ومعهم حسن بن غيث وحسن بن علي هم من كانوا يديرون البلد -رأس الخيمة- .
وفي أثناء ذلك استشعر الإنجليز خطر أنصار الدعوة السلفية بعد توليهم حكم رأس الخيمة، وإدارة شؤونها، وعملوا على شن الحملة الأولى سنة ،1809 بينما كان الشيخ سلطان بن صقر يعمل على حشد البدو في الصحراء للهجوم على رأس الخيمة، وما كاد يصل إليها حتى وجد أن رأس الخيمة واقعة تحت ضرب الإنجليز، ولكن لم يصمد الإنجليز طويلاً كون المقاومة كانت شديدة .

المرازيق ومحاولة الدخول الأولى

وكان الشيخ سلطان بن صقر يخطط لعمل إنزال في رأس الخيمة، وانتقل إلى لنجة ومنها قام بالاتفاق مع المرازيق، وهم يسكنون الحليلة في رأس الخيمة، وتقع الحليلة بالقرب من شمال الرمس، وأتت السفن لتعمل الإنزال، بالقرب من سواحل رأس الخيمة، وعند الحليلة، وكان حسن بن رحمه وأتباعه على علم بذلك، وتجهز للتصدي لذلك الإنزال، وحصلت مذبحة كبيرة .
وكانت تلك المحاولة الأولى لسلطان بن صقر لدخول رأس الخيمة، ولكنها لم تكن ناجحة، والزائر لرأس الخيمة، سيجد بالقرب من منطقة الحليلة، وبالقرب من الند الذي اختبأ فيه حسن بن رحمه واتباعه، مقبرة كبيرة، بها جثامين المرازيق الذين قضوا في تلك المعركة، وبعض أتباع سلطان بن صقر، وسارع سلطان بن صقر للعودة بمن بقي من المرازيق إلى (مغوة) وبقوا هناك .
في عام ،1814 قام سلطان بن صقر بإنزال أتباعه المسلحين في الشارقة، ولم يجدوا أي مقاومة، وكانت الشارقة محصنة بجدار يحيطها وأبراج منتشرة حواليها، وطوال فترة حكمة وفي بدايتها كان هادئاً غير مكترث بما يدور في رأس الخيمة، حتى أعد الإنجليز حملتهم الثانية على رأس الخيمة .

قصف رأس الخيمة

بعد أن عاد الإنجليز من حملتهم الفاشلة على رأس الخيمة، في عام 1809 إلى قشم، لبناء قاعدة لهم لم يتمكنوا من البقاء طويلاً بسبب انتشار الحمى وخشوا على جنودهم منها، حيث فتكت بعدد منهم، فسحبوا أنفسهم، ولم تكن حملتهم تلك احتلال رأس الخيمة وإنما حرق سفنها .
وفي عام 1820 عادوا مجدداً لتأسيس قاعدة لهم، وكان قد اقترح فكرة وجود قاعدة (جون مالكولم)، وحددوا لها منطقة (باسيدوه) .
هذه المعاهدة كتبتها زوجة طومسن القائد البريطاني في رأس الخيمة وهي من أصل أرمني من سكان سوريا، ونلاحظ كلمة (رشمه) والتي يستخدمها أرمن الشام بدلاً من كلمة وقعه، فرضها البريطانيون وفرضوا شروطها وهي المعاهدة المريبة .
وتتوالى التوقيعات على المعاهدة، فنجد حسن بن رحمة وقضيب بن أحمد مع وجود الأختام، وهنا نرى كتبه شخبوط بيده، كتبه زايد بن سيف بن زعل عن محمد، وكان وصياً على حاكم دبي، ونرى كذلك كتبه سلطان بن صقر بيده، . .كما وقع عبدالجليل الوكيل في الشارقة، عن عبدالله بن أحمد وسلمان بن أحمد من آل خليفة حكام البحرين .
والذي يهمنا هنا سلطان بن صقر فنجده وقع عن القواسم بشكل عام، وإذا تتبعنا بنود المعاهدة فهناك الشرط الخامس يقول(إن مراكب العرب المصالحين كلهم بأيديهم قرطاس مرشوم بخط أميرهم فيه اسم المركب وطوله وعرضه وكم يحمل من كاره) .
وأضاف أن الإنجليز يصدق على توقيع الأمير الوكيل البريطاني، وبذلك الأمر لا يكون للأمير وهذا لم يضمن المعاهدة .
في عام 1825 اعترض شيوخ المناطق على هذا الشرط وعلى الجزء الذي لم تتضمنه المعاهدة أساساً وإنما اضافها البريطانيون .
وقدموا إلى الشارقة فقام الإنجليز بتجهيز الساحة التي أمام حصن الشارقة بنصب خيام الشيوخ، في تلك المناطق وأقاموا لهم الولائم، وأصبحت الشارقة(طماشة)، وهي الحفلة بها أكل وشرب، وهي كلمة تركمانية، ولم يخلوا المشهد من وجود السلاح عند الجانب البريطاني حتى لا يظهر تصرف مريب أو غير مرغوب فيه .
كان اتهام الإنجليز للقواسم بأنهم وراء كل حادث على السفن في عرض البحر، له سببان رئيسيان الأول تقليل عدد السفن كونهم تجاراً وتحجيم تجارتهم ومنعهم من الذهاب للغوص وحصر البلد وإفلاسهم وكسر هيبتهم، الثاني تحجيم سلطة سلطان بن صقر، وكانت كل الحوادث غير حقيقية والاتهام باطل رغم دفع سلطان بن صقر لكافة الغرامات التي ترتبت عليها .

رسالة تركي بن عبدالله

أراد السعوديون عودة الدعوة مرة أخرى، ولديهم امتداد طبيعي على الخليج والهند، وكانت الرسائل التي بعثت للحكام الآخرين جاءت بشكل مباشر(نريدكم معنا)، ولكن سلطان بن صقر كانوا يريدون منه أسطوله البحري، وقالوا ليس لديهم نية لضرب الملوك، لذلك أعادوا الدعوة مرة أخرى، وكانوا يودون الاستعانة بسلطان بن صقر لضرب الملوك والدول، وهم يعلمون مدى قوته .
وكان تركي بن عبد الله في رسائله يمدح سلطان بن صقر، ويعبر في رسالته متحدثاً عن نفسه وعن سلطان بن صقر "الذي يفدونا ويزورنا"، وهنا وقع سلطان بن صقر في الأمرين، لا أنه قادر على أن يسلم، ولا أن يبعد كون الإنجليز لم يمنحوه الفرصة، وكان دائما ما يردد (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، كون حادثة الدرعية لم يمر عليها وقت طويل، ولكن المهادنة أمر مهم، ورأى أن لا يصطدم مع آل سعود، وكانت هذه الدعوة مع بداية الدولة السعودية الثانية، وفي هذه الناحية تعتبر هذه المنطقة مهمة جداً بالنسبة لهم، فقد كانوا يسيطرون على البريمي وكان يتطلب منهم للوصول قطع الربع الخالي، إذا ما أرادوا الوصول إلى البريمي من الدرعية، وذلك صعب، وأرادوا عمل قاعدة في الإحساء تقابلها قاعدة في الشارقة، وإن أرادوا الذهاب إلى البريمي كان الأمر سهلاً عن طريق الشارقة فالطريق مطروق، وبه ماء على امتداده .
وعمل سلطان بن صقر على إعادة بناء وترميم حصن البريمي بهدف السيطرة وليس الخضوع، ونزولاً لتنفيذ أوامر الدولة السعودية باعتبارها بعيدة ولا يمكنهم التأثير مباشرة .
عندما طلب من سلطان بن صقر ترميم حصن البريمي ذهب واستعان بقوة الشويهيين، من بني كعب من بلدة شويهة، ونقلهم ووضعهم في البريمي ولكن إمام مسقط سعيد بن سلطان، وبعد أن وصله الشيخ محمد بن سالم الشامسي زعيم الشوامس في البريمي، محتجاً على ما فعل سلطان بن صقر تم اجباره من قبل الإمام والإنجليز على هدم الحصن ونقل العسكر منه .
ولم يكن باستطاعة سلطان بن صقر هدم الحصن، لأنه لآل سعود، وإنما تركه وأخذ معه الشويهيين وجاء بهم إلى الشارقة، لأنه إذا تركهم في بلدتهم لتكالبوا عليهم وذبحوهم، وتم اسكانهم بداخل سور الشارقة إلى الشرق من حصنها، وهي المنطقة التي تسمى الشويهيين في وقتنا الراهن .
وكانت الشارقة قد استقطبت كل أصحاب الدعوة السلفية الذين جاؤوا إليها وكان سلطان بن صقر يسلط عليهم ابنه صقر، - إذا ما استشعر بأن الدعوة أخذت تقوى -، وكان صقر في قرارة نفسه يريد الحكم، وصقر على نقيض من أخيه صالح، حيث كان صالح مهادناً ولكنه يسر في خاطره أموراً، وتصرفاته غريبة ونوعاً ما مريبة، كما كان الشويهين وشيخهم عبدالرحمن من أقطاب الدعوة السلفية، حتى أنه شارك في الاعتداء على بوبشيت، ولهذا كان صقر يود أن يستقل بالشارقة بأي وسيلة، حتى كان يود أن يضم رأس الخيمة إليها بعد أن يتمكن، وكان قد حاول دخول أم القيوين والاستيلاء عليها، إلا أنه قتل هناك، ونجد اليوم في أم القيوين ما يسمى بند صقر، وهو المكان الذي قتل فيه .
كنت أقرأ في أوراق كتبها (كنيت هاوزين)، من الوكالة الهولندية في خرج، حيث سأل آل بومهير عن شيخهم ومن أين جاؤوا، فردوا عليه نحن من شمال مسقط، وحين ترى شمال مسقط تجد(سمائل) وعندما تصل (سمائل) تجد الجبور الذين قدموا مع زامل بن سيف الجبري، كما يذكر البرتغاليون في مذكراتهم أن أهل نخيلوه مطرودون من قبل بو مهير الذين يسكنون شمال مسقط، معنى ذلك أن بومهير الموجودين معنا على الساحل قد أتوا من هناك، ثم استقروا ولأنهم يمثلون قوة استعان بهم، سلطان بن صقر وطلب منهم الانتقال من دبي إلى الشارقة، كما أنهم يمثلون قوة تجارية ولديهم سفن، وفي اليوم الذي قدموا فيه كان لديهم 400 سفينة، وبذلك سوف يزيدون البلد عدة وعتاداً، وبدأ صقر بن سلطان بن صقر يعاديهم ورغم كل ذلك فإنهم يشكلون قوة، وأول من وصل منهم الشارقة نزلوا واستقروا في الخان، ومنهم من نزل في الشارقة، وانتشروا في المنطقة، وقد تتبعتهم حتى وجدتهم وصلوا إلى البطين ورأس الخيمة ومناطق أخرى .
وهناك كثير من الناس يقولون إن بو مهير من المهرة، وهذا غير صحيح ولا علاقة لهم بها .
وكان ينظر للشارقة نظرة غير نظرة رأس الخيمة، كون سلطان بن صقر موجوداً في الشارقة، ولأن رأس الخيمة فرغت، ليس بها أحد غير البدو في الصحراء والمزارعين وكانت البلد ضعيفة خالية مضروبة والقوة البحرية انتهت، لكن الشارقة ومنذ البداية تجد في مراسلاتهم (وبالأخص الشارقة) يكررونها كثيرا، لأن سلطان بن صقر وأهالي الشارقة لم يضربوا من الإنجليز، شوكتهم مكانها، أما الذين في رأس الخيمة شوكتهم مكسورة، ضربوا مرتين وذبح منهم الكثير ولكن الذين في الشارقة يريد أن يضع لهم حد، فوضع الوكيل عندهم يعمل على ترويضهم، وكانوا يتدخلون في أمور التجارة كونها كانت تجلب الخير الكثير، ومغرية فلم يكتفوا بالتدخل السياسي لإدارة البلد، ولكن أغرتهم التجارة، وأخذوا يتحكمون فيها .

سالمين بن ناصر السويدي

انتقل السودان من البدع إلى الشارقة وعاد سالمين مرة أخرى إلى قطر . كان شديداً وصاحب شخصية، وكان سلطان بن صقر، بحاجة إليه، وهم في الشارقة أصلا، والخان بلدهم، لكن الظروف حكمت وأجبر على الإخلاء .
ثم حدثت مشاكل كثيرة، وهنا تظهر شخصية جديدة شابة وهي محمد بن صقر بن سلطان بن صقر، الذي يحكم الشارقة فترة، كذلك خالد بن سلطان بن صقر تظهر لديه نوايا غير محمودة، لدى سلطان بن صقر وهل خالد بن سلطان استسلم بعد أن عزل؟
لما عزل خالد بن سلطان بن صقر ذهب إلى لنجة، وتزوج والدة سعيد بن قضيب حاكم لنجة، وكان سعيد شاباً، ونفر من العبادلة والهولة هم رتبوا وجوده في لنجة، ومحمد بن صقر بدأ يضايقهم، فاستدعي خالد بن سلطان وأدخل بالليل إلى الشارقة و"حكموه بالقوة"، ومحمد كان قد ذهب مع جده إلى صحار، ولكن في الآخر يبعد ويخرج خالد ويلجأ إلى ام القيوين، وتدخل شيوخ أم القيوين في الموضوع وأقرباء خالد في أم القيوين ولا ننسى أن صقر بن سلطان والد محمد بن صقر كان قد اعتدى على أم القيوين .
نذكر هنا بأن خالد بن سلطان دخل ضمن الدعوة السلفية وبعدها الهولة دخلوا معه الدعوة، ولم يكونوا اعتناقاً للفكر وإنما أرادوا السيطرة عن طريق الدعوة، وكانوا وكلاء لآل سعود .

نهاية الشيخ الكبير

سلطان بن صقر بن راشد حكم خلال الفترة من 1803-1866 أي امتدت سنوات حكمه ل 3_ سنة، وقيل وصل عمره ،115 وكان سلطان بن صقر بعد أن رجع من الدرعية قلب ظهر المجن وحاول أن يبتعد، وإذا ما قرأ احدهم الكتاب ونظر في بداية سالمين، عندما استوت قضية البغلة التي استولى عليها سالمين بن ناصر ومن معه كان سلطان بن صقر قد كون علاقة مع الإنجليز، في هذه الفترة خلال العام 1815 عمل على توطيد العلاقة معهم وهو سياسي محنك، لذلك تجد في جميع الاتفاقيات كانوا كل الشيوخ يوافقون على ما جاء فيها وهو غير موافق، ووصفته في الكتاب بأنه عنيد، وأحياناً أتقمص دوره وكأني أعيش في ال 1800 ويزداد اعجابي به عندما وجدت الناس يعودون إليه وهم من كانوا يعادونه ويتآمرون عليه في السابق وقد سامحهم وعفا عنهم، وزاد طوعاً وعفواً والتزاماً، كان صدره نظيفاً لا يحمل غلاً، ولم ينتقم رغم ما مر به من قتل أبنائه وأحفاده وسجن وهروب، هو شخصية يعتد بها، وفي نهاية عمره وللأسف تزوج من فتاة عمرها 15 سنة، وكان هدفه من ذلك ألا يسمح لأولاده بأن يتناحروا على امرأة ويكفي أنهم تناحروا على الحكم، وفعل ذلك حتى يحرمها عليهم ويقال بأنه لم يدخل بها .

القادم من إبداعات سلطان

بين صاحب السمو حاكم الشارقة أن الحديث عن راية الاحتلال لم ينته بنهاية هذا الكتاب بعد وقال: الكتاب يحمل عنوان تحت راية الاحتلال، والكتابة لن تنته إلا بإنزال هذه الراية فالقادم هو الحديث عن سلطان بن صقر الثاني، والأحداث فيها من المآسي الشيء الكثير وهو شخصية ثقافية أدبية وفيه من الحلم ما لا يتصوره أحد .
واختتم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حديثه الشيق بدعوة جميع افراد المجتمع إلى ضرورة العناية بالعلم والاستقاء من التاريخ مستشهداً بقول الشاعر:
ليس بإنسان ولا عالم من
                                  لا يعي التاريخ في صدره
ومن وعى أخبار من قد مضى
                                  أضاف أعماراً إلى عمره
وقال سموه "سألني أحدهم كم تبلغ من العمر فقلت له عمر الدنيا، وذلك بما كسبت ونهلت من علم" .
كما دعا سموه إلى ضرورة أن يكون لكل منا ورد يومي من القرآن الكريم، كون هذا القرآن مدرسة، والقرآن ليس فقط كي نقرأه بل نتدبر ونعي كل ما فيه لغوياً ونعيه كمنهج حياة ونعي كافة دلالاته من البينات .

الملاحق والهوامش

كثرت الملاحق والهوامش في الكتاب ويرد سموه على ذلك بقوله: كل المعلومات في هذا الكتاب تم استخراجها من آلاف الصفحات من الوثائق التاريخية، قبل هذا كنت قد كتبت رواية بعنوان "الشيخ الأبيض"، وهي موثقة، - وأؤكد هنا أن المؤلف إذا كان لديه إجازة علمية في التاريخ كالدكتوراه أو أي نوع من الإجازات الأخرى، يحق له أن يقول، كون ما لديه من خبرة ودراية يجيز له ذلك -، ولكن أنا لا أستعمل هذا الأسلوب، إلا في رواية الشيخ الأبيض، وهي رواية أراد الممثل الأمريكي باترك سويزي، أن ينتجها كفيلم سينمائي، وأراد الإضافة على الرواية، فقلت بأن الاضافة خطر، لأن هذه قصة تاريخية حقيقية وليست من محض خيال مؤلف، وللضرورة السينمائية على حسب ما يدعون، أرادوا أن يكون الشيخ الأبيض فارساً يمتطي جواداً إلا أنه فعلياً لم يكن يركب خيلاً، وهذا الأمر لا يهمني كثيراً إلا أن الرواية بأن الشيخ السقاف قد ذهب إلى مكة، وهنا أخشى من أن يقوموا بإقحام ما لا يليق بهذا المكان الطاهر المقدس، وحتى لا يشوهنا لم أقبل، فأخذ يغريني بالشهرة وأن اسمي سوف يدخل هوليوود، فقلت بأنني لا أبحث عن هذا كله، وقد اعتذرت منه وسحبت الرواية منهم، ثم قدم إلي منتج إنجليزي طلباً لإنتاج الرواية سينمائياً وقطعوا شوطاً كبيراً في ذلك حتى إعداد النص السينمائي والسيناريو، ولكن لم أوافق، فأخذوا يتذمرون بأنهم قد كلفهم ذلك مبالغ مالية فقمت بإعادة ما دفعوه لهم واعتذرت لهم، ومن فترة قريبة لا تتعدى الثلاثة أشهر، عاودوا التواصل معي يطلبون معاودة الاتفاق معي، وكانوا قد قدموا بلا موعد، ولكن رفضت اللقاء بهم حتى لا يقنعوني بتشويه التاريخ .

عاش العلم

يقول صاحب السمو حاكم الشارقة في حواره التلفزيوني متحدثاً حول إنزال علم الشارقة ورفع راية دولة الامارات العربية المتحدة في بادرة سموه لتوحيد الدوائر والمؤسسات الحكومية المحلية تحت مظلة المؤسسات الاتحادية: كنت في بريطانيا فشاهدت هذا العلم على السفن ويقصد سموه العلم (الأبيض في وسطه أحمر) -، فاتبعت شأنه حتى قالوا لي بأن هذا علم بريطانيا يستعمل في السفن التي يسمح لها بالدخول إلى موانئ بريطانيا، فقلت لهم ولكن هذا العلم عندي ولنا مدة طويلة نرفعه ونحن منذ كنا في المدارس ننشد لهذا العلم بقولنا (عاش العلم، حق له، أن يفتدى، بالدماء والمهج)، أصابني ذلك بصدمة كبيرة، ورجعت ابحث وبشكل مستفيض، وبالفعل وجدت وثيقة تعترف فيها بريطانيا أنها قامت بإنزال علم القواسم ورفع علمهم .
هذا العلم بقي موجوداً حتى أتت مناسبة افتتاح مبنى المرور في إمارة الشارقة، يوم 4 نوفمبر ،1975 وألقيت كلمة بهذه المناسبة وقمت بإنزال علم البريطانيين والإبقاء على علم الإمارات فقط .
وكان هدفنا من ذلك توحيد المؤسسات والدوائر تحت مظلة الاتحاد، وقلت (إن هذه الدولة يجب أن يكون لها علم واحد)، وأعلنت من خلال الخطاب الذي ألقيته دمج أجهزة الشرطة والأمن العام لوزارة الداخلية ودمج دوائر العدل لوزارة العدل ودمج وزارة الشارقة لوزارة الإعلام وإلغاء الحرس الوطني .
وأنزل هذا العلم بعد أن استمر 155 سنة، ونحن نردد التحية له .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"