تفرج الحكومة البريطانية في بداية كل عام، عن مجموعة من الوثائق التي تتضمن نشاطات سياستها الخارجية، في أحداث دارت في العالم قبل ثلاثين عاماً .
ومع أن تلك الوثائق لا تحوي دائماً وبالضرورة "أسراراً" أو مفاجآت حول تلك الأحداث، فإنها تشكل على الأقل إطلالة على التاريخ قبل نحو ثلث قرن .
ولما كانت لبريطانيا لفترة طويلة، اليد الطولى في خلق الأحداث في المنطقة العربية، أو المساهمة في خلقها والتفاعل معها، فإن إطلاع القارئ العربي على وثائقها ينطوي على مراجعة لتاريخ المنطقة، واستجلاء لبعض غوامضه، واستزادة من تفاصيله .
ولعل هذا ما تضعه "الخليج" في الذهن، عندما تحاول تقديم عينة من تلك الوثائق، أي لتكون دعوة إلى تلك المراجعة .
يبين مزيد من الوثائق العناية الفائقة التي كان يوليها الوزراء والمسؤولون العراقيون، للحفاوة التي يلقونها من قبل المسؤولين الكبار في الدول الأجنبية، حتى ولو كانت زائفة، ولو كان المَضيفون يُدركون هذه الخصال، ويستغلونها لخدمة مصالح بلادهم . ومن هؤلاء، طه ياسين رمضان، النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي في الفترة التي تتناولها الوثائق .
كتب سكرتير الحكومة الخاص، جيه . إي . هولمز، في رسالة موجهة إلى رئاسة الوزراء، بتاريخ 7 يناير/كانون الثاني 1983 يتحدث فيها عن زيارة النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي، طه ياسين رمضان . . ومما جاء فيها:
يعتقد السيد (فرانسيس) بايم (وزير الخارجية)، أن زيارة يقوم بها طه ياسين رمضان قريباً ستكون مفيدة . فقد شهدت علاقاتنا الثنائية تقدماً ثابتاً على مدى السنوات الثلاث الماضية . وارتفعت الصادرات بانتظام . . . وعندما تنتهي الحرب، يعد العراق بأن يكون سوقاً مربحة جداً لصادراتنا . . . والسيد رمضان مستمر في أن يكون الآمر الناهي على الصعيد الاقتصادي في العراق . وزيارته ستوفر لنا فرصة لكي نريه الصناعات البريطانية، أن نروّج بوجه خاص مشروعات معينة له بها اهتمام مباشر، مثل طائرات نمرود وهوك . .
وتمضي الرسالة قائلة: لسوء الحظ، أن السيد رمضان يمكن أن يكون شديد الحساسية إزاء المراسم والتشريفات . وينبغي علينا أن نقدم له برنامجاً يأخذ في الاعتبار، ذلك ومكانته باعتباره رقم اثنين في نظام البعث . وبالنسبة إلى الجزء الرسمي من البرنامج، يتصور السيد (فرانسيس) بايم (وزير الخارجية)، سلسلة من الزيارات، إضافة إلى حسن الضيافة . وهو يأمل في أن توافق رئيسة الوزراء باعتبارها المَضيف الإسميّ، على محادثات ومأدبة (كما ورد تخيّلها في رسالة فرانسيس ريتشارد المشار إليها) . إنّ زيارة في الظهيرة، يعقبها غداء فاخر، ربما تكون أفضل الترتيبات . ويعتقد السيد بايم أن نجاح الزيارة سيتعرض للخطر، إذا لم يتضمن البرنامج تقديم مأدبة تستضيفها رئيسة الوزراء . وسيكون عرض مواعيد متأخرة بعض الشيء عند الضرورة، أفضل من عرض مواعيد أقرب، من دون احتمال استضافة رئيسة الوزراء . وقد نصح سفيرنا في بغداد بأن السيد رمضان، سيرفض المجيء على الأرجح، إذا لم تعرض عليه استضافة السيدة تاتشر .
***
وجاء في رسالة ثانية بتاريخ 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1981 موجهة من وزارة الخارجية الى مكتب رئيسة الوزراء . .
اللورد كارينغتون يدرس اقتراحات لمزيد من دعوات الزيارة لوزراء عراقيين، ويوصي بوجه خاص بأن تطلب رئيسة الوزراء توجيه دعوة إلى السيد طه رمضان، النائب الأول لرئيس الوزراء، لكي يحلّ ضيفاً على الحكومة .
وتقول الرسالة: إن التحسن الدائم في علاقاتنا مع العراقيين خلال السنة الماضية أو نحوها مشجع . فما مِن شكّ في أن الزيارات رفيعة المستوى لعبت دوراً قيّماً جدّاً في تعزيز علاقاتنا . فقد وفرت الزيارات التي قام بها هذا العام وزير الخارجية، وزير التجارة، ووزير النفط العراقيون فرصاً لتبادل آراء صريحة حول القضايا الثنائية والإقليمية والدولية . ويعلق العراقيون أهمية كبرى على هذه الزيارات . ويعتقد اللورد كارينغتون بأنها أسهمت بدرجة هائلة في تحسين علاقات الثنائية مع العراقيين . ونحن الآن نحصد الثمار في التجارة . وكما أشار السيد بيفن، فإن العراق سوق مربحة . . . وآفاق المستقبل طيبة، مع جريان الصادرات حالياً بمعدل 700 مليون جنيه سنوياً .
ويعتقد السيد كارينغتون (وزير الخارجية) بأن علينا أن نحافظ على هذا الزخم . ومن هنا فإنه يعتقد بأنه سيكون من المناسب لرئيسة الوزراء أن تدعو طه رمضان للقيام بزيارة رسمية .
إن رمضان يمسك بزمام سياسة العراق الاقتصادية برمتها، وهو قائد الجيش الشعبي، الذي يضم 200 ألف عضو من ميليشيا الحزب، وهو عضو رفيع في مجلس قيادة الثورة، والشخص الثاني بعد صدام حسين . وقد نمت مكانته منذ بدأت الحرب مع ايران تسوء . ولديه تأثير كبير في إرساء عقود كبرى في صناعات تخضع لسيطرته المباشرة . وزيارة يقوم بها هنا، تشكل مناسبة يُجري خلالها محادثات نافعة ويرى بعضاً من صناعتنا . ورمضان يعتبر نفسه في مرتبة رؤساء الوزراء . وهذا يعني بالضرورة بعض المشاركة من قبل رئيسة الوزراء ببرنامج زيارته، لأن العراقيين شديدو الاعتزاز بكرامتهم (وطه رمضان شخصياً، يمكن أن يكون صعب المراس بين حين وآخر) . ولذلك يتصور اللورد كارينغتون، ترتيب جولة من المحادثات الرسمية معه، وأن تكون رئيسة الوزراء المَضيفة على غداء أو عشاء .
اختطاف طائرة تنزانية إلى مطار بالقرب من لندن
في 26 فبراير/شباط 1982 جرى اختطاف طائرة تنزانية كانت في رحلة داخلية، ثم اقتيدت عبر عدة مطارات، لتهبط في مطار ستانستيد البريطاني، شمالي لندن . وهناك استسلم الخاطفون بعد 48 ساعة، إثْرَ مفاوضات جرت معهم، من دون أن تقع إصابات تقريباً .
وقد أفردت الوثائق البريطانية التي أفرج عنها هذا العام، ملفّاً كاملاً لهذه الحادثة، يتضمن سجلات لوقائع حدثت عام 1982 وأخرى عام 1985 .
وتتضمن الوثائق عرضاً للحادث، وتقويماً للطريقة التي تعاملت بها السلطات معه، والدروس التي يمكن استخلاصها منه .
كما تتضمن السجلات مناقشة لوضعية الخاطفين بعد استسلامهم للسلطات، فقد تعهدت لهم أثناء المفاوضات معهم بعدم إعادتهم إلى بلادهم . . فهل تفي بوعدها لإرهابيين؟ وإذا فعلت، فهل تسمح لهم بالبقاء في بريطانيا، وتمنحهم اللجوء السياسي، أم ترحّلهم إلى دولة ثالثة، وما مدى انسجام كل ذلك مع القوانين البريطانية؟
تضم إحدى الوثائق رسالة من روبرت ارمسترونغ، الأمين العام للحكومة، إلى رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر، بخصوص الطائرة التنزانية المخطوفة إلى مطار ستانستيد بتاريخ 26/2/1982 وفي ما يلي نصّها:
تتذكرون الأحداث التي تلت اختطاف طائرة تنزانية كانت في رحلة داخلية من قِبل مجموعة صغيرة من معارضي الرئيس نيريري مساء الجمعة 26 فبراير/شباط 1982 . وقد اقتيدت أولاً إلى نيروبي (سطر محذوف) ولكن الكينيين سمحوا للطائرة بالتزود بالوقود، ثم تابعت رحلتها عبر جدّة إلى اثينا . وبعد التزود بالوقود مرة أخرى، أقلعت متجهة غرباً، وبعد ذلك شمالاً، لتدخل المجال الجوي البريطاني عند الساعة الثانية بعد ظهر السبت 27 فبراير/شباط .
هبوط الطائرة واستسلام الخاطفين
وتمّ توجيهها إلى مطار ستانستيد حيث هبطت قرابة الساعة الثانية والنصف بعد الظهر . وقد انتهت عملية الاختطاف بسلام في حوالي الساعة الرابعة والنصف من عصر اليوم التالي باستسلام الخاطفين . ولم تقع إصابات باستثناء إصابة مساعد الطيار الذي أطلِقت عليه النار وجُرح قبل وصول الطائرة مطار أثينا . ويوجد الآن خمسة تنزانيين محتجزين في المملكة المتحدة، وهم يواجهون تهم اختطاف .
2- لقد عبّرتم عن بعض القلق إزاء سرعتنا في الاستجابة عندما بدا أن الطائرة تتجه على الأرجح إلى هذا البلد، (سطر محذوف) . وقد قام مكتب رئاسة الوزراء، ووزارة الداخلية والدوائر المعنية الأخرى بتحليل الحادث بعد وقوعه، لتعلم الدروس التي يمكن استخلاصها من ذلك ومن الجوانب الأخرى للتعامل مع الحادث . ولا تزال بعض النقاط قيد المتابعة، ولكنكم ووزير الداخلية، ربما ترغبون في الاطلاع الآن على سرد للنتائج التي توصلنا إليها .
3- كان هذا أول اختطاف تطول آثارُه الأراضي البريطانية خلال ما يقرب من سبع سنوات . وعلى الرغم من سياستنا الصارمة المعروفة جيداً إزاء عمليات الاختطاف، أصبحت المملكة المتحدة المقصد الذي آلَ إليه ما بدا رحلة داخلية في تنزانيا . وليس للخاطفين خلاف معنا، وينحصر خلافهم مع حكومتهم . ولعل مجيئهم إلى هنا، ناجم عن وجود زميلِ الرئيس نيريري، السابق، والمعارض الآن، السيد اوسكار كامبونا في هذا البلد، وعن دورنا كقوة استعمارية سابقة، بوجه أعمّ . ولم تكن هنالك دلائل مؤكدة على أن المملكة المتحدة قد تكون مقصد الطائرة، إلى أن ذُكر أنها تطير باتجاه الشمال شرقي باريس . ومع ذلك، وفي إجراء احترازي، قام مكتب رئاسة الوزراء بإخطار وزارة الداخلية ووزارة التجارة في وقت مبكر من صباح السبت 27 فبراير/ شباط . وقامت وزارة التجارة بإخطار دائرة التحكم بالملاحة الجوية، لكي يتسنى إعطاء التعليمات لتوجيه الطائرة إلى مطار ستانستيد، أحد المقاصد المفضلة للطائرات المخطوفة في هذا البلد، إذا استمرت الطائرة بالطيران في اتجاهنا، وأصرّت على محاولة الهبوط هنا . كما جرى تحذير شرطة إيسكس، وقوات الشرطة في مطاري هيثرو وغاتويك .
4- إلى أن تم اتخاذ قرار بتفعيل غرفة إدارة الأزمات في دار الحكومة، شملت المشاوراتُ الضرورية الضباط المناوبين في الوزارات المختلفة والمسؤولين المناسبين الذين أمكن الاتصال بهم في منازلهم . وتم إنجاز العملية التي قامت بها غرفة إدارة الأزمات في دار الحكومة برمتها، ضمن ما يزيد قليلاً على ساعة واحدة، وهي الزمن الذي بنينا عليه خططنا، ولكن عدداً من المسؤولين كانوا على بعد عدة ساعات من وايتهول (دار الحكومة) ولم يصلوا حتى وقت لاحق . ولحسن الحظ، أنكم كنتم في 10 داوننغ ستريت (مقرّ رئاسة الوزراء) وبذلك تسنّى لكم تولي زمام الأمور قبل وصول وزير الداخلية من (بلدة) سيرينسستر (شمال غرب لندن) . ولم يتم إبلاغ مكتبكم مبكراً بالدرجة الواجبة، ويجري الآن اتخاذ الخطوات الكفيلة بضمان إبلاغكم في المستقبل فور وجود سبب للاعتقاد بأن طائرة مخطوفة ربما تكون متجهة نحو هذا البلد .
مراجعة تدابير مواجهة حوادث الاختطاف
5- لقد درستُ إجراءات التحذير، وما إذا كانت في حاجة إلى مراجعة على ضوء هذه الحادث . وتوصلتُ إلى أنها أدت مفعولها جيداً بوجه عام، ولكن لا تزال الحاجة قائمة إلى وجود تعليمات أكثر تحديداً لضباط مناوبين معينين، ومن المفيد أن يكون لدى موظفين معينين تعليمات إجرائية تكمل قائمة أرقام الهواتف الموجودة في حوزتهم . ويقف بعض صغار الموظفين على أهبة الاستعداد الدائم لمثل هذه الحوادث، وفق لائحة للمناوبة، وهم يتقاضون علاوة مقابل ذلك . ولكن عدد الموظفين الكبار المدربين والمتمرسين في التعامل مع أحداث من هذا النوع قليل؛ والعديد منهم يقطنون بعيداً عن مركز لندن إلى حد ما، وبخاصة في نهاية الأسبوع . ومع أن كبار الموظفين يُبلغون الضباط المناوبين بمكان تواجدهم خارج ساعات العمل، فإنهم لا يكونون دائماً قريبين من جهاز هاتف ولا في نطاق أجهزة الاستدعاء (بيجر) . ويكونون خارج نطاق الاتصال خلال الوقت الذي يستغرقونه في الانتقال إلى وايتهول (دار الحكومة) من منازلهم . وهم يشعرون في بعض الأوقات بأن بقاءهم في المنازل على اتصال هاتفي، أكثر منطقيةً من مغادرة المنازل للانضمام إلى الموظفين الآخرين في غرفة إدارة الأزمات في دار الحكومة . وأخيراً فإن عمليات تلك الغرفة خارج ساعات العمل تعتمد، في كل المستويات، على المتطوعين . ويطيب لي أن أبلغكم بأننا لم نواجه اي صعوبة في الحصول على متطوعين في هذه المناسبة، ولا يوجد سبب يدعوني إلى التكهن بمثل هذه الصعوبة في المستقبل .
6- لقد أظهر الحادث كذلك أننا في حاجة إلى وجود مرافق في غرفة إدارة الأزمات للتحكم بالإرسال عن طريق الراديو . ويجري توفيرها الآن .
7- الترتيبات الدائمة مع شرطة العاصمة لتوفير الطعام، أخفقت في هذه المناسبة . وننظر الآن في إيجاد بدائل؛ ولكن شرطة العاصمة تظل الحل الأرخص، وندرس الآن إمكانية ضمان توفير الإمدادات من هذا المصدر .
8- بالنسبة إلى الوضع في مطار ستانستيد، ما زالت بعض المسائل قيْدَ المتابعة . ويبدو أن خطتنا للتعامل مع الحوادث الطارئة من هذا النوع، سليمة . فمجموعة التنسيق بإشراف الضابط الرئيسي، ومجموعة الاستخبارات، وتدابير الدعم الفني والتفاوض، كلها أدت دورها على أكمل وجه . وستكون هنالك حاجة إلى إجراء إحكام تنقية للخطة لتشمل مسائل مثل تحسين ترتيبات الاستقبال للمسؤولين العسكريين والمسؤولين من الدوائر الأخرى على مسرح الحدث، وتحسين ترتيبات ما بعد الحادث . وكما تعلمون، فقد لفتت وسائل الإعلام النظر الى عدد من المشكلات .
ومن المقرر إجراء مناقشات لمحاولة وضع ضوابط ومعايير للتغطية الإعلامية، لأعمال الإرهاب أثناء وقوعها، لاستكمال ما هو موجود من تلك المعايير، المتعلقة بعمليات الاختطاف . وسوف تُتخذ خطوات لتذكير وسائل الإعلام بأن نشر محتوى الرسائل على شبكة التحكم بحركة الملاحة الجوية، يُعدّ جريمة، بموجب قانون الإبراق اللاسلكي .
9- أخيراً، أظهر الحادث القيمة العظيمة لتمارين مكافحة الإرهاب التي نجريها بانتظام . ومع أن شرطة ايسيكس لا تملك الخبرة السابقة في عمليات مكافحة الإرهاب، فقد اضطلعت بدورها بكفاءة عالية؛ وإلى جانب وزارة الداخلية وجهاز خدمة الأمن، أجرت تمريناً لاختبار خطة الطوارئ في مطار ستانستيد قبل شهر فقط، كما أن العديد من المشاركين من غرفة إدارة الأزمات في دار الحكومة، شاركوا في تمرين مكافحة الإرهاب في اكتوبر/تشرين الأول الماضي .
***
تحتوي وثيقة أخرى بتاريخ 12 نوفمبر/تشرين الثاني 1985 على متابعة لقضية الطائرة التنزانية المخطوفة . . وهي عبارة عن رسالة موجهة إلى وزير الخارجية جيفري هاو . . ومما جاء فيها:
تتذكرون حادثة 1982 عندما خطف خمسة تنزانيين طائرة تابعة للخطوط الجوية التنزانية أثناء رحلة داخلية . وبعد أن تزودت الطائرة بالوقود في نيروبي، طارت إلى جدة، واليونان وروما وأخيراً وصلت إلى مطار ستانستيد (شمال لندن) في 27 ابريل/نيسان 1982 الصواب هو 27 فبراير/شباط) . . وبعد مفاوضات، أفرج عن طاقم الطائرة والركاب في اليوم التالي واستسلم الرجال الخمسة (الخاطفون) للسلطات . وقد وجهت إليهم جميعاً لوائح اتهام وأدينوا بموجب قانون خطف الطائرات لعام 1971 وحكم عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين ثلاث وثماني سنوات .
الخاطفون يطلبون اللجوء السياسي
وقد تقدم الرجال الخمسة جميعاً بطلبات لجوء . وأكمل اثنان منهم، ياسين ممبار وطاهر أحمد، محكوميتهما العام الماضي . وبعد انتهاء مدة سجن ممبار، اعتقل بموجب أحكام قانون الهجرة، ولكن في نوفمبر/تشرين الثاني 1984 أصدرت محكمة قراراً بالإفراج المؤقت عنه بكفالة . وكلا الرجلين موجود الآن في بريطانيا بموجب إقامة مؤقتة . وأثناء مقابلتهما أعرب الرجلان عن استعدادهما لقبول نقل إقامتهما إلى بلد ثالث، وبعد مفاوضات مطولة، حصلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على موافقة سلطات سيراليون على نقل إقامتهما إلى هناك . ولكن في نهاية يوليو/تموز من هذا العام، وذلك على ما يبدو تحت تأثير السيد اوسكار كامبونا- الذي قام بالوساطة خلال فترة خطف الطائرة، رفضا عرض الانتقال إلى سيراليون، وعندها أعدنا النظر في طلب لجوئهما .
وأثناء مقابلتهم، ادعى الرجال الخمسة جميعاً أنهم أعضاء في حركة الشبيبة التنزانية الديمقراطية التي تسعى إلى إرساء حكم ديمقراطي في تنزانيا . ونحن ليس لدينا معلومات بشأن هذه المنظمة . وقد أفاد تقويم وزارتكم بأن الخاطفين سيخضعون للاستجواب ويبقون تحت المراقبة فترة طويلة إذا عادوا إلى تنزانيا، غير أنهم لن يواجهوا أي عقوبات إضافية، بينما قالت السلطات التنزانية إنهم لن يواجهوا أي مشكلات لدى عودتهم إلى تنزانيا . وإذا أخذنا ذلك في الاعتبار، وبرغم أن الرجال الخمسة يتخوفون من العودة إلى تنزانيا، فإن تخوفهم من المحاكمة ليس له أساس يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 1951 وعليه، أقترح رفض طلبهم اللجوء .
وإذا تم رفض طلباتهم للجوء، فلن يستطيعوا طلب البقاء هنا، وفي الظروف العادية، سيتم ترحيلهم إلى تنزانيا . (من المستبعد أن تقبل سيراليون استقبالهم إلا إذا كانوا يرغبون في الذهاب إلى هناك بملء إرادتهم، ولكنهم لا يريدون ذلك) .
والسماح ببقاء خاطفين مدانين هنا ينطوي على خطر تعارُضِه مع الخط المتشدد الذي اتبعناه في مسألة الإرهاب، ومن الممكن جدّاً أن يثير انتقادات بين الرأي العام، ولو أن هذه القضية لم تحظ حتى الآن سوى بتغطية إعلامية محدودة .
ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، بسبب التعهدات التي أعطيت للخاطفين خلال المفاوضات التي أدت إلى استسلامهم . وقد أظهر باتريك وول (عضو البرلمان) اهتماماً كبيراً بمصير هؤلاء الرجال منذ البداية، وهو يرى أن التعهدات تحول دون إعادتهم إلى تنزانيا خلافاً لرغبتهم . وقد بعث تيم رايسون (وزير التنمية الخارجية) برسالة إليه في ابريل/نيسان 1982 قال فيها إن "سجلاتنا واضحة تماماً بشأن ما اتفق عليه، وهو أنه إذا استسلم هؤلاء الرجال، فسوف يكونون خاضعين للقانون البريطاني: أي لن يكونوا طليقي السراح، ولكن لن يُعادوا إلى تنزانيا" . وعندما تحدث ديفيد وادينغتون (عضو مجلس العموم)، إلى باتريك بشأن القضية في وقت سابق من هذا الأسبوع، أوضح أنه سيرد بقوة، بما في ذلك عبر الوسائل القانونية، إذا جرت أي محاولة لإعادتهم (قسراً إلى تنزانيا) . وقد استشار ديفيد ويلي وايتلو، الذي كان في حينه وزير الداخلية، والذي أجاز بصفته الوزير المسؤول عن العملية، التعهد الذي أعطي . ووجهة نظر ويلي هي أنه لن يكون من الحكمة إطلاقاً ألا نلتزم بتعهدنا حرفياً .
وتبين محادثة ديفيد وادنغتون مع السير باتريك وول أن محامي الرجال لن يطعنوا في رفض منحهم اللجوء إذا سمح لهم بالبقاء هنا على أساس مؤقت . ويقضي التفاهم بأن الرجال سيعودون إلى تنزانيا في الوقت المناسب إذا سمح الوضع بذلك . وعليه، أقترح إعطاءهم بصورة استثنائية الإذن بأن يبقوا هنا لمدة 12 شهراً في البداية، على أن تتم مراجعة الوضع بنهاية تلك الفترة . وما لم يطرأ تغيير مفاجئ على الوضع في تنزانيا، فإن الرجلين التاليين اللذين سيفرج عنهما، في مارس/آذار 1986 سيعاملان بالطريقة ذاتها .
آمل ألاّ يسبب لكم هذا القرار صعوبات في علاقاتنا الثنائية مع تنزانيا . والتنزانيون لم يضغطوا لإعادة الرجال، وسيكون من المفيد أن نشرح لهم القرار من أجل توضيح أننا لا نعتبر طلباتهم للجوء مسوّغة، وأن قرار عدم إعادتهم إلى تنزانيا اتخذ أساساً بسبب التعهدات التي أعطيت لهم أثناء عملية الخطف، وهو لا يعكس عدم ثقة من جانبنا بالتأكيدات التي أبلغتنا بها السلطات التنزانية بأنهم لن يتعرضوا لعقاب إذا عادوا . ونحن الآن نتعرض لبعض الضغط لكي نعلن قراراً بخصوص هذه القضية . وطلب المراجعة القضائية الذي قدم في البداية بالنيابة عن ممبار في نوفمبر/تشرين الثاني 1989 تم تأجيله مرتين حتى الآن بانتظار قرار بشأن طلبي اللجوء اللذين قدمهما هو وأحمد . وقد عبرت المحكمة عن انتقاد للتأخر في التوصل إلى قرار هو تأخر يعود إلى حدّ كبير إلى الوقت الذي استغرقته محاولتنا إيجاد بلد مقبول يستقبلهما . وقد تم الآن تحدي موعد جلسة أخرى للمحكمة يوم الأربعاء المقبل في 20 نوفمبر/تشرين الثاني، وسنواجه إحراجاً إذا لم نستطع الإعلان عندئذٍ عن توصلنا إلى قرار .
تفادي ضجة إعلامية
وفي وثيقة أخرى بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1985 يرُد وزير الخارجية جفري هاو على الرسالة السابقة، قائلاً:
1- أشكركم على رسالتكم في 14 نوفمبر/تشرين الثاني التي طلبتم فيها جواباً في وقت قريب بشأن الإجراء الذي اقترحتم إجراءه بشأن اثنين من خاطفي الطائرة التنزانية .
2- أوافق على ما تقترحونه بشرطين:
أ- آمل في أن يتسنى تفادي ضجة إعلامية غير ملائمة عندما يُعلن القرار .
ب- يجب أن نوضح في أي تصريح علني أن قرارنا بالسماح للتنزانيين بالبقاء في المملكة المتحدة، هو نتيجة للتعهدات التي أعطيناها هنا في 1982 ولا تعكس عدم ثقة بتأكيدات السلطات التنزانية .
3- طلب مفوضنا السامي إبلاغه في أقرب وقت ممكن قبل الإعلان عن أي قرار، لأن الاتصال بالوزير التنزاني المختص يمكن أن يستغرق بضعة أيام . ومن الواضح، في الظروف الراهنة، أن هذا سيكون مستحيلاً، ولهذا طلبنا من المفوض السامي، بعد أن تشاورنا مع مسؤوليكم، أن يبلغ التنزانيين بشأن القرار في أقر وقت ممكن .