عادي
أحدهم يبوح بخفايا المهنة

حفر الآبار بلا تصريح.. دعاية على أبواب البيوت

01:39 صباحا
قراءة 7 دقائق
العين راشد النعيمي:

أن تصادف ملصقاً أو نشرة دعائية لمحل بقالة أو سوبر ماركت أو كافتيريا على باب منزلك، فذلك أمر طبيعي، لكن أن تصل الجرأة إلى وضع ملصق لحفر بئر غير قانونية، فذلك مؤشر خطر ومخالفة صريحة واستهتار بالقوانين والنظم التي تحمي المياه الجوفية من الاستنزاف.. عمالة غير قانونية تجوب المناطق السكنية، تعرض خدماتها لحفر الآبار المنزلية، بطرق سرية وبمعدات بدائية لا تحدث ضجيجاً، ولا تلفت الأنظار.

«الخليج» استدرجت أحد هؤلاء الذي وزع بملصقاته الدعائية غير القانونية في العين للبوح بخفايا العمل، الذي يكاد يتحول من السر إلى العلن، حيث كشف عن كل ما يتعلق بالحفر من طرق وأسعار واحتياطات، تجعل من موضوع حفر بئر غير قانونية وبلا تصريح أسهل من شربة ماء!!

كان قد غادر المكان تاركاً ورقة صغيرة فيها اسمه ورقم هاتفه وعبارة تعج بالأخطاء الإملائية، تدل على استعداده للقيام بحفر بئر منزلي، وزعها على منازل مختارة في المنطقة، وقد عرف بطريقة ما أن أصحابها يرغبون في حفر بئر، نظرا لكمية المزروعات أو مساحة الحديقة التي يمكن رؤيتها من باب المنزل المفتوح دوماً، التقطت الورقة واتصلت به، وبعد أن سألني عن اسم المنطقة التي أسكن فيها، شرع في تطميني بأنها وفيرة المياه، حيث قام بحفر أكثر من 10 آبار خلال الأشهر الماضية، تكللت بالماء الوفير، والثناء من «الأرباب» صاحب البيت!!.

وحول السرية في العمل وعدم التعرض لإشكالات قانونية، قال إن الأمور بسيطة، بما أن البيت مسكون وله باب وسور، يمكن الحفر بطريقة سرية وبدون لفت الأنظار، خاصة أن جهاز الحفر لا يصدر صوتاً لافتًا، كآلات الحفر الاحترافية التي يمكن ملاحظتها من بعيد، حيث إن الجهاز عبارة عن آلة يدوية ميكانيكية تم تطويرها بواسطتهم.
تبدأ المرحلة الأولى كما يقول «عزيز»، بعمل حفرة يصل عمقها إلى ستة أمتار، ثم صب رقبة أسمنتية مربعة فيها، أبعادها 80 سنتيمتراً، وبعد ذلك يشرع العمال في الحفر، حيث تستغرق المرحلة الأولى عشرة أيام تقريباً، يتم خلالها صب متر طولي واحد من الخرسانة يومياً، لتبدأ المرحلة الثانية بالحفر بواسطة الآلة، وهو الأمر الذي يستغرق ثلاثة أيام تقريباً، للوصول إلى الماء، إذا كانت الأرض رملية، ولا يوجد فيها «جبل»، حسب قوله.
كان الرجل في قمة الحماس لبدء العمل فوراً، بينما كنت أمطره بالتساؤلات عن التفاصيل، وآلية احتساب الأسعار، حيث أشار إلى أنها قد تصل إلى 12 ألف درهم في حال وجود المياه على عمق 25 متراً حيث يضع بعض زملائه تسعيرة تبلغ 500 درهم للمتر، حتى بلوغ الماء، بينما يتكفل هو بكل المتطلبات من رمل وأسمنت و«كنكري»، إضافة إلى جهاز الحفر، وأجور العمالة، حيث يحتاج مشروع الحفر إلى ثلاثة «أنفار» تقريباً لإنجازه.
اللافت في الموضوع هو عدم خوف «عزيز» وزمرته من أي رقابة، ما أدى إلى قيامه بنشر أرقام هواتفه علانية والمرور بها على البيوت، بينما يملك قاعدة معلومات عن البيوت في المنطقة، وعدد الآبار فيها، فيزودك كل برهة باسم زبون حفر له بئراً، فوجد المياه فيها أنهراً جارية لا ملوحة، ولا رائحة، وحينما ذكرته بأنه عمل ممنوع، قال إن الجميع يملك بئراً في منزله، وإن أموره تسير على خير ما يرام، ولا شيء يكدر صفوها !!.

القانون رقم 6

أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»، بصفته حاكماً لإمارة أبوظبي القانون رقم «6» لسنة 2006 بشأن تنظيم حفر آبار المياه الجوفية.

ونص القانون في مادته الثانية على اعتبار المياه الجوفية الموجودة في الطبقات المنتجة على اختلاف أنواعها، والتي تستخرج باستخدام الآبار في الإمارة ملكاً لها، وكل بئر تقام على أراضي الإمارة بدون ترخيص، تعتبر من المنشآت المائية العامة للإمارة، وتقوم بتخصيصها للمنفعة العامة من دون أداء أي تعويض عنها، فضلاً عن توقيع العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون.
ونصت المادة الثالثة على أنه لايجوز لأي شخص طبيعي أو معنوي القيام بعمل أو أكثر من الأعمال التالية، وهي إنشاء بئر جوفية جديدة، وتعميق بئر جوفية قائمة أو زيادة قطرها أو زيادة إنتاجية البئر باستبدال مضخة ذات سعة أكبر، أو استبدال بئر جديدة بأخرى قديمة، أو نقل وبيع المياه من البئر إلا بعد الحصول على ترخيص من الهيئة، وعلى أن يقوم بذلك مقاول متخصص ومرخص له بتلك الأعمال.
ونصت المادة العشرون، على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، ولا تزيد على سنة، وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف درهم، ولا تزيد على خمسين ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من مقاول الحفر وصاحب البئر في حالة حفر بئر، أو البدء في حفرها بدون الحصول على رخصة حفر، أو بعد انتهاء مدة رخصة الحفر الممنوحة له..
ونصت المادة الثانية والعشرون، على أن يعاقب بغرامة لاتقل عن خمسة آلاف درهم، ولا تزيد على عشرين ألف درهم، كل مقاول حفر أو خالف أي حكم من أحكام المادتين «12» و«14»، من هذا القانون أو قدم بيانات أو معلومات غير صحيحة بشأنها.
كما نصت المادة الثالثة والعشرون، على أن يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف درهم، ولا تزيد على عشرين ألف درهم، كل من يخالف قرار الإيقاف الصادر، وفقاً للمادتين «15» و«18»، من هذا القانون، ونصت المادة الرابعة والعشرون، على أن يعاقب بغرامة لا تزيد على عشرة آلاف درهم عن كل مخالفة لأحكام المواد «8» و«9» و«13» و«17» و«25» من هذا القانون.

مخالفة صريحة

يقول الدكتور أحمد مراد وكيل كلية العلوم في جامعة الإمارات وأستاذ جيولوجيا المياه، إن دولة الإمارات تقع في المنطقة الجافة، التي تتميز بقلة التساقط المطري، حيث يتراوح معدل سقوط الأمطار في الدولة إلى قرابة ال 100 ميللمتر في السنة، وارتفاع معدلات التبخر، التي تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 2000 ميللمتر في السنة، وهنا يتضح أن الفاقد الطبيعي من خلال التبخر والأنشطة الأخرى، أكثر من الداخل إلى باطن الأرض، التي قد يصل إلى 10% من الأمطار المتساقطة، مما يؤثر في الموازنة المائية.

ويضيف أن المياه الجوفية، تعتبر من أهم المصادر للاستخدامات الآدمية والزراعية والصناعية، واستخراج هذه المياه يتبع نظم الوسائل العلمية والتقنية الحديثة والدقيقة للحفاظ على البيئة، والاستخدام الأمثل لهذا المخزون الجوفي من المياه، ومن أهم الوسائل لاستخراج المياه، هي الطرق المثلى لعلميات حفر الآبار، سواء كانت بطرق الحفر الدوراني، أو الدق الرأسي، وما يتبعها من استخدام وسائل الحفر للحفاظ على طبيعة الخزانات الجوفية، وكذلك نوعية وكمية المياه المستخرجة، ويتم استخدام طرق الحفر بعناية فائقة طبقاً لطبيعة المكان ونوعية الطبقات الجيولوجية تحت السطحية ومحتواها المائي ومصدر تغذية تلك الطبقات، حتى يتم تفادي الأثر السلبي لنوعية وكمية المياه والبيئة المحيطة بها.

ويشير الدكتور أحمد مراد إلى أن هناك بعض مستخدمي المياه قد يلجؤون إلى وسائل وطرق لحفر واستخراج المياه، قد لا تصلح فى الحاضر، نظراً للتطور الهائل فى وسائل حفر وطرق استخراج المياه من باطن الأرض. فاللجوء العشوائي لاستخدام العمالة غير المدربة، التي لا تعرف الكثير عن ماهية ونوعية المياه الجوفية، وطبيعة الطبقات الصخرية الحاملة لها، قد يكون سبباً مباشراً في الإضرار بالنظام البيئي ومحتواه الإنساني والنباتي والحيواني، وكذلك المنشآت السكنية، وخاصة الأساسات منها، فحفر الآبار بهذه الطرق غير المبنية على أسس علمية وتقنية دقيقة، قد ينتج عنه إنتاج مياه ملوثة بمخرجات المصرف الصحي والزراعي، خاصة العناصر السامة، مثل الرصاص والزنك والنترات وغيرها، فضلاً عن حدوث تشقق وانهيار لبعض المنشآت السكنية ذات الاتصال المباشر بنوعية وكمية المياه الجوفية، وتذبذب منسوبها الجوفي.

إن حفر الآبار الجوفية أو تعميقها بدون الحصول على تصريح من الجهات المعنية بالدولة، بغرض الوصول إلى المياه الجوفية، يعتبر عملاً مخالفاً للقوانين المعمولة بها في الدولة، وبالتالي فإن الشخص الذي يقوم بذلك،يقع تحت المساءلة القانونية، كما أن حفر الآبار بالطرق اليدوية في البيوت أو المزارع له عقبات سلبية على المياه الجوفية في المنطقة المحيطة.

استنزاف المياه

ويضيف وكيل كلية العلوم: مع مرور الوقت وبسبب الأنشطة البشرية المختلفة، و منها الأنشطة الزراعية، فإن جودة وكميات المياه الجوفية في تراجع ملحوظ، ولهذا بدأت مختلف الإمارات في الدولة منذ العام 2006، بسن القوانين التي تنظم آلية حفر الآبار الجوفية، للحد من استنزاف المياه الجوفية والحفاظ عليها من التدهور، ضمن سياسة الدولة الرشيدة للوصول إلى استدامة الموارد المائية.

وينبه أن توخي الحذر والدقة فى اختيار طرق ووسائل حفر واستخراج المياه الجوفية، مهم جداً، فضلاً عن العمالة المدربة واستخدام الوسائل والتقنيات الحديثة، التي تقود إلى الحفاظ على النظام البيئي ومكوناته، وكذلك ديمومة استعمال المياه كماً ونوعاً، حيث تعتبر ظاهرة حفر الآبار الجوفية أو تعميق الآبار بدون تصريح من الجهات المعنية في مختلف إمارات الدولة من الظواهر المؤرقة بيئياً، والتي لها تأثير سلبي في الخزان الجوفي الذي يجب أن نحافظ عليه للأجيال القادمة.

طريقة خطرة

طريقة الحفر البدائية قد تعرض قواعد ودعامات البناء إلى الخلل أو الانهيار لأن هؤلاء الحفارين ليسوا مرخصين، وليس لديهم خبرة بطريقة الحفر السليمة إلى جانب ارتكابهم لأخطاء في مواقع الحفر، حيث تم سابقاً تسجيل تعرض أحد المواطنين لحادث في حديقة منزله، كان على وشك أن يودي بحياته في أعقاب انهيار التربة من تحت قدميه، وسقوطه في حفرة يتراوح عمقها بين متر ونصف المتر، خلال محاولته سحب المياه من البئر التي حفرها له أحد العمال غير المرخصين.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"