«قد نفهم أن الكتاب (الفرانكوفونيين) في المغرب وإفريقيا وجزر الأنتيل قد عاشوا في قلب اللغة الفرنسية أو عاشوا ازدواجية اللغة على الأقل. ولكن من الغريب أن يأتي كتاب وأدباء ينحدرون من بيئات وعوالم مختلفة تماماً إلى اللغة الفرنسية. ولعل مثال الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا خير دليل على ذلك. وهو أحد الروائيين الأكثر شهرة في العالم. فقد استقر في باريس منذ عام 1975 وكتب أعمالاً ثلاثة بلغة موليير وبروست وستندال وهي: (فن الرواية خيانة الوصايا) وروايتاه الأخيرتان (البطء) و(الهوية).
ليست هذه المرة الأولى التي أتابع فيها كتب الحوارات الصحفية الموسعة، ذات الطابع الحياتي والفكري، ويحضرني هنا كتاب «رائحة الجوافة»، وهو حوار طويل بين الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وصديقه الصحفي «بيلينيو مندوزا»، والشاعر والصحفي عبده وازن أجرى مجموعة من الحوارات الطويلة والمهمة، مع أدونيس، ومحمود درويش، وفي السياق ذاته تأتي الحوارات المركزية بين الشاعر والصحفي أحمد فرحات وعدد من الكتاب والروائيين والمفكرين.
الروائي شاكر نوري يحاور 30 كاتباً فرانكفونياً بينهم رسامون، وشعراء، ومسرحيون، ومفكرون، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر: أحمدو كوروما، أندريه شديد، بوعلام صنصال، رشيد بوجدرة، ليلى صبار ياسمينة خضرة، إذمون عمران المليح.. وغيرهم ممن شكلوا ظاهرة ثقافية فرانكفونية، ولكن غير منفصلة عن ذاكرتها العربية، وعلى سبيل عاطفي مثلاً - إذا جازت العبارة - عاش الفرانكفوني العريق «البير قصيري» حوالي نصف القرن في فندق في باريس، ولم يبرحه إلا ميتاً، وقد رفض الجنسية الفرنسية، وظلت مصر هاجساً فكرياً من هواجسه المركبة.
قبل أن أشير إلى بعض مناخات هذه الحوارات (فالمساحة لا تسمح بعرض أفكار 30 كاتباً) من المهم القول إن الحوار الصحفي المهني في مثل هذه الحالات يتطلب ثقافة موسوعية وعالية المستوى، كما يتطلب معرفة تاريخية وشخصية وثقافية للكاتب موضوع الحوار. أي إن الحوار، في هذه الحالة، هو بحث شخصي وثقافي في مجمل كينونة الكاتب، وهذا ما نلمسه في الجهد الذي بذله شاكر نوري الذي عاش سنوات طويلة في فرنسا، ويجيد الفرنسية، وهنا من الضروري القول إن معرفة اللغة، بل معرفة تاريخ وثقافة اللغة أمر في منتهى الأهمية أثناء الحوار.
شاكر نوري يحاور بالعربية والفرنسية. مطل بقوة على السينما والمسرح علاوة على مشروعه الروائي الذي ينهض الآن على أكثر من ست روايات.
وضع شاكر نوري مقدمة مهمة لكتابه تحت (عنوان - سؤال) هو: «لماذا اختاروا الكتابة بالفرنسية؟» - وفي تداعياته الفكرية والثقافية على هذا التساؤل أو السؤال يقول نوري: «.. لا يمكن القول بأي شكل من الأشكال إن اللغة الفرنسية أضرت بالإبداع الأدبي والفني في المغرب العربي بل على العكس، أثبتت أن هذه الكتابات ما هي إلا إدانة للاستعمار بلغته وكلماته..»، وللتضوئة، مثالاً، على هذه الفكرة الأخيرة، يسأل نوري الروائي أحمد كوروما من ساحل العاج: لماذا رفضت دور النشر الفرنسية إصدار روايته الأولى (شمس الاستقلال)، فيجيب كوروما: «.. لأنني تكلمت عن التعذيب في عهد «فوييه» الذي كان رجلاً مهماً وقوياً في أثناء الحرب الأهلية، إذ لم يكن بالإمكان انتقاده بهذا الشكل، لأن فرنسا.. كانت تدعمه..».
هاجر الكاتب الروسي «أندريه ماكين» إلى أوروبا وأخذ يكتب بالفرنسية، وهو يعتبر، كما في الحوار، أن الشاعر الروسي «بوشكين» نصفه عربي إثيوبي، ويقول «نصف الروس شرقيون».
من بين هؤلاء الكتاب الثلاثين الذين حاورهم نوري، فإن المعروف عندنا نحن العرب بقوة: صلاح ستيتيه (شاعر)، وأمين معلوف (روائي)، ورشيد بوجدرة (روائي)، والطاهر بن جلون (روائي).
للكاتب المغربي (يكتب بالفرنسية بالطبع) عبدالكبير الخطيبي كتاب معروف في ذاكرتنا العربية، وهو كتاب «الاسم العربي الجريح»، ومعه حوار يراوح بين الفكر والأدب والسياسة، ولكن أشير هنا إلى أن شاكر نوري لم يحاور كاتباً أو باحثاً انثروبولوجياً مغربياً هو «عبدالفتاح كيليطو» يكتب بالفرنسية، وعلى درجة كبيرة من الأهمية.
الكتاب حواري. مشبع بالمعلومات والمواقف والأفكار التي تضيء بقوة على ظاهرة الفرانكفونية، وكيف يفكر من انخرط في صميمها الأدبي والثقافي.
الكتاب: (منفى اللغة) - حوارات مع الأدباء الفرانكفونيين.
المحاور: شاكر نوري.
الناشر: الكتاب الشهري عن مجلة دبي الثقافية (2011).