عادي
رفوف إماراتية

الفلسفة القديمة من الملطيين إلى أوغسطين

02:14 صباحا
قراءة 4 دقائق
يكتبها: يوسف أبولوز

رغم مرور مئات بل آلاف السنوات على بعض الفلسفات الأولى التي أنجبها العقل البشري، ودفع الإنسان (الفطري) الذي تعلق بتأمل ما يفكر فيه العقل، وما يصدر عن القلب والروح ثمناً باهظاً، أحياناً، من أجل أن تتأسس وتبقى هذه الفلسفات، إلا أن الفلسفة القديمة لم تمت، بل، بنيت عليها أعمدة كبرى في الفكر الفلسفي. لا يمكنك أن تفهم حتى (الوجودية) التي تفترق مئة وثمانين درجة عن (الأفلاطونية) على سبيل المثال من دون أن تعود إلى الفلسفة اليونانية، وإذا قرأت (كيركيجارد) في القرن العشرين، قد تحتاج إلى شيء من (أرسطو).
الفلسفة حلقات وأجيال. وهي التاريخ (العذب) إن جازت العبارة لما استولده عقل الإنسان من أفكار، وتأملات، والفلسفة تنقذ الإنسان من أسئلته الفكرية والوجودية وحتى العبثية المؤرقة، والفلسفة، أيضاً، تفكير في (الشيء)، وليست (شيئاً) في الفكر، الأمر الذي يدفع الكثير من المثقفين لطرح سؤال: ما الفرق بين الفكر والفلسفة؟
ربما، لنعرف هذا الفرق، أو لكي نعرف (ضرورة) الفلسفة وحاجتنا (الفطرية) لها كما حاجتنا الثقافية لها أيضاً.. نقترب من كتاب (مدخل إلى الفلسفة القديمة)، وهو من الكتب المهمة التي ولدت ب (الترجمة) في إطار مشروع كلمة في أبوظبي الذي قدم للقارئ العربي حزمة من فلسفات العالم الحية وتراثه الفكري الحيوي في عناوين كبيرة صدرت عن المشروع، كما صدرت عن المركز الثقافي العربي حزمة مهمة أخرى تتصل بالفكر والفلسفة في وقت نحتاج فيه بالفعل إلى (تغذية) العقل بالمعرفة التي تساعد الإنسان على الخروج من شقائه وهو الذي يصنع شقاءه بيده.
هل نحتاج إلى قراءة كتب من هذا النوع؟ هل نحتاج إلى قراءة الفلسفة؟ هل نحتاج إلى ابن رشد، وابن سينا، وسقراط وأفلاطون وإلى آخر هذه (أعمدة الحكمة) هذه؟.. الإجابة.. نعم نحن في حاجة إلى الفلسفة التي تضيء قلب الإنسان وعقله. نعم نحن في حاجة إلى الفكر الذي يسحب البشرية من مستنقع الظلام والتكفير والجاهليات المعاصرة التي ترفع لواءها جماعات التشدد والتسييس الديني والشطط الأمي الذي تنزلق فيه مذهبيات وطائفيات مسعورة.
الفلسفة تطفئ العنف، وتمجد النور، وتنظف الإنسان من الغضب والركاكة الإنسانية والعقلية، وتهديه المحبة والسلام والسكينة.
انطلاقاً من هذه المفاهيم نقرأ هذا الكتاب، وغيره من كتب الإشراقات العقلية.
مقدمة الترجمة العربية في الكتاب تقدم مختصراً مفيداً للجو العام للكتاب.. «.. يعنى هذا الكتاب باستعراض التطور التاريخي للفلسفة في العالم الناطق باليونانية منذ بداياتها الأولى في الجزر الأيونية وإيطاليا، وانتهاء بآخر قمة فلسفية كتب باللاتينية، وهو القديس أوغسطين الذي عاش الجزء الأكبر من حياته في عنابة في الجزائر. ويحرص المؤلف بحس تاريخي على تناول الخلفيات الثقافية والاجتماعية التي أثرت في آراء الفلاسفة المختلفين، والكيفية النظرية التي تتصارع فيها هذه الآراء والمناهج أو تتفاعل وتتداخل.
بالطبع سيجد القارئ نفسه في محيط من المفاهيم والأفكار والطروحات النظرية الصعبة وربما المعقدة.. ولكن.. هناك ذكاء دائماً عند مؤلفي مثل هذه العناوين التي لا تقرأ بسهولة.. «.. بالرغم من الطابع النظري والأكاديمي الجاف في العادة لمثل هذه الفلسفات، فقد حرص المؤلف على إيصال أفكاره بلغة مبسطة تحاول توضيح مختلف قسماتها للقارئين: المتخصص، والمبتدئ على السواء.
إذاً.. نحن أمام كتاب له قارئان.. قارئ متخصص في الطابع النظري أو المنهجي أو الأكاديمي، وقارئ يلتمس الدخول إلى فضاء الفلسفة ومعرفة حيوات وتجارب ومحن روادها ورجالها الأوائل، (.. من لا يدفعه الفضول إلى البحث عن قصة كأس السم الذي تجرعه سقراط.. وقصة زوجته ذات اللسان الذي يشبه لسان الأفعى..؟».
قبل أن (أفرد) سريعاً محتوى الكتاب يطيب للقارئ الصديق أن يعرف (عمر) هذه المادة الفلسفية التي بين يديه، إذ يقول (آرمسترونغ) مؤلف الكتاب.. «.. لقد تطور هذا الكتاب عن سلسلة من المحاضرات التي ألقيت عام 1943 في جمعية نيومان في لندن، وهي جماعة لطلاب الجامعة الكاثوليكية الرومانية، وهو يحمل طابع ما يعد الآن طرازاً قديماً من أحادية الأفق والرضا اللذين يطبعان الكاثوليكيين الرومان..».
.. ولكن، حتى هذا الطراز القديم، يقرأ اليوم بنوع من الفضول لمجرد أن تقول (الفلسفات القديمة).

يذهب (آرمسترونغ)، وهو كما جاء التعريف به في غلاف الكتاب الداخل أستاذ درس تاريخ الفلسفة القديمة، ونثر العديد من الأعمال المتعلقة بها.. إلى بدايات الفلسفة الإغريقية (الملطيون والإيطاليون) وبالطبع يتفرع عن هذه البدايات الكثير من العناوين، كما تتفرع عناوين وتفاصيل كثيرة (يعود إليها القارئ بالتفصيل) عن كل مادة من مواد الكتاب. يذهب (آرمسترونغ) أيضاً إلى أواخر الفلسفة.

قبل سقراط، ثم يفرد مادة موسعة عن السفسطائيين وسقراط، ويضع ثلاث مواد حول أفلاطون: حياته وكتاباته، بنية عالم المثل وكيفية التفكير الحقيقي (إيجاد العالم المحسوس - اللاهوت)، ثم يضيء على تعاليم أفلاطون الأخلاقية والسياسية، ويضع، أيضاً أربع مواد حول أرسطو:- حياته وأعماله الأكاديمية بعد موت أفلاطون، ثم يعرض لأفكاره الرئيسية الفلسفية، ثم يقرأ الإلهيات وعلم النفس عند أرسطو، ثم أخيراً، رؤيته إلى الأخلاق والسياسة.


الكتاب: مدخل إلى الفلسفة القديمة.

المؤلف: أ. ه. آرمسترونغ.

الناشر: مشروع كلمة في أبوظبي والمركز الثقافي العربي (2009).

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"