عادي

تدوير الاقتصاد يُنقذ العالم 2030

01:26 صباحا
قراءة 5 دقائق
إعداد: بنيامين زرزور

بعد 10 سنوات سنجد أنفسنا نعيش اقتصاداً تدويرياً على مستوى العالم، بحيث يكون قد صار «شفافاً» من حيث لا ندري. وقد بات مؤكداً أن العقلية المنفتحة أسفرت عن زيادة في جرعة الثقة في سلاسل التوريد حول العالم، والتي تشجع على زيادة وضوح الرؤية، وزيادة مساحات التحكم في الموارد الطبيعية المسؤولة.
ساعدت تقنيات الثورة الصناعية الرابعة مثل «بلوك تشين»، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وتكنولوجيا النانو، على تسهيل متابعة حركة المعادن الأساسية والمواد الأولية من المنجم إلى المستهلك. لقد كشفت هذه الشفافية عن «وضع طبيعي جديد»، يمكن من خلاله تعقب حركة المواد الخام التي نستخدمها في التصنيع والبناء من اللحظة التي يتم فيها استخراجها إلى مرحلة استخدامها أول مرة، ثم مرحلة إعادة التصنيع، والتفكيك، وإعادة الاستخدام في نهاية المطاف.

انبعاثات الكربون

قد لا تسمع في عام 2030 من يتحدث عن الاقتصاد التدويري؛ لأنه سيكون الاقتصاد الوحيد. فهناك الكثير مما تم إنجازه في المرحلة الصعبة من التحول نحو الاقتصاد التدويري الخاصة في مجال رفع معدلات الرخاء الاجتماعي، مع الحد من الاعتماد على المواد الأولية والطاقة. لقد نجح العالم في تجاوز الأيام الصعبة لسنوات العقد المنصرم، حيث كانت تستخرج مليارات الأطنان من المواد كل عام لتلبية الاحتياجات العملية لتنمية المجتمعات، لكن جزءاً يسيراً من تلك الأطنان خضع لعمليات إعادة التدوير.
في عام 2030 سيحتفل الناس بالمبادرات التي تم إطلاقها لدفع العمل نحو تصفية الغلاف الجوي من انبعاثات غاز الكربون، الذي تخلفه الصناعات الثقيلة وقطاع النقل وغيره. فالتحسينات التي طرأت على سلاسل الإمداد في صناعة البطاريات المستدامة، مكنت قطاعات النقل والطاقة من خفض الانبعاثات بنسبة 30%، وهو ما وضع الاقتصادات على المسار الصحيح لتحقيق أهداف اتفاقية باريس.
وفي قراءة سريعة لما تم حتى الآن، نجد أن القطاعات التي استفادت من أفكار ورؤى السياسيين ورجال الأعمال، هي قلة قياساً على قطاع البطاريات. فقد وفرت ثورة خلايا الطاقة 10 ملايين وظيفة، وأضافت 150 مليار دولار إلى الاقتصاد العالمي، ووفرت الكهرباء لأكثر من 600 مليون شخص. ونستطيع القول إن العقد الماضي كان حقاً عقد البطاريات.

إنترنت الأشياء

وأسفر الانخفاض المتسارع في تكاليف التكنولوجيا عن فرص كبيرة للحد من النفايات. فقد بدأ إنترنت الأشياء في تتبع المنتجات والمواد الثمينة بتكلفة أقل بكثير مما كانت عليه في الماضي، ما زاد من فرص إعادة استخدامها بشكل كبير. ونحن الآن نعيد دمج الاقتصاد في نظام كوكبنا، من خلال الحفاظ على رأس المال الطبيعي وتعزيزه بوتائر لم تكن ممكنة من قبل. نحن نركز على الحصول على قيمة أكبر من البنية التحتية الحالية، وعلى التحكم المسبق في آثار التلوث وتغير المناخ والسموم والازدحام، كل ذلك تم إنجازه بشكل جماعي.
وقد بدأت سلاسل القيمة أخيراً في اعتماد «سياسة الأنظمة» في كيفية إدارتها للمواد والنفايات، مدركة أن ناتج إحدى الشركات هو مدخلات شركة أخرى. ولا شك في أن ذلك يعني كسب مزيد من المال من مصادر لم تكن قائمة.

شرارة الثورة

ويتساءل البعض اليوم عن الشيء الوحيد الذي أحدث فرقاً أكثر من أي شيء آخر؟ هناك من يشير إلى حركات الشباب التي رفعت الوعي ونشطت من أجل الحصول على فرص العمل. ويشير آخرون إلى الاختراقات الجديدة في الابتكارات التقنية التي لم يكن كثيرون يتصورون أنها ستكون متاحة قبل عام 2020. لا شك في أن كلاهما لعب دوراً في بلوغنا هذه النتيجة، لكننا لم نكن لنصل لو لم يسهم صناع القرار والمشرعون في الجهود إسهاماً كبيراً.
فمن شانجهاي إلى نيويورك، ومومباي، إلى بريسبان، دخلت السلطات حلبة المواجهة، ولم تنتظر حتى يدق التطوير بابها. لقد انخرطت في العمل ولديها ما يكفي من دوافع. ففي نهاية المطاف لابد من القول إن القطاع العام وواضعو السياسات، هم الذين يستطيعون التأثير بقوة في قطاعات الاقتصاد من خلال استثمارات البنية التحتية والنقل العام وقوانين تقسيم المناطق ومعايير البناء والدعم الحكومي للقطاع الزراعي. لقد كانوا قادرين على توجيه النتائج على مستوى التنظيم، فالتخطيط الحضري وأنظمة التنقل والأنظمة الغذائية أتاحت فرص دمج التقنيات الجديدة بفاعلية، وتجنب خطر الهدر الهيكلي الهائل.
ولم يسمح هؤلاء للقطاع الخاص بأن يتقدم على القطاع العام، وذلك من خلال وضع القواعد الصحيحة لضمان الحفاظ على الوظائف وإنشاء وظائف جديدة، وأدركت الحكومات في الوقت المناسب أن صيانة وتجديد المنتجات يمكن أن يتطلب المزيد من المدخلات البشرية، وبالتالي فإنها تحول الحوافز المالية نحو مصادر الطاقة المتجددة لتشجيع استخدام العمالة.

الآثار الارتدادية

والأهم من ذلك أن الحكومات أدركت تهديد «الآثار الارتدادية» لاقتصاد التدوير. فالتكنولوجيا تخفض الأسعار، وهذا أمر مطلوب. ولكن مع انخفاض الأسعار النسبي، يميل المستهلكون إلى استخدام المزيد من النقل الفردي و مساحات أوسع من الأراضي السكنية والموارد الغذائية. بمعنى آخر، كلما انخفضت تكاليف المواد، كلما زدنا معدلات استخدامها وتناولها وإهدارها. لقد تحرك صانعو السياسة بسرعة لتفادي الزيادة في معدلات أضرار البيئية المحتملة التي تنتج عن زيادة الرخاء.
وعملت الدولة على المستوى الوطني على دمج هذه التقنيات الجديدة، ونماذج الأعمال في اقتصادها بطريقة زادت القيمة المستخرجة من الأصول ومخزونات المواد. وبدلاً من أن تتحول إلى مدن الأشباح، أصبحت المدن موائل خضراء لسكانها تؤمن الاكتفاء الذاتي لمواطنيها. وعالجت نماذج الأعمال الجديدة كثيراً من الهدر الهيكلي في التنقل والغذاء والمباني، وخلقت خيارات جديدة للمستهلكين.
وقد نجحت التجمعات السكنية في تحقيق نمو اقتصادي، وتجنب الآثار الجانبية للنظام البيئي الجديد، من خلال إطالة أمد استخدام المواد وعمرها الافتراضي.

دمج التكاليف

لم تعد هيئات التنظيم تنظر إلى معالجة النفايات باعتبارها مجرد خطر على السلامة البيئية، ولكن كمصدر للمواد والمنتجات التي تخلق القيمة. ومن هنا فقد تم تخفيف الحواجز الإدارية والقانونية لإعادة التصميم وإعادة الاستخدام والتداول. وشجعت الحوافز التي خصصها مديرو النفايات، على الفرز المناسب وخلق أسواق جديدة لكل ناتج من نواتجها. وبادرت صالات المدن إلى دمج التكاليف الخفية مثل الكربون والازدحام في القيمة الكاملة للبنية التحتية والخدمات. واليوم تتم عمليات إعادة تدوير النفايات أو إعادة تصنيعها؛ لأنها أسهل وأرخص بكثير من التخلص منها.
ولاشك في أن عام 2030 سيكون عام الاقتصاد التشاركي المتجدد الذي يحافظ على النظم الإيكولوجية ويزيد عائداتها بمرور الوقت، ويخلق الرخاء، ويغذي النمو عن طريق الحصول على قيمة أكبر من المنتجات الحالية، ومن البنية التحتية أيضاً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"