الزعامة الأمريكية وضغط الأزمات

03:51 صباحا
قراءة 4 دقائق
د.إدريس لكريني

إن الفشل الأمريكي الواضح على مستوى أزمتي «كورونا» و«فلويد» ستكون له تبعات في ما يتعلق بتآكل الصورة التي ما فتئت الولايات المتحدة تروّج لنفسها كديمقراطية عريقة.

منذ تسعينات القرن الماضي، والولايات المتحدة تستأثر بمكانة وازنة في الساحة الدولية، مستثمرة في ذلك مقوماتها العسكرية، والدبلوماسية، والتكنولوجية، والاقتصادية، من جهة، والفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه انهيار الاتحاد السوفييتي، وعدم بروز منافس قوي، وندّي في هذا الصدد، من جهة أخرى.

ورغم التطورات الاستراتيجية الهائلة التي شهدها العالم على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، وتورّط الولايات المتحدة في عدد من الأزمات والنزاعات الإقليمية والدولية، كاحتلال العراق، وضرب أفغانستان، فإنها استطاعت أن تكرّس زعامتها، وتتجاوز مختلف التحديات التي واجهتها في هذا السياق، بإمكاناتها المختلفة عبر توظيف القوة العسكرية تارة، أو من خلال الضغوط الاقتصادية، وآليات القوة الناعمة، تارة أخرى.

وتعرّضت الكثير من الممارسات الأمريكية الخارجية لانتقادات واسعة، جسّدتها مواقف عدد من الدول والمنظمات الدولية، إزاء ارتكابها لخروق تناقض المواثيق والقوانين الدولية، كما هو الشأن بالنسبة إلى التواطؤ مع «إسرائيل»، في مصادرة حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، واحتلال العراق، وضرب عدد من الدول كليبيا، والسودان، ومواقفها المناهضة لعدد من القضايا، والمشاكل الدولية، كتلوث البيئة، وحقوق الإنسان.

ومع تولي «دونالد ترامب» لمهام الرئاسة داخل البيت الأبيض، رفع شعار «أمريكا أولاً»، الذي سبق وأن ردّده خلال حملته الانتخابية، لتتوالى بعد ذلك القرارات الصادمة التي أثارت جدلاً واسعاً، حيث تمّ الانسحاب من بعض المنظمات، «كاليونيسكو» بذريعة «انحيازها ضد إسرائيل»، ومن بعض الاتفاقيات الدولية كاتفاقية باريس للمناخ، ثم الاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل»، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وقطع المساعدات عن «الأونروا»، إضافة إلى تعليق استقبال اللاجئين، والانسحاب من اتفاقية التجارة العابرة للمحيط الهادي، وتغيير قانون الرعاية الصحية «أوباماكير»، وحظر دخول رعايا دول ة إلى الأراضي الأمريكية.

وبدأت الولايات المتحدة تتخلى حتى عن حلفائها، مع توجه إدارة «ترامب» إلى ترشيد نفقاتها داخل حلف الأطلسي، ودعوة أعضائه إلى تحمّل نصيب أوفر من النفقات المتزايدة في هذا السياق، فيما أصبحت دول الاتحاد نفسها تعتمد سياسات ومواقف خارجية، مختلفة عن التوجهات الأمريكية، بصدد عدد من القضايا الدولية، كما هو الشأن بالنسبة للملف النووي الإيراني، وقضايا البيئة، والهجرة.

وأمام هذه المتغيرات، وتحت ضغط مجموعة من الأزمات التي ضربت الولايات المتحدة،والعالم، في الآونة الأخيرة، عاد موضوع مستقبل الزعامة الأمريكية إلى واجهة النقاش السياسي والأكاديمي، مع ظهور كتابات تتنبأ بتراجع أدوار الولايات المتحدة على المستوى الدولي، بناء على مؤشرات ذاتية متصلة بأزمة المصداقية التي تواجهها على المستوى الدولي، ووجود تراجعات على المستوى الاقتصادي، وإشكالات لها علاقة بالممارسة الديمقراطية، والتنوع المجتمعي، أو موضوعية مرتبطة بصعود مجموعة من القوى الدولية كالصين.

ووضعت جائحة «كورونا» الولايات المتحدة كقطب دولي وازن، تحت محكّ حقيقي لتجريب قوّتها، وعلى عكس المتوقع، بدت مرتبكة في تدبيرها، ما أتاح تفشي الوباء داخل عدد من الولايات، مخلفاً أكبر حصيلة دولية على مستوى الإصابات، والوفيات. فيما ذهبت بعض الدراسات إلى أن الأمريكيين من ذوي الأصول الإفريقية، أو من أمريكا اللاتينية، باتوا أكثر عرضة للإصابة والتضرّر من الوباء، مع ضعف التأمينات الصحية، وفقدان كثير منهم لعمله.

وهكذا، بدت الولايات المتحدة التي لطالما تم التسويق لإمكاناتها البشرية والتكنولوجية والعلمية والصناعية، ضعيفة أمام الوباء الذي يبدو أن تداعياته الاقتصادية والاجتماعية ستكون أشدّ وأكثر خطورة في المستقبل، مع فرض حالة الطوارئ الصحّي في عدد من الولايات، وما رافقه من إيقاف العمل في عدد من الشركات والمصالح. ويتوقّع الكثير من التقارير أن الأزمة الاقتصادية ستتعمّق بشكل كبير في البلاد، بشكل سيتجاوز التداعيات التي خلفتها أزمة 1929، بل إن هناك من حذّر من إمكانية تنامي الاحتجاجات التي قد تصل إلى حدّ العصيان المدني، تحت ضغط المعضلات الاجتماعية.

وستتعقد الأوضاع أكثر، مع اندلاع احتجاجات واسعة في عدد من الولايات، جرّاء مقتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية «جورج فلويد»، تلاها فرض حالة منع التجول في عدد من المدن، لتكشف حجم الإشكالات الحقوقية، والتفاوتات والتناقضات القائمة داخل الولايات المتحدة، والتي أثارت استياء عدد من المواطنين، بغض النظر عن أصولهم، ومكانتهم الاجتماعية. لذلك، انتشرت الاحتجاجات في عدد من الولايات بكل متسارع، ولاقت تعاطفاً واسعاً داخل أمريكا، وخارجها، ورغم بعض الانزلاقات التي جسّدتها مظاهر السلب والنهب التي برزت في خضم هذه الأحداث، فقد اعتبرها الكثيرون استثناء، بالنظر إلى السّلمية التي طبعت مجمل التظاهرات التي رفعت خلالها شعارات تنبذ العنصرية، وتدعو إلى تحقيق العدالة بتوجيه تهمة القتل من الدرجة الأولى لقاتل «فلويد»، وبإجراء تعديلات على قوانين الشرطة.

إن الفشل الأمريكي الواضح على مستوى تدبير الأزمتين معاً، سيؤثر بالسلب في المستقبل السياسي ل«ترامب» الذي تفصله عدة أشهر فقط عن الانتخابات الرئاسية القادمة، مع استثمار خصومه السياسيين لهذه التطورات ضده، كما ستكون لذلك تبعات في ما يتعلق بتآكل الصورة التي ما فتئت الولايات المتحدة تروّج لنفسها كديمقراطية عريقة، وقوة ضاربة قادرة على مواجهة مختلف الأخطار والتحديات، وعلى قيادة «النظام الدولي الجديد». وأمام هذه الأزمات المكلفة، والمقرونة بحالة الانكفاء التي نهجها «ترامب» منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، ستتعمّق عزلة أمريكا عن العالم بقضاياه المختلفة، ما قد يوفر الأجواء المناسبة لصعود أقطاب جديدة، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الصين، التي يبدو أنها مصرّة على استثمار هذه الأوضاع لمصلحتها، في أفق إرساء نظام دولي متعدّد الأقطاب قد تساهم فيه روسيا، والاتحاد الأوربي.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"