عادي

هروب من السكن المشترك وإقبال لافت على المستقل

بعد جائحة فيروس كورونا
04:09 صباحا
قراءة 8 دقائق


تحقيق: آية الديب

مشكلات السكن الجماعي التي تنشأ نتيجة تزاحم الوحدات السكنية في وقت سابق، وبأعداد تفوق قدرتها الاستيعابية، سواء من قبل أفراد، أو عائلات صغيرة، لم تعد تقتصر في ظل محاربة انتشار فيروس كورونا على الأمن الاجتماعي وحظر القانون لها فحسب، بل امتدت لتهدد سلامة سكانه الذين أصبحوا أكثر عرضة لانتقال عدوى الفيروس، وفي حال ثبوت إصابة أحدهم بالفيروس يصعب تطبيقه للعزل المنزلي.
وبعد انتشار فيروس كورونا، فإن نسبة كبيرة من الساكنين ضمن السكن الجماعي أو المشترك اتجهوا لاستئجار وحدات سكنية مستقلة صغيرة الحجم للابتعاد عن السكن الجماعي وما يحمله من مخاطر نقل العدوى في ظل زيادة عدد الساكنين في الوحدة السكنية، ما زاد الطلب على استئجار الوحدات السكنية، وانخفاض نسبة السكن الجماعي أو المشترك.
أولت الجهات المختصة والمعنية في الدولة، اهتماماً لافتاً لمختلف المواقع والمناطق السكنية، بالذات الجماعية منها، من خلال توسيع عمليات المسح وقيام فرق ميدانية متنقلة بزيارة المناطق السكنية بالذات التي تشهد ازدحاماً، لجمع عينات واكتشاف الإصابات مبكراً وعزلها، للحد من انتشار العدوى.
وأكد عدد من الأطباء أن السكن الجماعي مسؤول عن نسبة كبيرة من حالات الإصابة بفيروس كورونا التي تسجل يومياً في الإمارات، حيث يعتبر بيئة خصبة لانتشار الفيروس، وكلما صغرت مساحته، تزيد الخطورة ويسهل نقل العدوى، لافتين إلى أن التكييفات المركزية التي تجمع أكثر من غرفة قد تكون ناقلة لعدوى الفيروس، على عكس التكييفات المستقلة بكل غرفة التي لا تنقل الفيروسات لأن الهواء يدور فيها في حلقة مغلقة.
وأكد قانونيون أن القانون يحظر السكن الجماعي في العقارات والوحدات السكنية بالإمارة، ويحظر على ملاك العقارات والوحدات السكنية والمساكن الشعبية، تأجيرها لغير العائلات، مشيرين إلى فرض غرامة لا تزيد على مليون درهم على كل من يخالف أحكام القانون رقم 8 لسنة 2019 بشأن تنظيم إشغال العقارات والوحدات السكنية في إمارة أبوظبي.
وأشار رؤساء شركات عقارية ومندوبون عقاريون إلى أن السوق العقاري لم يتأثر سلباً في ظل محاربة انتشار فيروس كورونا، نظراً لرغبة العديد من المستأجرين بشكل مشترك مع آخرين في الانتقال بشكل منفصل إلى وحدات سكنية أخرى، لافتين إلى ارتفاع الطلب على الوحدات العقارية صغيرة المساحة بنسبة تصل إلى 80%.
وحفاظاً على سلامتهم، بادر العدد من قاطني السكن الجماعي إلى اتباع عدد من الأساليب والإجراءات التي تجنبهم انتقال عدوى الفيروس، كتقسيم السكن الجماعي داخلياً، وتعقيم السكن بشكل دوري.


بيئة خصبة


الدكتور حسام التتري، استشاري طب الأطفال والأمراض المعدية والمناعة في مركز القلب الطبي بمدينة العين، أكد أن السكن الجماعي وفي حال عدم الالتزام بإجراءات السلامة مسؤول عن نسبة من حالات الإصابة بفيروس كورونا التي تسجل يومياً في الإمارات.
وأضاف: على من تضطرهم ظروفهم إلى العيش في سكن جماعي مراعاة بعض الأمور، فعند عودتهم إلى المنزل عليهم خلع الحذاء في الخارج ووضعه في كيس ومن ثم الدخول إلى الحمام مباشرة ووضع الملابس في الغسالة والاستحمام بالماء والصابون، وعليهم الالتزام بالتباعد الاجتماعي بمسافة لا تقل عن مترين وإذا صعب هذا الأمر فعلى جميع من يسكن في الشقة وضع الكمامات طوال الوقت أيضاً تجنباً لانتقال العدوى.


أكثر خطورة


وقال الدكتور سيف درويش اختصاصي طب المجتمع والمتحدث الرسمي باسم جمعية الإمارات للصحة العامة: قاطنو السكن الجماعي غير الملتزمين، يتأثرون سلباً من التكدس في الجوانب النفسية والاجتماعية والصحية، وفي ظل الظرف الراهن الذي نشهده الآن، أصبح السكن الجماعي أكثر خطورة، وكلما صغرت مساحة السكن، تزيد الخطورة ويسهل نقل العدوى.
وأضاف: على قاطني السكن الجماعي مواصلة الإجراءات الوقائية حتى خلال وجودهم بمسكنهم، وفي حال شعور أي من القاطنين في مكان واحد بأيه أعراض، يجب عزله فوراً وتعقيم المنزل تعقيماً دورياً وشاملاً.
وفي حال ثبوت إصابة شخص بكورونا وهو يقطن في مسكن مع آخرين يجب أن يُعزل في غرفة بمفرده وأن يعتني به شخص واحد فقط، على أن يوفر له متطلباته ويعتني به وهو متبع كافة الإجراءات التي تمنع انتقال الفيروس إليه كارتداء الكمامة والقفازات، وعلى المصاب أيضاً ارتداؤهما في حال تواصله مع أي شخص تجنباً لانتقال العدوى منه لأي شخص آخر.


اتجاهات معاكسة


ونصح الدكتور حربي درويش قاطني السكن المشترك بعدد من النصائح منها، تعقيم دورة المياه في كل مرة تستخدم فيها، وتعقيم الأماكن التي تشهد تلامساً مشتركاً مثل أسطح المطبخ ومقابض الأبواب وغيرها، ووضع الأسرَّة في اتجاهات معاكسة للحفاظ على تباعد التنفس خلال فترات النوم، والتهوية الجيدة، والتوجه إلى استخدام الصحون والأكواب والملاعق البلاستيكية والكرتونية التي تستخدم لمرة واحدة فقط، وأن يكون لكل ساكن أدواته المنفصلة عن الآخرين.
ويقول: تعتمد فرص انتقال العدوى في السكن الجماعي على عدد الأفراد في الغرفة الواحدة ومساحة الغرفة، وفي حال ظهور أي عرض من أعراض الفيروس على أي ساكن في سكن جماعي عليه مغادرة السكن فوراً وإبلاغ المشتركين معه في السكن الذين يتوجب عليهم تعقيم السكن تعقيماً شاملاً.
ويشير الدكتور حربي درويش إلى أن التكييفات المركزية التي تجمع أكثر من غرفة قد تكون ناقلة لعدوى الفيروس، ولكن هذا يحتاج الى مزيد من الدراسات، على عكس التكييفات المستقلة بكل غرفة التي لا تنقل الفيروسات لأن الهواء يدور فيها في حلقة مغلقة، لذلك ينصح دائماً بتنظيف الفلاتر في التكييفات المركزية.


غرامة مليون درهم


ويؤكد المحامي علي المنصوري أن القانون رقم 8 لسنة 2019 بشأن تنظيم إشغال العقارات والوحدات السكنية في إمارة أبوظبي، يحظر السكن الجماعي في العقارات والوحدات السكنية في الإمارة، ويحظر على ملاك العقارات والوحدات السكنية والمساكن الشعبية، تأجيرها لغير العائلات في المناطق السكنية التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس دائرة التخطيط العمراني والبلديات.
ويوضح أن مالك العقار في حال علمه يعد شريكاً في المخالفة إذا ثبت قيام المستأجر بإشغال أو تأجير العقار من الباطن بخلاف ما نص عليه هذا القانون، لافتاً إلى أن أحكام هذا القانون تسري على كافة العقارات والوحدات السكنية وعلى ملاكها ولمستأجريها وشاغليها في الإمارة.
ويقول: تفرض غرامة لا تزيد على مليون درهم على كل من يخالف أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية، وإذا لم يلتزم المخالف بإزالة آثار المخالفة في الموعد المحدد تقوم دائرة التخطيط العمراني والبلديات بإزالتها على نفقة المخالف، ويجوز للبلدية التي يوجد العقار أو الوحدة السكنية بدائرة اختصاصها الجغرافي لفت نظر المخالف وإنذاره وقطع الخدمات عن العقار أو الوحدة السكنية أو الملحق المرخص بالتنسيق مع مزودي الخدمات.


إخلاء السكن


ويوضح المحامي محمد الزعابي أن السكن الجماعي هو إقامة مجموعة من الأشخاص في عقار مخصص للسكن، بما لا يتناسب مع مساحة الوحدة، وبما يخل بإجراءات الأمن والسلامة والأعراف السائدة والذوق العام.
ويشير إلى أنه وفقاً للقانون رقم 1 لسنة 2011 بشأن تنظيم إشغال الوحدات السكنية والانتفاع بالعقارات المخصصة للمواطنين في إمارة أبو ظبي، تلتزم الشركات والمنشآت الخاضعة لأحكام القانون الاتحادي رقم 8 لسنة 1980 بإسكان العمال التابعين لها.
ويقول: نص هذا القانون على أن يعاقب كل من يخالف أي حكم من أحكام هذا القانون والقرارات الصادرة تنفيذاً له بالغرامة التي لا تقل عن 10 آلاف درهم ولا تزيد على 100 ألف درهم، سواء كان مالكاً أو مؤجراً أو مستأجراً أو شاغلاً أو جهة توفر سكناً للعاملين لديها، وفي حالة العودة، تكون العقوبة غرامة لا تقل عن 100 ألف درهم ولا تزيد على 200 ألف درهم، وفي الحالتين السابقتين يجوز للمحكمة أن تقضي بإزالة أسباب المخالفة على نفقة المخالف وإخلاء الوحدة السكنية.


فئة متضررة


ويقول جمال مسلم المزروعي رئيس مجلس إدارة شركة عقارية: الفئة المتضررة من سكنها في الوضع الحالي هي الفئة المخالفة لشروط السكن التي يحددها القانون، فالعديد من العائلات تشترك مع عدد من الساكنين في استئجار شقق سكنية، أو عدد من الشباب يشتركون مع بعضهم بعضاً في استئجار وحدة سكنية لهم، وهو ما أصبح يمثل خطراً عليهم بالذات إذا كان عددهم كبيراً، ما يقلل من التباعد الاجتماعي الذي يجب علينا الالتزام به.
ويضيف: السوق العقاري لم يتأثر سلباً في ظل محاربة انتشار فيروس كورونا نظراً لرغبة العديد من المستأجرين ضمن السكن الجماعي في البحث عن سكن جديد في ظل استقرار أسعار الوحدات العقارية التي ما زالت ثابته مقارنة بالأسعار ما قبل كورونا.


الحجر المنزلي


وتؤكد مروة حسن مديرة شركة عقارية أن أغلب قاطني السكن المشترك لديهم رغبة ملحَّة في ظل الظروف الراهنة في الخروج منه إلى مساكن خاصة بهم، ولكن تظل أمامهم عقبة تسديد إيجار سكن منفصل.
ودعت المستأجرين القاطنين في وحدات سكنية واسعة إلى الاشتراك مع آخرين وتغيير محل سكنهم بما يناسب قدرتهم المالية حتى لو كان انتقالهم إلى وحدات سكنية أصغر في المساحة، ولكن سيوفر ذلك لهم الوقاية، وسيقلل من فرص انتقال العدوى إليهم.
وتابعت: يشكل العزل المنزلي خطورة على قاطني السكن المشترك، فقد يتعرض أحد سكانه إلى الإصابة بالفيروس ويخشى الإفصاح للمشتركين معه في السكن عن إصابته لعدم وجود مكان آخر يعزل نفسه فيه ولعدم المقدرة المالية على استئجار غرفة أو حجز مكان في فندق، وهو ما يشكل خطراً على المشتركين معه في السكن.


زيادة الطلب


ومن جهته يقول حبيب يوسف مندوب عقاري: بالتزامن مع محاربة انتشار فيروس كورونا زاد الإقبال على الوحدات السكنية المستقلة بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بالسابق، نتيجة لرغبة العديد من قاطني السكن الجماعي أو المشترك بالاستقلال في السكن، حفاظاً على سلامتهم ولتقليل احتمالية انتقال العدوى إليهم.
ويوضح أن العديد من أفراد الجنسيات الآسيوية يسكنون في مساكن مشتركة، وخلال الفترة الماضية، ولاسيما قبل حلول عيد الفطر المبارك، زاد طلبهم على الوحدات منخفضة السعر، حيث يستأجرون غرفاً في شقق سكنية، ويضطرون إلى استخدام دورات مياه ومطابخ مشتركة مع الآخرين، وزادت رغبتهم في الانتقال بأسعار مساوية لما كانوا يدفعونه، إلى استوديوهات، حتى إذا كانت مساحتها أصغر، تجنباً لاستخدام المرافق المشتركة.
وحول أسعار الوحدات السكنية وتأثير زيادة الطلب عليها في الوقت الحالي، يشير حبيب يوسف إلى أن الأسعار شهدت انخفاضاً منذ سبعة أشهر، ثم اتسمت بالثبات حتى الآن، وهو ما يساعد كثيرين على مغادرتهم للمساكن الجماعية.


متعافون


«الخليج» التقت عدداً من المتعافين من الإصابة بفيروس كورونا، ممن كانوا يقيمون في السكن المشترك أو الجماعي، حيث يقول (م. خ) آسيوي الجنسية: أقطن في غرفة تضم 5 أشخاص آخرين، وكان تشاركنا في الغرفة هو سبب إصابتي بالفيروس، على الرغم من أنهم لم يصابوا بالفيروس، ولكن ربما لمست شيئاً قبل تعقيمه.


إبلاغ المشتركين


ويقول المهندس محمد جعفر، أحد المتعافين من فيروس كورونا: بعد التأكد من إصابتي بالفيروس، سألني الطبيب المعالج عن محل إقامتي، وهل اشترك مع آخرين في السكن، لمساعدتي في توفير مكان للعزل العلاجي، ولكن أبلغته أنني أسكن بمفردي، وأفضل العزل المنزلي؟
ويضيف: القائمون على القطاع الصحي أبدوا استعدادهم لتقديم كافة سبل المساعدة، وأدعو كل شخص إلى التأكد من إصابته بالفيروس وهو يقطن في سكن جماعي مغادرة السكن فوراً وإبلاغ المشتركين معه لاتخاذ إجراءات التعقيم اللازمة.


خط وهمي


ويوضح جمال عبدالناصر: أتشارك مع زميل لي في السكن، ومع محاربة انتشار فيروس كورونا اتخذنا عدداً من الإجراءات داخل السكن حرصاً على حماية بعضنا بعضاً، فأصبحنا نخلع الأحذية بالخارج، وحددنا خطاً وهمياً في أرضية الغرفة يفصل بيننا وبين متعلقاتنا.
ومن جانبه يقول إبراهيم عزب: كنت أسكن في سكن جماعي لفترات طويلة، وما يضطر الشباب للوجود في هذا السكن، هو ارتفاع أسعار إيجارات الاستوديوهات التي يمكن العيش فيها بالمفرد، نظراً لزيادة الطلب عليها، وأدعو إلى زيادة عدد هذا النوع من الوحدات.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"