قامت الكثير من الأفلام السينمائية على سيناريوهات وقائع الهروب من السجون والمعتقلات المشهورة في العالم بقسوتها وجبروتها الفادح الذي يحوّل الإنسان إمّا إلى كيان بشري مهدّم وضعيف، أو إلى إنسان قوي يحركه التحدّي دائماً ومسكون أبداً بالحياة والانتصار لها ولو مشياً على الأقدام من سيبيريا إلى الهند، مروراً بجبال منغوليا، والهملايا، ثم أخيراً، وصولاً إلى ذلك الشعور الذي لا يوصف بكلمات بعد كل هذه المعاناة، فيتحسس الإنسان جسده، ويطمئن إلى أنه ما زال على قيد الحياة.
هذا ما نشاهده في فيلم «طريق العودة» للمخرج الأسترالي بيتر وير (75 عاماً). ويحكي الفيلم المأخوذ أصلاً عن رواية «الطريق الطويل» للكاتب سلومير روتشيك قصة عدد من السجناء في سيبيريا حيث معسكرات الاعتقال المرعبة في فترة ستالين وكانت تلك المعتقلات تسمّى «الجولاج»، وكم أرسل الروس في عهد الاتحاد السوفييتي من منفيين ومحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، ومنهم شعراء وفنانون وكتّاب.
السجناء في فيلم «طريق العودة» ليسوا كتاباً أو فنانين، بل جمعت بينهم إرادة الحياة، فقرروا الهرب من الجحيم السيبيري في يوم عاصف لكي تنمحي آثار أقدامهم فلا يستدل عليهم البوليس ولا كلاب الحراسة.
ينجح السجين البولندي يانوس ويلعب دوره الممثل جيم ستاجروس في الهرب، هو والأمريكي مستر سميث الذي يلعب دوره الممثل إدْ هاريس، كما ينجح في الهرب مع المجموعة سجين روسي هو فالكا الذي يلعب دوره الممثل كولين فاريل. وفي درب الآلام من سيبيريا وقبل الوصول إلى الهملايا تموت إيرينا زيليينسا في الطريق وكانت هي الأخرى هاربة من ضمن المجموعة، ويقوم رفاقها بدفنها في مشهد صامت مؤثر وتلعب هذا الدور الممثلة الإيرلندية الشابة سيرشا رونان.
القصة حقيقية، وهي قصة إنسانية بعيدة كل البعد عن التحشيد الإيديولوجي الذي تحمله مثل هذه الأفلام سواء ضد الاتحاد السوفييتي، جناح ما كان يسمّى الاشتراكية، أو ضد الولايات الأمريكية، جناح ما يُسمى الرأسمالية.
في أحد المشاهد يرى أحد السجناء الهاربين وشماً على صدر شاب روسي كان يدلهم على طريق الهرب، ويمثل الرسم صورة ستالين، فيسأله السجين الهارب: لماذا لم ترسم هذا الوشم على قفاك، فيغضب الشاب ويقول للسجين: هذا ستالين، بطل روسي، كان يأخذ المال من الأغنياء ويعطيه إلى الفقراء، وهنا يرد عليه السجين قائلاً: وبعد ذلك يأخذ ستالين المال من الفقراء.
كلما اقتربت السينما أو أي عمل فني آخر من الحقيقة والواقع والإنسان، ينجح العمل بالضرورة، وأكثر من ذلك، يصبح عملاً كونياً يخصّ جميع البشر، من سيبيريا إلى الهند.
من سيبيريا إلى الهند
21 يوليو 2020 04:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 يوليو 04:01 2020
شارك
يوسف أبو لوز