ليبيا ومحدودية الدور الروسي

03:57 صباحا
قراءة 3 دقائق
د.خليل حسين*

أبعاد التدخل التركي وخلفياته بعيدة المدى ستجعل من المهام الروسية أمراً معقداً، وغير قابل للاحتواء

تمكنت موسكو، مبدئياً من إرساء بعض التفاهمات بين مصر، وتركيا، وتمكنت أقله حتى الآن، من إرجاء الصدام المحتمل على خلفية التدخل التركي القوي في الأزمة الليبية، وظهور مؤشرات قوية، وواضحة، على تهديد مصالح مصر الحيوية، وأمنها القومي، ومصالحها الحيوية. وانطلقت موسكو بوساطة بهدف التوصل إلى صيغة تضمن استئناف المفاوضات السياسية، بعد القصف الذي استهدف قوات تركية في قاعدة (الوطية) الجوية، مع مواصلة القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا، وجماعات المرتزقة، الاستعداد للهجوم على سرت بهدف السيطرة على المدينة التي تعتبر المحور الاستراتيجي في منطقة الهلال النفطي، في الوقت الذي سبق أن حذرت القاهرة من محاولات السيطرة عليها عسكرياً.

وخلصت الوساطة إلى قرار مؤقت يرجئ التحركات العسكرية التي حضّرت لها تركيا، والوفاق، بشأن سرت، بخاصة أن الغارات على قاعدة الوطية استهدفت تركيب أنظمة دفاع جوي، وقد مارست موسكو ضغوطاً قوية على الطرفين المصري، والتركي، لمنع أي احتكاك عسكري غير منضبط ، الأمر الذي أدى إلى عدم إعادة التموضع التركي في الوطية نفسها.

وفي أي حال من الأحوال، تطرح هذه الوساطة الروسية السؤال المركزي حول قدرة موسكو على استمرار احتواء الوضع الليبي عبر ضبط عناصر التفجير فيه، بخاصة المصري، والتركي الحالي. وبالتالي ما هي وسائل التأثير المتبادلة على ضبط الأوضاع واستيعاب المصالح، وعدم المس بالقضايا الحيوية لمجمل الأطراف على الساحة الليبية؟ في المبدأ، ثمة مصلحة روسية قوية واستراتيجية في محاولة استيعاب الوضع الليبي بمختلف أوجهه، وامتداداته، بالنظر لما تمثله ليبيا من مصلحة حيوية منذ الحقبة السوفييتية، وحكم العقيد معمر القذافي، ومستوى العلاقات الاستراتيجية، على اعتبار أن ليبيا تعتبر مدخلاً لروسيا إلى القارة الإفريقية، والوضع الاستراتيجي الذي يمكن أن توفره لجهة جنوب أوروبا بمواجهة حلف الأطلسي، علاوة على المصالح التاريخية بين الطرفين، وطريقة إخراج روسيا من ليبيا بعد الثورة ضد القذافي، إضافة إلى نية العودة الروسية القوية إلى الساحة الليبية.

إضافة إلى ذلك، ثمة مصلحة روسية قوية لمجانبة مصر، لاسيما وأن جهوداً قوية بذلت خلال السنوات الماضية لإعادة ترتيب العلاقات الثنائية على قواعد مصالح استراتيجية متبادلة، ما يعني مصلحة موسكو في رعاية الوضع الليبي ومن يؤثر فيه عملياً، وعدم تعريض الأمن المصري للخطر.

في مقابل ذلك، ثمة تقاطع مصالح قوية أيضاً بين تركيا، وروسيا، بخاصة تلك القضايا ذات الصلة بالأزمة السورية، ما يعني أن ثمة مداراة روسية للسياسات الإقليمية التركية، ومن بينها ما يتعلق بالأزمة الليبية، وعليه، من مصلحة روسيا محاولة إيجاد الوسائل الممكنة للجم أي توتر، أو تصعيد تركي كبير ترد عليه مصر بما يجب لحماية أمنها، وحدودها، بما يؤدي إلى إعادة رسم سياسات إقليمية وازنة. وفي واقع الأمر، فإن التمدد التركي الملحوظ في القارة الإفريقية يعتبر مدخلاً لمواجهة السياسات الدولية المؤثرة كتلك العائدة لكل من موسكو، وواشنطن، وحتى بكين، الأمر الذي يقلل من فعالية أي دور يهدف إلى إدارة أزمة، أو وساطة كتلك التي تجريها روسيا حالياً في الأزمة الليبية.

وحتى الآن، فإن حدود التصعيد، ووسائله، وأهدافه تعتبر مقبولة، وقابلة للاحتواء، إلا أن أبعاد التدخل التركي، وخلفياته بعيدة المدى، ستجعل من المهام الروسية أمراً معقداً، وغير قابل للاحتواء، باعتبار أن الأهداف التركية تتعلق بمسائل وقضايا حيوية شرق أوسطية تطال دولاً في المنطقة، وخارجها، وليس مستبعداً أن تواجه هذه الدول مجتمعة، أو منفردة، السياسات التركية في حال وصلت إلى مستويات عالية التهديد.

لقد اتبعت تركيا مؤخراً، سياسات أكبر بكثير من قدرتها على تنفيذها، أو حمايتها، وهي في مطلق الأحوال، سياسات تدخلية توسعية تشي بمواجهات كبيرة، وهي لذلك أنشأت بيئة خارجية متفجرة متعددة، بدءاً من سوريا، والعراق، ولبنان، وصولاً إلى القرن الإفريقي، وليبيا، واليمن حالياً، وهي بذلك تفتح الباب واسعاً أمام صدامات واسعة في غير منطقة، ومن بينها الساحة الليبية ذات الحساسية المفرطة لمصر، التي لطالما أولت اهتماماً خاصاً بها في معرض علاقاتها العربية في القارة الإفريقية، لذا، فمن الصعب على موسكو أن تظل قادرة على إنجاح توسطها بين القاهرة، وأنقرة.

*رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"