يوسف أبو لوز

الرحمة لا تُباع في «سوبرماركت»، ولا تُشترى من دكّان عطّار. إنها تولد هكذا مع الإنسان، أو يكتسبها من محيطه الاجتماعي والعائلي. الرحمة نعمة إلهية، وتقيم أبداً في قلوب الأنقياء والطَهَرة والإنسانيين إلى حدّ القداسة، والدكتور محمد عبدالغفار مشالي واحد من هؤلاء. ابن ريف مصري يعلّم قلب الإنسان معنى المحبة بلا كتب فلسفية وبلا نظريات علم النفس.
الدكتور محمد عبدالغفار مشالي هو ذاته الرحمة ماشية على قدمين. هو الإنسانية مكثّفة في صورة رجل بسيط المظهر والملبس. إنسان شعبي بالفطرة لا بالادّعاء والاستعراض. كان يريد له أبوه أن يدرس الطب وهو كان يريد دراسة الحقوق، ولو كان محمد عبدالغفار مشالي محامياً لكانت تلك الرحمة أيضاً في مكتبه الحقوقي، كما هي في عيادته الطبية.
تلك فطرة ربّانية، ولكن وراءها قصة إنسانية فجّرت هذه الطاقة الإنسانية الكامنة في ذات ذلك الطبيب الشاب الذي كان يعمل في إحدى العيادات الريفية في مصر، عندما مات بين يديه طفل في العاشرة من عمره مصاب بالسكري، وليس لدى عائلته من يكفي من نقود لشراء حقنة الأنسولين، فأضرم النار في نفسه.
تلك الحادثة كان الدكتور محمد مشالي شاهد عيان عليها، مضافاً إلى ذلك طبيعته الإنسانية الشفافة ليتحوّل بعد ذلك إلى طبيب كل الفقراء والمحتاجين في مصر، ليتقاضى على الكشفية الطبية أجراً رمزياً وأقل من رمزي «من 3 إلى 10 جنيهات»، وتصبح عيادته ملاذاً ورحمةً لكل مريض فقير.
توقف هنا قليلاً صديقي القارئ، وعدْ بذاكرتك إلى مواقف قد تكون شهدتها بأم عينيك: طبيب يتقاضى مئات الجنيهات أو مئات الدولارات على كشف طبي قد لا يستغرق منه أقل من 20 دقيقة. طبيب آخر جشع وفاسد، طبيب آخر يغش في الكشف وفي الدواء. وبالطبع ليس كل أصابع يدك متشابهة، فهناك أطباء نبلاء، ولكن الدكتور محمد مشالي ظاهرة في النبل والإنسانية والرحمة.
يقرأ الدكتور محمد مشالي روايات نجيب محفوظ، وأكثر من ذلك يشجّع على ثقافة القراءة. يقول: «كل حياتي قراءة. إن كان لديّ خمس دقائق بلا عمل في العيادة أقرأ».
يقول الدكتور محمد مشالي الطبيب إن الطبيب يجب أن يقرأ وفي كل المجالات، وليس في الطب وحده». نصيحة للأطباء الذين لا يقرأون وما أكثرهم في زماننا هذا. لا بل إن بعض الأطباء، ونكرر بعض الأطباء، توقف نموّهم المعرفي يوم حصلوا على الشهادة، وآخر عهدهم بالقراءة حفظ قسم أبوقراط.
محمد عبدالغفار مشالي. طبيب إنساني. اسم علم عربي مصري أعاد القيمة الروحية النبيلة لمهنة الطب التي إذا لم تكن مقترنة بالرحمة، فهي أشبه بتجارة الموت.

[email protected]