يوسف أبو لوز

في العام 2018 نشرت صحيفة «الكونفيدينسيال» الإسبانية تقريراً كشفت فيه عن التسجيلات الأخيرة بعد إلقاء الطيّار الأمريكي بول تيبيس (1915-2007) القنبلة الذرية على هيروشيما، وكانت هذه التسجيلات- بحسب الصحيفة- مفقودة لعقود طويلة.
قبل أن أنقل إلى القارئ الصديق فحوى تلك التسجيلات نتوقف قليلاً عند الطيار نفسه الذي ألقى القنبلة، وقد قال قبل وفاته إنه غير نادم على ما فعل، ولو تطلبت الحرب أن يلقي قنبلة ذرية مرّة ثانية على أية مدينة لما تردد مطلقاً في ذلك.
الطيار الذي يمكنك أن ترى صورته الفوتوغرافية في أي موقع إلكتروني، وتقرأ هذه الصورة من زاوية نفسية يتسم وجهه بملامح حادّة صارمة، ويظهر فمه مغلقاً بشدة مع نظرات عينيه اللتين تبدوان متوعدتين قاطعتين.
في الصورة شيء من إحالة نفسية إلى ما يُسمّى في علم النفس «السادية»، ويعزّز هذا الاستنتاج أنه اطلق اسم والدته «اينولا جاي» على الطائرة التي قتلت في ثوان معدودات 47 ألفاً من اليابانيين، وهناك من يقول إن حصيلة القتلى والمحروقين المتفحّمين كان 80 ألفاً.
طار بول تيبيتس بقنبلة ذرية تزن 60 كيلوجراماً من اليورانيوم، وكان آنذاك في الثلاثين من عمره. وأطلق على القنبلة اسم «الولد الصغير».
كافأت الإدارة الأمريكية ذلك الطيّار القاتل بعد نجاحه في إلقاء القنبلة على هيروشيما ومخادعته الدفاعات الجوية اليابانية بأن قررت الحكومة تعيينه ملحقاً عسكرياً في سفارة أمريكا في الهند، بحسب سيرته في الموسوعة الحرّة، لكن الحكومة والمعارضة السياسية في الهند رفضتا التعيين وبذلك لم يعمل في الهند.
نعود إلى التسجيلات التي كشفتها الصحيفة الإسبانية في العام 2018، ونعود أيضاً إلى فرضية أن يكون الطيار مريضاً سادياً، وذلك بناء على ما قاله في إحدى تلك التسجيلات «.. شاهدت التوهج الذي انبعث لحظة انفجار القنبلة، وتذوّقته أيضاً، نعم، لقد كان قابلاً للتذوّق..»، وجاء في الصحيفة الإسبانية صاحبة السبق في الحصول على تلك التسجيلات «أن الطيار فعلاً تذوّق طعم الرصاص وشعر بارتياح كبير ساعتها، لأنه تأكد من انفجار القنبلة..».
تفاصيل أخرى مرعبة في ذلك التقرير الصحفي، ولكن من المهم هنا السؤال: «.. هل يخضع طيّارون من هذا النوع في الحروب النووية والكيماوية الإبادية إلى اختبارات نفسية، وعصبية بل وحتى بيولوجية بالكامل، وذلك للتأكد من القابلية النفسية والتربوية عند هؤلاء الطيارين وغيرهم من جنرالات الحرب الكبار لتنفيذ مهام كارثية مثل إبادة حوالي نصف سكان هيروشيما بقنبلة، محرّمة دولياً في الأصل كسلاح إجرامي في الدرجة الأولى».
لا شك أن علم النفس والتربية وعلم الاجتماع والطب وحتى علم تشريح جسد الإنسان لها كلها علاقة مباشرة باختيار الأشخاص الذين ينفذون إبادات جماعية متوحشة بأعصاب باردة، وقلوب ووجدانات وأرواح أكثر برودة.

[email protected]