تحديات اليوبيل الماسي للأمم المتحدة

03:46 صباحا
قراءة 3 دقائق
د.خليل حسين *

يجب على الأمم المتحدة أن تأخذ دورها المفترض في قيادة النظام العالمي وحفظ الأمن والسلم الدوليين بمعزل عن تأثير الدول المتنفذة

لطالما واجهت الأمم المتحدة تحديات متعددة الأوجه ومتنوعة الأسباب والخلفيات، بدءاً من التحديات السياسية المتصلة بقراراتها، مروراً بالتحديات القانونية والإدارية المتعلقة بميثاقها ووسائل عملها، وصولاً إلى التحديات المالية لجهة مساهمة الدول في موازنتها. وإذا كانت هذه التحديات قد باتت من الأمور المعتادة والمتكررة في غير حقبة من حياتها، إلا أن تحديات أخرى برزت مؤخراً، وهي من النوع الذي شكل وسيشكل علامة فارقة في كيفية التعاطي معها ، سيما أن ثمة أوجه مستجدة باتت تهدد الجنس البشري بوجوده، وهو من النوع الوبائي الذي لا سابق له في هذا النوع والمجال، وبالتالي فقدان وسائل التعامل معه بطرق موثوقة. علاوة على تحديات الإرهاب والفقر وقضايا اللاجئين في مختلف أصقاع العالم.

ربما ما أسميناه تحديات تقليدية باتت من القضايا التي يمكن السيطرة عليها وبالتالي إيجاد طرق حل لها في الأوقات الحرجة، إلا أن ما واجه ويواجه الأمم المتحدة حالياً، موجة من التحديات الإرهابية التي انتشرت في غير مكان من العالم والتي ضربت بقسوة معظم المجتمعات والأنظمة، حيث بات خطرها وتداعياتها تتعدى الإمكانات المتوفرة للمجابهة.

ورغم الجهود الكبيرة التي قامت بها الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب عبر قرارات صدرت وفقاً للفصل السابع، ثمة من يقول إن القضاء على بؤر الإرهاب يتطلب المزيد من الجهد والوقت ، في وقت ما زالت المنظمات الإرهابية تعود لتجدد إجرامها وبأشكال متطورة يصعب السيطرة عليها.

كما تشكل الهجرة غير الشرعية واللجوء، عاملاً إضافياً للضغط على عمل الأمم المتحدة، وقد سجلت الأمم المتحدة في العام 2016 سابقة في هذا المجال عبر تخصيص مؤتمر عالمي لذلك، والذي تزامن أيضاً مع ثلاث مؤتمرات إقليمية لهذا الغرض، ورغم ذلك لم تتمكن الأمم المتحدة أيضاً من ولوج الطرق الفعالة لحل تداعيات الهجرة واللجوء غير الشرعيين، لذا باتت ظاهرة شائعة يصعب السيطرة عليها بالوسائل التقليدية دون التوصل إلى حلول جذرية تتصل بإعادة ترتيب أوضاع هذه الدول بكيفيات قابلة للاستمرار، ومن بينها مكافحة الأسباب الحقيقية لتلك الهجرات، ومن بينها مواجهة تداعيات الفقر وأسبابه في غير مكان من العالم والذي بات سبباً رئيسياً وكبيرة لموجات النزوح باتجاه الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، بهدف التفتيش عن وسائل للعيش الكريم، وهو أمر غير متوفر في البيئة التي ينطلقون منها، سيما أن ثمة إحصاءات صحيحة إلى حد كبير، تفيد بأن عدد اللاجئين يتجاوز المعقول، وتعتبر تجمعاتها معاً أكبر وأضخم من أي دولة في العالم.

أما التحدي الأكبر والأخطر الذي يواجه عمل الأمم المتحدة حالياً هو وباء الكورونا، الذي انتشر كالنار في الهشيم بين البشر دون وجود مؤشرات جدية على قرب التوصل لإنتاج لقاح فعال له، وما يثير الهلع والخوف أيضاً عدم قدرة منظمة الصحة العالمية في قيادة الأعمال لمواجهة الوباء، بل إن دولاً كبرى سحبت اعترافها بعمل المنظمة، في وقت أن وضعها كوكالة دولية من وكالات الأمم المتحدة تمر بظروف دقيقة تهدد عملها ووجودها أيضاً.

في الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الأمم المتحدة، تمر المنظمة الدولية بأشد الظروف حرجاً، ففي الوقت الذي يفترض في الأمم المتحدة أن تكون قد اكتسبت الخبرات لمواجهة ما يعترضها، باتت اليوم في وضع يذكرنا بما أحاط عصبة الأمم من ظروف والتي أدت إلى انهيارها وقيام الأمم المتحدة مكانها. فهل ستستيقظ الدول ال 193 المنضمة إليها وتحاول إعادة إحياء الأمل بفاعلية عملها على الصعيد الدولي؟. ففي عيدها الماسي نفذت اجتماعها لقادة دولها عبر تقنية الفيديو وهي سابقة في هذا المجال، ما يشير ويدلل على خطورة الوضع الدولي وضرورة العمل الجدي في أن تأخذ دورها المفترض في قيادة النظام العالمي وحفظ الأمن والسلم الدوليين بمعزل عن تأثير الدول المتنفذة فيها وبخاصة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"