نور المحمود
أيهما أسهل، أن ترى نفسك في عيون الآخرين أم أن ترى نفسك في عيون ذاتك؟ وأي صورة هي الأصدق، تلك التي ترسلها لك إشارات الآخرين أم تلك الآتية من أعماق روحك وقلبك؟
يعيش المرء في تناقض الأصل والصورة، يشعر أحياناً بخلل بين ما ترسله تصرفاته وأقواله من علامات تشكل صورة عنه لدى المحيطين به، وبين حقيقة شخصيته وأفكاره ومشاعره. يحتاج إلى إعادة قراءة أحواله، تماماً كمن يجرد حسابات الذات، ما لها وما عليها، مكامن الخطأ والصواب، نقاط الضعف والقوة.
النضج يمنحنا المساحة المرنة في التصدي لتلك العقبات النفسية التي نواجهها، وكأن كثرة الخيبات والصدمات تتشكل طبقات تقسو مع الأيام وتتماسك لترتفع كتلال نستريح فوقها وننظر إلى ما هو أبعد وأعلى. لكن الرحلة طويلة، واجتياز الطفولة والمراهقة والصبا لا بد أن يمر من ذلك الدرب، ولا بد من أيام تشكو فيها النفس من ضعف وتردد وخوف وقلق. أيام يصير فيها الصراع بين مرايانا وصورتنا التي نراها في تصرفات الآخرين، أكبر من صراعنا مع الأيام وسعينا خلف الطموحات والأحلام.
الأصل أم الصورة؟ أيهما أصدق في رسم حقيقة شخصيتك وأفكارك؟ حين تبدأ معركتك مع الحياة، ويتفتح وعيك على معاني الصداقة والتنمر، البراءة والخبث، الطيبة والسذاجة، العفوية والمكر، البوح والكتمان.. تبدأ مرحلة الصعود والهبوط، ترتفع إلى حد الإحساس بأنك تمتلك السعادة في قبضة يدك، وأن الحياة أبسط مما يقولون لك ومن كل المخاوف التي يحذرونك منها، ثم تهبط إلى قعر الانغلاق والتقوقع والإحساس بأن لا فصول في الدنيا سوى الشتاء وغيومه السوداء وزمجرة رعده.. كيف تتصدى لهذا الإحساس بالإحباط، وكيف تتأكد من هذا الشك القاتل، هل أنت قادر على إخراج ذاتك من قوقعتها لتقديمها بأجمل ما فيها لكل من يعرفك أو لا يعرفك، وهل كل من تتعامل معه يعرفك؟ هل أنت قادر على جعل الأصل مطابقاً للصورة، أم أن الاجتهاد في السعي خلف إرضاء نفسك بكسب محبة كل من تلتقي بهم لن تجدي نفعاً، لأن الخلل فيهم لا فيك؟
ربما تنحتك الحياة كثيراً لتعري الشوائب فيك فتتقدم بالعمر ولا يبقى منك سوى الجمال كما كنت في طفولتك الأولى؛ وربما تكثر في نحتك فلا يبقى منك سوى تشوهات من صنع الضربات التي تلقيتها طوال رحلتك. إنما المؤكد، أنك كلما أسرعت في النضج وفتح عيون قلبك وروحك على حقيقة قدراتك ومعدنك، كلما سبقت الضربات في صقل ذاتك، ورسمت سريعاً صورة مطابقة للأصل، لا يمكن أن تهتز بنظرة خاطئة من شخص عابر، ولا بكلمة أو طعنة من شخص حاقد.