علي قباجه
بلاد الرافدين تخطو بخطوات جديّة نحو فرض الأمن والاستقرار في ربوع البلاد التي يتخطفها الإرهاب، وانتشار الميليشيات المسلحة، المدعومة إقليمياً؛ وذلك على الرغم من الثقل المُلقى على عاتق مصطفى الكاظمي، وما يواجهه من انعطافات في تبديد قاعدة الفساد التي خلفتها الحكومات السابقة.
ومن أجل كل هذا وذاك؛ جاء الكاظمي ببرنامج حكومي رشيد، بدأ يتمرد فيه على الأغلال التي حاول النظام الطائفي تكبيل البلاد فيها منذ أن حكمها في 2003، فأعلن بل وقاد بنفسه عمليات أمنيّة؛ لحصر السلاح في يدِّ الدولة، ومطاردة فلول تنظيم «داعش» الذي بدأ يتفشى مؤخراً. كما توعد من جهته مزعزعي الأمن بالضرب بيدّ من حديد، وهو بين هذا كله يسعى من خلال جولاته الخارجيّة إلى حشد الدعم؛ لإنجاح رؤاه الاقتصادية والأمنيّة.
جولة الكاظمي التي امتطى صهوة جوادها من القارة العجوز - أوروبا - مؤخراً هي وبصريح العبارة محاولة جديّة لخلق واقع جديد، قوامه تعزيز العلاقات الأمنية والاقتصادية، فهو أولاً يسعى إلى إبقاء الدعم الأوروبي في مواجهة «داعش»، إضافة إلى توقيع اتفاقات؛ لتدريب الجيش العراقي وتسليحه؛ لمواجهة التحديات الداخليّة، ثم عقد اتفاقات اقتصادية؛ للخروج من حالة الفشل التي تنهش العراق.
جولته التي بدأت في فرنسا، لم تأتِ من فراغ، خاصةً وأن باريس داعمة لمواجهة الميليشيات والسلاح المُتفلت، إلى جانب دعم ماكرون للسيّادة العراقيّة، ومساعي فرنسا لرفع اسم العراق من قائمة الدول الخطرة؛ وهو ما من شأنه أنّ يسهم بجذب الاستثمار والشركات، في ظل المباحثات الاقتصادية القائمة مع فرنسا والتي لا تقتصر على إنشاء مترو بغداد ومستشفى سنجار فقط؛ بل تشمل إعادة تأهيل البنيّة التحتيّة المدمرة في البلاد. ومن باريس تأتي زيارة الكاظمي إلى برلين إنجازاً آخر في رصيده، يهدف إلى فتح أبواب التعاون بمجالي الطاقة والنقل، عوضاً عن تبني التوجه الألماني لإعادة فتح القنصلية في البصرة، وتكاتف الجهود؛ لتعزيز العلاقات بمختلف المجالات.
إلى جانب سلسلة جولات الكاظمي، فإنه لا يكل ولا يمل عن توجيه الرسائل التي لا لبسَّ فيها، مؤكداً فيها أنَّ من تورط بدم العراقيين لابد أن يمّثل للعدالة؛ مُحذراً «المستهترين» بأرواح العراقيين بأن يتقوا «غضبة الحليم إذا غضب»، وأنه لا كبير أمام القانون. وما يرفع منسوب الثقة بأقواله هو اتباعها بأفعال، بعدما شنت بالفعل الأجهزة الأمنيّة عمليات حاصرت الإرهاب والميليشيات المسلحة.
لذا، يمكن القول إن الكاظمي يحاول، ولم يدخر جهداً في سبيل خلق عراق جديد قويّ، لا تتدخل في قراراته قوى إقليمية ودوليّة، بَيْد أنَّ هناك مخابرات دوليّة تضع العصي في دواليب تحركاته؛ ما يجعل رِهان رئيس الوزراء يُلقي بثقلِّه على الشعب الذي يحاول كسبه بشتى الطرق، علَّه يكون الوقود الدافع لعجلة نجاح العراق في خلق دولة تنصف أبناءها، وتشاطرهم عبور المشوار الطويل والشاق؛ للوصول إلى برِّ الأمان؛ عبر تذليل التحديات التي تسعى الحكومة إلى الانعتاق منها؛ للانطلاق نحو البناء ومحاصرة الإرهاب.
[email protected]