عادي

القصيدة.. لحظة هروب من غموض النفس

23:19 مساء
قراءة 4 دقائق
1

الشارقة: عثمان حسن

ربما تكون لحظة إبداع القصيدة هي الحالة الأكثر التباساً مقارنة مع فنون الإبداع الأدبية الأخرى كالقصة أو الرواية، فهي على الأغلب حالة مضطربة عند كثير من الشعراء، تنزع إلى الغرابة والدهشة في كل ما تطرحه من تناقضات ونزوعات نحو الفرح والبهجة من جهة، أو نحو الغضب والإحباط والحزن من جهة ثانية.

وبناء عليه، هل يمكن طرح السؤال الذي له صلة بإبداع القصيدة، بوصفه موزعاً بين هاتين الحالتين: إما الفرح والسرور أو الإحباط والحزن؟ أم هي حالة ثالثة بين الاثنتين، حالة حرجة وغامضة وسوداوية، تختلط فيها المشاعر والهواجس؟

في الاستطلاع التالي نتعرف إلى إجابات ثلاث من الشعراء الإماراتيين، الذين اتفقوا على اعتبار لحظة إبداع القصيدة لحظة غامضة، وغير محكومة بحالة شعورية محددة، وهو الذي يتفق مع السياق الراهن والحديث للقصيدة العربية، التي تعيش زمناً آخراً، ليس فيه محددات واضحة للفرح أو السرور، بقدر ما هو مفتوح على حالات معنوية وربما وجودية في كل ما له صلة بالإحباط والحزن، الحزن هنا، كما يرى كثير من الشعراء هو حالة معنوية ووجودية، وكذلك هي حالات السرور التي غادرت منطق كتابة القصيدة.

تضارب 

يرى الشاعر محمود نور، أن الشعور هو خليط من حالات وجدانية مختلفة من الحزن والفرح، وبناء عليه فليس هناك «ترمومتر» يمكنه أن يفسر الحالات الشعورية، فالإنسان كائن متقلب، يعيش حالات متناقضة ومتسارعة في التغير بين دفتي الفرح والغضب، وذكر بالشاعر صلاح عبدالصبور الذي واجه مقولات النقاد الذين وصفوه بأنه شاعر حزين فقال: «هؤلاء يصدرون عن وجهة نظر غير فنية، لا تستحق عناء الاهتمام» وهذا يعني كما أوضح نور أن ما يمكن أن يعتبره الناس حزناً عند الشاعر، هو أبعد من هذا التفسير المجرد، فالحزن قد يكون خليطاً من الألم، وغير ذلك من المشاعر، التي تمنح الشاعر قوة معنوية، وربما فلسفية، تبحث في أسباب الواقع والراهن، فتتحول عنده إلى قوة تلتقط تفاصيل الحياة التي يراها مبتذلة وسطحية، وبالتالي فهي هبة وجدانية وشعورية خاصة، لا يمكن تمييزها بدقة فرحاً خالصاً أو حزناً خالصاً وهكذا.

 يقول نور: «من جهتي أكتب القصيدة في حالات شعورية مختلفة، ويكون همي الأول هو تجويد هذه القصيدة، وترجمة الأحاسيس المتناقضة التي تختلج في الوجدان، وصولاً إلى ذروة الشعر، أو على الأقل ما أحس أنه قد نقل فكرتي التي ظلت حبيسة هذا الشعور، فأشعر بالرضا والاسترخاء والفرح».

 ويختم محمود نور بقوله: «الشعر هو حالة توقد أو توهج مستمر في النفس الحية بكل ما تمر به من مشاعر مختلطة».

دهشة 

من جهته يؤكد الشاعر حسن النجار، أن حالات الفرح والسرور لا تحرضه على كتابة الشعر؛ بل في الحقيقة هي تلك الحالات التي يشعر من خلالها أنه وصل إلى درجة من اليأس أو الإحباط ولنقل إلى حالة من التوتر والشتات والفوضى، وهو أيضاً يعجز عن تفسير هذه الحالات التي تتضارب فيها الأفكار، فتكون القصيدة نافذة لاكتشاف الذات، اكتشاف قوة هذه المشاعر، التي تشكل شرارة الشعر.

ويقول حسن النجار: «في نهاية المطاف، أنت في الشعر أمام ما هو حسي وغامض، وأمام ما هو تخييلي، يزدهي بلغة أسرة، وبأسلوب فريد، يتجاوز ماهو عادي ومألوف، وأمام هذا المنطق، فأنت لا تستطيع تمييز الحالات الشعورية التي يمر بها الإنسان، تلك التي تتوغل في ذات المبدع، فتحول هذا الشعور إلى لغة بديعة، ولنقل إلى حقل شعوري فائق اللذة والدهشة والرؤية الثاقبة والمرهفة».

وجع

وقال الشاعر أحمد المطروشي: «في البحث عن أحاسيس الشاعر، أنت أمام موضوع يصعب على أي اختصاص فلسفي أو فكري تحديد ملامحه، انظر إلى إلياذة هوميروس على سبيل المثال، فأنت لا تستطيع اختراق الحالة التي مر بها هذا الشاعر الكبير، لكنك تستطيع القول إنها حالة متوترة وصاخبة، أنتجت عملاً له بنية أدبية متماسكة وبأسلوب يلائم روح العصر الذي كان يعيشه».

كانت الإلياذة تعبيراً عن بواطن الذات الإنسانية؛ حيث غريزة الانتقام ومشاعر العنف والقتل، المنسوجة في قالب شعري أخاذ وساحر، وبناء عليه يؤكد أحمد المطروشي، بقوله: «أنت تستطيع أن تتوقف أمام قامات شعرية كبيرة في العالم، فانظر إلى ما كتبه لوتريامون، هذا الشاعر الفرنسي الذي اتسمت شعريته بالغموض، فكتابه «أناشيد مالدورور» على سبيل المثال أدهش نخب عصره، حتى أن أندريه جيد قال فيه: إن قراءة رامبو ونشيد مالدورور السادس، تجعلني أخجل من مؤلفاتي، وقال هنري ميشو: لوتريامون استحوذ عليّ لدرجة أنني اضطررت أن أتخلص منه، لم يكن يتركني أعيش، بفضله كتبت». 

مع هؤلاء الشعراء، يؤكد أحمد المطروشي: «نقف عند حالات شعورية يصعب تصنيفها، فتخجل من توصيفها (فرحاً أو غضباً أو حزناً)، الأمر أكبر من ذلك بكثير، ففي أعماق هذه الذوات، ما لا يمكن تحديده، لكننا نستطيع أن نؤكد أنه يتجاوز الرومانسية الحالمة، التي أنتجت شعراً مكرراً، وأبعد بكثير من تلك القشرة التي تلامس ظاهر الأشياء، إنه الشعور في لحظة عميقة غائرة في النوازع البشرية».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"