عادي

المجرية أجوتا كريستوف.. الكتابة نجاة من الجنون

22:54 مساء
قراءة 3 دقائق
1

القاهرة: «الخليج»

لعشر سنوات قبل رحيلها في عام 2011 توقفت الكاتبة المجرية أجوتا كريستوف عن الكتابة، وهذا الصمت الذي ارتضته لنفسها، كما وصفه أحد النقاد، كان بمثابة تمرين على «العدمية»، تقول أجوتا: «تلك هي الكلمة التي تبدو لي الأقرب إلى نمط وجودي»، وفي الوقت نفسه لم تكن لديها أدنى رغبة في الموت، لأنها تجد أن الحياة قصيرة جداً، وبإمكاننا أن ننتظر حتى يصل وقت الموت.

كانت أجوتا تقول: «منذ سنوات طويلة توقفت تقريباً عن الكتابة، أحس نوعاً من الاحتباس، بدأت العديد من النصوص، غير أنني انصرفت عنها، وأرسلتها إلى الأرشيف، حتى من دون أن أتمّها، لن أحتفظ في بيتي سوى بآخر أعمالي، أتمنى أن أنهيه، لكني أقضي وقتاً طويلاً لا ألمسه، وبالتالي هو لا يتقدم».

هل كانت تزعجها الكتابة؟ كانت تقول: «أرغب في أن أكتب روايات بوليسية، لقد حاولت، كتبت في ما مضى مسرحية بوليسية للراديو السويسري، بإمكانها أن تكون نقطة انطلاق رواية، غير أنني لا أعرف بما يكفي طريقة اشتغال البوليس، والمحاكم، أجد نفسي عاجزة عن كتابة الروايات البوليسية، التي أحب قراءتها كثيراً».

وفي كتابها «سيان»، تقول عن إحدى الشخصيات: «كانت سعادته تتلخص في أشياء يسيرة، من قبيل التجول في الشارع، المشي بين الأزقة، الجلوس حتى يأخذه التعب»، أما هي فقد عانت مشكلة في ساقيها، لا تغادر شقتها إلا عندما تكون مضطرة للتسوق، وقد تركت شقتها الكبيرة، واتخذت لنفسها منزلاً يناسب حاجتها في المدينة القديمة، خصوصاً أنها كانت تنأى بنفسها عن كل ما له علاقة بالحياة الأدبية، وتهتم بمشاريع غاية في البساطة، كأن تعلم حفيدها الشطرنج، وتتعجب من الاهتمام الذي لا يزال يبديه القراء تجاهها منذ أن صدر كتابها «الأمية» في عام 2004.

صنعت رواية «الدفتر الكبير» شهرة أجوتا، وتدور أحداث الرواية زمن الحرب، في قرية قرب مدينة كبيرة احتلها النازيون فأخلاها سكانها، وتعهد امرأة بطفليها إلى أمها، التي استقبلتهما شر استقبال، تركتهما إلى العجوز القاسية، والشتاء، والجوع، والحرب، فعملا على تشكيل وجود خاص بهما، تعلما أن التمرد لا يجدي، وأن من الجيد أن يقوما بالأمور الضرورية، بتمارين لتقوية جسديهما، حتى لا يظلا ضعيفين، بتمارين القسوة، يتابعان أيضاً الكبار، ويرصدان مظاهر ضعفهم، إنهما يواجهان الحياة بالقسوة اللازمة للبقاء.

تقول أجوتا إنها حاولت في البداية الحكي عن طفولتها، لكن النتيجة كانت في النهاية تلك الكتب التي ليست كتب سيرة «ربما لأنني لا أستطيع كتابة قصة حياتي كتبت تلك القصص».

وتنفر أجوتا من الكتب العاطفية، وبالتالي لم تكن تطيق الشعر، وعندما كانت في المجر كتبت شعراً، ثم تنكرت لتلك القصائد، واعتبرتها خطأ من أخطاء الصبا «صارت تلك القصائد تثير قرفي، وصرت أبحث عن الجفاف، عن أكبر قدر من البساطة».

وذهبت إلى سويسرا سنة 1956، وواصلت كتابة الشعر بالمجرية، وكان أول نصوصها المسرحية بالفرنسية كتبته ما بين 1970 و1972 كانت تعيش وسط ناس يتكلمون الفرنسية، وكان من المستحيل أن تكتب بلغتها، وكانت توقع مسرحياتها الأولى باسم «زايك»، تجنباً للخلط بينها، وبين أجاتا كريستي.

تزوجت سنة 1954 من مدرس مادة التاريخ، واضطرت بسبب أعمال ثورية أن تهاجر في صحبته، وصحبة طفلتها من المجر إلى النمسا، ومنها إلى سويسرا، حتى استقرت نهائياً في نيوشاتل، وهناك عملت لعامين في مصنع نسيج، ولمدة خمس سنوات في مصنع ساعات.

وكما يصفها أحد النقاد فهي «امرأة عادية، في مظهرها الخالي من التعابير، الذي يكاد يكون كئيباً، ولا يمكن أن تخطئ العين آثار صروف حياة مأساوية، وحين ترتسم على وجهها ابتسامة خجولة، يكون الأمر إنذاراً، بأنها ستملأ الصمت بصوتها العميق».

وفي روايتها «أمس» يسأل البطل: ما مصير كتاباتك؟ فيجيب، أو تجيب أجوتا: «لم يبق منها شيء في نهاية المطاف، لا شيء سوى ورقة، أو ورقتين، عليهما نص موقع باسمي، نادراً ما يبقى لدي شيء، لأني أحرق كل ما أكتبه، لا أكتب بعد بشكل جيد، ذات يوم سأكتب كتاباً لن أحرقه، وسأوقعه باسمي «ومع ذلك، ورغم توقفها عن الكتابة، في سنواتها الأخيرة، فإنها كانت امرأة وحيدة لا تملك أي منفذ نجاة سوى هذا الأمل المجنون: أنْ تكتب».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"