لماذا يعجز الأمريكيون عن هزيمة الوباء؟

00:56 صباحا
قراءة 3 دقائق
1

جيمس بالمر *

مع اقتراب موسم الأعياد، يتفاخر بعض المحافظين في الولايات المتحدة عبر الإنترنت بالتجمعات الجماهيرية التي يخططون لإقامتها في تحدٍ لتدابير التباعد الاجتماعي. هذا العصيان المدني الغريب، حتى مع ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا والوفيات في البلاد، أصبح علامة غريبة على تفكيرهم؛ حيث يخططون لأحداث عامة من المحتمل أن تؤدي إلى وفاة الناس. والعجيب أن إنكار الأمريكيين للحقائق يرافقهم حتى فراش الموت، فهم لا يريدون أن يصدقوا أنهم مثل بقية البشر.

هذه الشريحة المصرة على الإنكار هي نموذج فظ لما يهيمن على أفكار الغربيين (في أوروبا أيضاً) منذ بداية تفشي الوباء؛ حيث إنهم يقولون «هذا غير ممكن الحدوث مطلقاً».

ولكن مع تفشي الموجة الثانية من الوباء، استسلمت حكومة الولايات المتحدة على الرغم من أن الحزب الجمهوري لا يزال مناهضاً لقرارات الإغلاق بشدة.

وعادةً ما يرتبط هذا النوع من إنكار الواقع بالقادة الذين لا يأبهون بالرد على أي شخص. لكن الإنكار الأمريكي لم يكن مدفوعاً بالديكتاتورية أو السيطرة على وسائل الإعلام. بدلاً من ذلك، كان الدافع الأساسي وراء المأزق الأمريكي الحالي هو عدم الثقة الأساسي في الحكومة نفسها - والاقتناع العميق بأن الكارثة تصيب الآخرين فقط.

كان واضحاً أن أساسيات السيطرة على الفيروس بسيطة؛ لكنها مؤلمة تبدأ بإغلاق شامل. وقدمت الصين نموذجاً كبيراً بفرض إغلاق شبه كامل للبلاد لمدة 76 يوماً، كما أنه طبق أيضاً بمهارة في نيوزيلندا وتايوان وفيتنام وأماكن أخرى. أما في البلدان التي لم يفتك بها الفيروس بقوة، مثل اليابان وأستراليا، فقد يكفي التباعد الاجتماعي القسري، بدلاً من الإغلاق الكامل. خلال هذا الإغلاق، يجب أن يتدفق الدعم الاقتصادي من الحكومة إلى القطاع الخاص المجمد، سواء من خلال دعم الأجور، أو المدفوعات المباشرة، أو، كما هو الحال في الصين، مساعدة الشركات المستهدفة جنباً إلى جنب مع فرض القيود على تسريح العمال.

لم تتعرض الولايات المتحدة لأي إغلاق فعلي. حتى أوامر البقاء في المنزل الصادرة في 43 ولاية في مارس / آذار وإبريل/ نيسان لم تقترب بأي حال من مستوى الإغلاق المفروض في بلدان أخرى؛ لأسباب ليس أقلها عدم وجود عقوبات حقيقية لمخالفة القوانين الجديدة. مع ذلك، أدى الجمع بين حزم التحفيز المباشرة والتأمين ضد البطالة، إلى بقاء الاقتصاد الأمريكي واقفاً على قدميه.

لكن الولايات المتحدة فشلت في المراحل التالية لمتابعة الفيروس؛ حيث لا يقتصر الأمر على وجود برنامج مركزي للاختبارات والتعقب؛ بل هناك ضرورة لاكتشاف بؤر التفشي المحتملة في المستقبل والقضاء عليها. وهذا يتطلب نظاماً مركزياً وإلزامياً للحجر الصحي والعزل، ليس فقط للمرضى أنفسهم ولكن لأولئك الذين تعرضوا لهم. لقد كان ممكناً في الولايات المتحدة الادعاء بالالتزام بالحجر الصحي حتى من قبل أولئك الذين يقيمون حفلات رقص كل ليلة.

وراء هذه العيوب المنهجية تكمن قناعتان أمريكيتان قاتلتان: أولاهما أن الحكومة لا تستطيع المساعدة، والثانية أن المواطن الأمريكي محصن ضد الكوارث. أما القناعة الأولى فهي راسخة في عمق الحياة الأمريكية؛ حيث تعاني الإدارات الحكومية نقص التمويل، وبالتالي تصبح التجربة اليومية للأمريكيين مع الخدمات الحكومية بيروقراطية وقمعية وغير سارة. وفي الوقت نفسه، فإن قواعد الحوكمة الأمريكية التي يتم فرضها بشكل متكرر هي تلك التي تصيب الفئات الأكثر ضعفاً. وهناك الكثير من الأسباب التي تضعف ثقة الأمريكيين بحكومتهم ليس أقلها البنية التحتية المتهالكة والنظام الضريبي والدولة التي تستهدف الفقراء.

والقناعة الثانية يسهم في ترسيخها الإنكار القومي الذي كرسه الازدهار المطلق وسلامة الحياة الأمريكية الحديثة. فالأمريكيون ببساطة غير معتادين على فكرة أن ما يحدث في الأخبار قد يغير حياتهم اليومية. في البلدان التي غيّرت فيها كارثة سياسية أو طبيعية الحياة بشكل جذري في الذاكرة الحية، مثل الصين أو فيتنام، استعد الناس نفسياً لتأثير فيروس كورونا – لأنهم على قناعة أن عناوين الأخبار اليوم قد تعني أن حياتك ستكون مختلفة غداً.

* نائب رئيس التحرير في فورين بوليسي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"