التحول إلى نظام اقتصادي عالمي جديد

22:06 مساء
قراءة 5 دقائق
علي توفيق الصادق
علي توفيق الصادق

د. علي توفيق الصادق *

إن مناقشة تشكيل نظام اقتصادي عالمي جديد تعود بنا إلى الماضي لنتعرف إلى النظم الاقتصادية العالمية التي سادت في فترات سابقة والسمات التي ميزتها والنظم التي حلت مكانها. ولكن نكتفي في هذا المقال بتحديد الفترة وسمة النظام الاقتصادي الذي ساد. ففي الفترة من 1820 –1913، ساد نظام اقتصادي عالمي حر في ظل الثورة الصناعية بقيادة بريطانيا العظمى؛ وبين 1913 – 1950، الفترة التي تخللتها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، اتسم النظام الاقتصادي العالمي بالقيود على التجارة الدولية وحركة العمال وتدفق رأس المال، وشهدت هذه الفترة إنشاء مؤسستي بريتون وودز، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في عام 1944 للمساعدة والإشراف على إعادة أعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، وإدارة تدفق رؤوس الأموال بين البلدان، كما تم إنشاء نظام الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (الجات) عام 1947 للإشراف على إعادة تدفق السلع والخدمات بين الدول. 

وفي الفترة 1950-1973، الفترة الذهبية للاقتصاد العالمي، تحقق النمو الاقتصادي المستدام في الدول المتقدمة والنامية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ونظام أسعار الصرف الثابتة على أساس الدولار الأمريكي. 

وبين 1971-1981 شهد الاقتصاد العالمي نمواً بطيئاً وتزايدت المديونية الخارجية في البلدان النامية، وأصبح النظام الاقتصادي العالمي المرتكز على نظام بريتون وودز غير قادر على توفير السيولة اللازمة للاقتصاد العالمي، وتخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن نظام أسعار الصرف الثابت وتحول النظام إلى نظام معوم وأصبحت الدول حرة في اختيار نظام سعر صرف عملتها. وفي هذه الفترة، وتحديداً في عام 1974، طلبت مجموعة من البلدان النامية عقد دورة استثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة عدد من القضايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً في إعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي القائم آنذاك لتحسين وضع الدول النامية (دول الجنوب) إزاء الدول الصناعية (دول الشمال). وقد شملت المطالب زيادة سيطرة البلدان النامية على مواردها، ودعم التصنيع في دول الجنوب وزيادة المساعدات الإنمائية، وتخفيف مشاكل المديونية.

وكان البحث في تغيير أو تعديل النظام الاقتصادي العالمي القائم إلى نظام اقتصادي عالمي جديد يجسد الأمل في غد أفضل للبلدان النامية ولكن الأمل لم يتحقق بسبب المعوقات التي أقامتها البلدان المتقدمة وعدم الالتزام والدعم من قبل البلدان النامية. وشهدت الفترة من 1982- 1989 أزمة المديونية الخارجية العالمية التي برزت بعد إعلان المكسيك عن عدم قدرتها على سداد ديونها.

في هذه الفترة تغير وضع الولايات المتحدة الأمريكية حيث لم تعد الدولة الوحيدة الثرية، وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تواجه مشكلة في ميزانها التجاري بسبب عجز صادراتها عن تغطية وارداتها. وظهر العجز في ميزانها التجاري وفي حسابها الجاري أيضاً.

وشهدت الفترة 1990 – 2000 تغيرات سياسية هيكلية حيث انهارت منظومة الاتحاد السوفييتي وحلت مكانه دول مستقلة واتسعت رقعة الاقتصاد العالمي المرتكز على نظام الأسواق حيث أزيلت المعيقات أمام التجارة الخارجية وتدفق رؤوس الأموال، أي تزايد تكامل الاقتصاد العالمي وبالتالي عولمته. 

كما شهدت هذه الفترة الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا (1997 -1998) وتكوين مجموعة الثماني بانضمام روسيا إلى مجموعة الدول السبع عام 1997 وتكوين مجموعة العشرين في عام 1999 من مجموعة السبع دول و12 دولة صاعدة ونامية مهمة. وشهدت الفترة 2001 – 2011 تطورات اقتصادية ومالية وتجارية غير مسبوقة حيث انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، وبذلك اتسع الفضاء أمام التجارة العالمية. 

وجاءت الأزمة المالية العالمية، التي عمت العالم بانهيار ليمان برذرز في 2008، لتؤكد أن سياسات التحرير الاقتصادي والانفتاح على الاقتصاد العالمي، وإزالة الحواجز أمام التجارة الخارجية، وتدفق رؤوس الأموال عملت على جعل الأسواق الوطنية أكثر ترابطا سواء كانت مالية أو سلعية أو خدمية .

بينت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أن الترابط وثيق بين صحة القطاع المصرفي والمالي من جهة والقطاع العيني من جهة ثانية، كما أكدت أن الاقتصاد المعولم بحاجة إلى إدارة اقتصادية عالمية تمكنه من الخروج من الأزمات وفي الوقت نفسه تعمل على تجنيب الاقتصاد العالمي أزمات جديدة في المستقبل.

وقد نشطت مجموعة العشرين في أعقاب أزمة 2008 حيث عقدت 16 اجتماعاً بين 2008 -2020، آخرها «عن بعد» برئاسة المملكة العربية السعودية نوفمبر 2020. وأصبحت «العشرين» تجسد المنبر الأول للمناقشات حول الاستقرار المالي العالمي والحوار حول السياسات الوطنية وتنسيقها وقضايا التعاون الدولي الذي يسهم في إعادة التوازن الاقتصادي والمالي الدولي، والذي بدوره يساعد في تعزيز النمو والتنمية عبر العالم. 

يرتكز النظام القديم على ثلاثة محاور هي: الدولة القومية، وسياسة القوة الوطنية؛ ونماذج الاقتصاد الفردية والقيم السياسية. كل هذه المحاور يركز على مجموعة من السمات. فالدولة القومية تؤكد السيادة والمصالح القومية والتفرد والإصرار، ومحور سياسة القوة الوطنية يؤكد التجمعات المتنافسة والتحالفات الثابتة وعلى الغلبة والقوة المادية الصلبة. أما المحور الثالث والأخير، فيؤكد تعزيز النماذج الاقتصادية الفردية والقيم السياسية. مقابل هذا النظام الاقتصادي العالمي القديم بدأ يتبلور نظام اقتصادي عالمي جديد تقوده مجموعة البرازيل، وروسيا، والهند، والصين (ما يعرف بمجموعة البريكس BRICs) من جهة، ومن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية.

يرتكز النظام الاقتصادي العالمي الجديد على ثلاثة محاور أيضاً، ولكن على النقيض من محاور النظام القديم. فبدلاً من التأكيد على الدولة القومية، كانت البداية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد هي المجتمع العالمي الذي يرتكز على الاعتماد المتبادل والمصالح المشتركة والاحترام. أما المحور الثاني فيقوم على تعددية جديدة ترتكز على شبكات علاقات دولية،

وتعدد التحالفات، والمساومة من أجل التسوية، والقوة الناعمة. والمحور الثالث للنظام الاقتصادي الجديد الذي يتبلور يقوم على تعايش نماذج متنوعة من اقتصاد السوق والنظم السياسية.

يمكن تعليل الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد بالإشارة إلى ثلاثة دوافع للتغيير تتجسد في أولا، التغيير الديموغرافي وموازين الاقتصاد؛ وثانياً التهديدات العالمية ؛ وثالثاً، الحاجة إلى نظام حوكمة عالمي أكثر فاعلية.

بالنسبة للدافع الأول، يمكن الإشارة إلى زيادة سكان العالم من حوالي 6.4 مليار نسمة عام 2010 إلى حوالي 9.1 مليار نسمة بحلول عام 2050، ومعظم الزيادة تتحقق في البلدان النامية. كما أن التوقعات تشير إلى أن الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم في عقد الأربعينات من القرن الحالي، ويحتل الاقتصاد الأمريكي المرتبة الثانية والاقتصاد الهندي المرتبة الثالثة. كما يتوقع أن يلعب اقتصاد كل من البرازيل وإندونيسيا وروسيا أدواراً مهمة، وفي الوقت نفسه يتراجع دور اقتصاد البلدان الأوروبية.

وبينت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي برزت في عام 2008 االصعوبات التي تواجه النظام المالي العالمي المترابط في غياب الاتفاق على الرقابة المالية والتنظيم الدوليين. كما أن نمو الاعتماد المتبادل عبر الحدود القومية والقطاعات تبين أن انفراد البلدان لمواجهة التهديدات وحدها غير متاح ولا بد من تنسيق مواقف الدول لمواجهة التهديدات.

أما الدافع الثالث للانتقال إلى نظام اقتصادي عالمي جديد فيتمثل في الإدراك العام بأن النظام الحالي للحوكمة الدولية أصبح مجزءاً وغير فاعل وعتيق ومقاوم للتغيير.

* مدير معهد السياسات الاقتصادية بصندوق النقد العربي سابقاً

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

خبير مالي وإقتصادي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2lr8rb4