بيرند ريجيرت *
نحن كمستخدمين، اعتدنا على إتاحة الكثير من محتويات الإنترنت وخدماته مجاناً. لكن ما لا يدركه معظمنا هو أن لهذا الاستخدام المجاني ثمناً. صحيح أننا لا ندفع بالنقد، ولكننا نضحي بالبيانات.
فقد وصفت المفوضية الأوروبية عمالقة التقنية الذين يستخرجون بياناتنا لتزويدنا بالإعلانات والمنتجات والمعلومات المستهدفة، وتشكيل نظرتنا للواقع، كأكبر مصدر للمخاطر. ويرى البعض أن تلك الشركات شريرة وتهتم بجني الأرباح أكثر من تقديم فكرة رومانسية عن إنترنت ديمقراطي حيث حرية التعبير لا حدود لها.
ولكن بالنسبة لهذه الشركات العملاقة - أمازون، وجوجل، وفيسبوك، ومايكروسوفت، وأبل، وأوبر، فإن الإنترنت يمثل مورداً للمادة الأولية ومصنعاً لها وقناة توزيع أيضاً. كل ذلك مقبول وليس مرفوضاً في إطار النشاط الاعتيادي الرقمي، ولكنه يصبح مشكلة إذا أساءت هذه الشركات استخدام قوتها السوقية والوصول غير المحدود إلى بيانات المستهلكين.
من هنا سعت المفوضية الأوروبية لسن مجموعة من القوانين الرقمية الجديدة وهذا أمر جيد لكبح جماح شركات التقنية الكبيرة.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة كما قد تبدو. فإذا تمت صياغة المقترحات في قانون، فسوف تصبح المفوضية سلطة إشرافية قوية تهاجم عمالقة التقنية، وهم الآن في الغالب شركات أمريكية، في جوهرها. في المستقبل، قد تضطر جوجل وأخواتها إلى الكشف عن كيفية قيام خوارزمياتها بتنظيف حساباتنا الفردية وطرق إمطارنا بالإعلانات التجارية أو المعلومات. وهذا يمكن أن يحرمهم من فرصة طرح خدماتهم ومنتجاتهم، وبالتالي تحقيق أرباح ضخمة.
ويمكن أن يُحدث الاتحاد الأوروبي ثورة في كيفية قيام شركات التقنية الكبيرة بأعمالها في أوروبا. لكن يجب أن يدرك الاتحاد أن عمالقة التقنية، الذين تفوق قوتهم الاقتصادية قوة بعض الدول الأوروبية الصغيرة، لن يكونوا راضين. وسوف تكون هناك عملية تشريعية طويلة ومعارك مختلفة مع جماعات ضغط مختلفة ستبذل قصارى جهدها لمقاومة التغيير. حتى الآن، حاول المنظمون في الاتحاد الأوروبي كبح جماح قوة عمالقة التقنية من خلال الغرامات والعقوبات، ولكن دون جدوى. فالشركات سوف تسدد غراماتها وتحافظ على احتكاراتها من خلال خنق المنافسة كما يحصل عادة.
وتأمل المفوضية الأوروبية في إقناع عمالقة التقنية بتغيير نماذج أعمالهم والتخلي عن امتيازاتهم. على الرغم من أن الثورة الرقمية قد طال انتظارها، إلا أنه لا ينبغي أن يترك حبل المنصات على الغارب. كما يجب منح شركات التقنية الأصغر والأحدث فرصة للدخول إلى السوق ومنح منتجاتها وخدماتها وضعاً أفضل في محركات البحث.
أضف إلى ذلك أن أوروبا ليست جزيرة منعزلة، لذلك يتعين على المفوضية أن تأخذ في الاعتبار أن القوانين واللوائح الأخرى ستطبق في أمريكا وآسيا وأماكن أخرى. ولا تزال مسألة مكان فرض الضرائب على شركات التقنية العالمية بدون حل.
والقوانين المعمول بها في الاتحاد وضعت قبل عشرين عاماً حين لم يكن هناك «فيسبوك» ولا هاتف متحرك. يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي وتشريعاته أكثر استجابة وديناميكية لمشهد التقنية سريع التغير.
ومع تقدم التقنية خاصة في حقل الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يجد الاتحاد الأوروبي نفسه غير مستعد من الناحية التشريعية، فضلاً عن كون قواعد عمل السوق الأوروبية قديمة وغير منظمة. ولا شك في أن تطوير التشريعات من شأنه أن يحقق للاتحاد فرصة أفضل في مواجهة عمالقة التقنية. لقد أجاد الاتحاد عندما تبنى قوانين الاقتصاد الرقمي قبل فوات الأوان.
* عن «دويتشة فيللي»