رمزية الكونجرس الأمريكي

00:34 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

تكتسب بعض المقار الرسمية التاريخية مع مرور الزمن رمزية تقترب من القداسة عند أنصارها والمؤمنين بأهميتها أو بما تضمه بين جنبيها، وسواء أكانت هذه المباني مقامات تضم رفات شخصيات تاريخية، دينية أو وطنية، أو معبرة عن فلسفات فكرية وسياسية أو اعتقادات أخلاقية فإنها تكتسب صفة القداسة وتصبح محاولة الاقتراب منها بنوايا عدوانية أو استهدافها مباشرة بالعدوان مخاطرة باهظة الثمن.

 والأحداث التي شهدها مبنى الكونجرس الأمريكي الأسبوع الماضي تعطي مثالاً حياً على الخطورة البالغة التي تنطوي عليها محاولة إضعاف قوة الرمز واستفزازه وإهانته لتحقيق أهداف على صلة بالصراع على السلطة الزمنية والتنافس على النفوذ.

 فمبنى الكابيتول بالنسبة للأمريكيين هو حرفياً أرض مقدسة. وقد جاء هذا التعبير بصورة حرفية منذ بدايات إنشاء هذه الهيئة التشريعية قبل أكثر من مئتي عام عندما وصف أحد آباء الاستقلال الأمريكي الكونجرس بأنه «كنيسة الديمقراطية». وتردد هذا التعبير بعد ذلك مراراً من قبل زعماء وقادة وبرلمانيين، وشق طريقه حتى إلى قادة الكنيسة الأمريكية نفسها. وبهذا الاعتبار فإن هذا الرمز يبقى من المقدسات التي لا يجوز المساس بها أو الحط من قدرها في أي وقت وتحت أي ظروف.

 وعندما بدأ الغوغاء هجومهم على المبنى التاريخي في الجلسة المقررة لإعلان الرئيس الجديد وشوهوا جدرانه ونشروا الفوضى بين أرجائه كانت الأمور قد خرجت فعلياً عن السيطرة، وتجاوزت مرحلة النشاط المعارض ضمن التنافس الحزبي التقليدي لتدخل إلى حقل المقدسات الملغوم.

 فجرت هذه الخطوة الخاطئة دفعة واحدة المخاوف القديمة والدفينة ومشاعر الكراهية والرغبة في الانتقام، وكانت ردود الفعل المتسلسلة من النخب السياسية وقادة التيارات الاجتماعية والفكرية مروراً بكافة الطبقات الأخرى، تعكس غياباً شبه كامل لفضيلة التسامح، وتسرف في مطالبها بإنزال العقاب العاجل مدفوعة في ذلك بمشاعر القلق والرغبة العارمة في إعادة الاحترام إلى الرمز الذي يمثل ضمير الأمة والضامن للحرية والاستقرار المجتمعي في تعبيراته التاريخية والمعاصرة.

 لقد خسر ترامب بسرعة عدداً كبيراً من داعميه ومن طاقم حكومته ومن قادة لهم وزنهم الكبير في الحزب الجمهوري. وحتى نائبه الأول فضل مثل غيره النأي بنفسه عن العاصفة التي تتكون في الأفق. وبقي ترامب وحيداً ومعزولاً.

 لكن المشاعر المتأججة استمرت في التدفق. وتشددت الزعيمة الديمقراطية نانسي بيلوسي في المطالبة بعزله من المنصب قبل أيام من انتهاء ولايته، وأجرت اتصالات مع الجيش لمنعه من استخدام الرموز النووية في الفترة المتبقية من بقائه في البيت الأبيض.

 ويبدو واضحاً أن هذه المطاردة وراءها النزعة الانتقامية التي فجرها الهجوم على الرمز أكثر من كونها محاولة لكسب جولة في الصراع السياسي أو إهانة الرئيس والحط من شأنه. إن استهداف الرموز المقدسة يمكن أن ينجح في ظل تفوق الطرف المهاجم، ولكن في الظروف العادية أو في ظروف رسوخ قوة وسلطة الرمز التاريخي فإن محاولة استفزازه تكون محفوفة بالمخاطر.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxdtegp3