عن «الجارديان»
استعادت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، ألقها كواحدة من السياسيين الأكثر كفاءة في أوروبا، بفضل أدائها في مواجهة جائحة تفشي وباء كورونا، بعد معاناة مع صناديق الاقتراع، حيث تعرض حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى عدد من الهزائم الماحقة في الانتخابات على مستوى الولايات. وقد تنحت المستشارة عن منصب زعيمة الحزب في عام 2018.
وفي الوقت نفسه، أعلنت ميركل أنها لن تترشح في الانتخابات الفيدرالية المقرر إجراؤها هذا الخريف. لكن سلطتها الهادئة، ووضوحها الاستراتيجي خلال الأزمة الحالية أديا إلى ارتفاع معدلات شعبيتها إلى مستويات ممتازة بلغت 70%. وبعد تراجع خطير في شعبية الحزب كشفت عنه استطلاعات الرأي قبل تفشي الوباء، استفاد الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزبه الشقيق البافاري، من تأثير الضربة القاضية، متقدماً بفارق كبير على حزب الخضر، أقرب منافسيه. وهكذا يدخل الديمقراطيون المسيحيون عام الانتخابات بتفوق كبير يجعل هزيمتهم أكثر صعوبة.
وفي ضوء هذا التحول، قد يتمنى الكثير من أعضاء حزب ميركل ألا تغادر المستشارة منصبها رغم كل شيء. لكن ذلك غير ممكن فلكل أجل كتاب.
وسوف تظهر قريباً الخطوط العريضة الأولى لحقبة ما بعد ميركل، حيث يختار حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي زعيماً جديداً للحزب – وهو المرشح الأول لتمثيل الحزب في الانتخابات. وقد هيمنت صورة ميركل، وسمعته،ا وحضورها المتميز، على المشهد السياسي الألماني على مدى عقدين من الزمن. لكن المنافسة الثلاثية تبدو كأنها مفترق طرق مهم. إنها تحمل تداعيات كبيرة على الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تداعيتها على أقوى دولة عضو فيه.
ويتصدر فريدريك ميرز اليميني الثائر، معظم استطلاعات الرأي لأعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وهو خبير اجتماعي ومالي محافظ يؤمن بضرائب منخفضة، ودور أقل للدولة. وكثيراً ما انتقد ميركل بسبب دعمها لصندوق التعافي من فيروس كورونا على مستوى الاتحاد الأوروبي. و في ما يتعلق بقضايا مثل الهجرة، يعتقد ميرز أن السياسات الليبرالية للمستشارة دفعت أعداداً كبيرة من مؤيدي حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى أحضان الشعبويين اليمينيين من «حزب البديل من أجل ألمانيا». وقال إنه يهدف إلى رسم استراتيجيات جديدة، وسياسات تضمن استعادتهم.
ويواجه ميرز المحامي الثري في المنافسة على زعامة الحزب، مرشحين أكثر وداً مع ميركل. منهم رئيس وزراء ولاية نوردراين فيستفالن، أرمين لاشيت، وخبير السياسة الخارجية نوربرت روتجن، اللذان يحرصان على أن يبقى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في مركز الصدارة، ويتطلعان إلى تحالف محتمل بعد الانتخابات مع الخضر. ويقول روتجن إن على الحزب أن يعمق جاذبيته للناخبين الشباب التقدميين من خلال البرامج البيئية الطموحة، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي.
ولو اقتصر الأمر على تصويت الأعضاء فقط، فإن ميرز يمكن أن يقود أنجح حزب في أوروبا بعد الحرب، في مسار يميني جديد. لكن القرار الذي أصدرته قيادة الحزب مؤخراً، يحصر الخيار النهائي في مجموعة من الأعضاء العاملين في قيادات الحزب وعددهم ألف وواحد. وهؤلاء قد يقررون أن رفض ميرز لسياسة الإجماع تعتبر مقامرة خطيرة، وأن الشراكة النهائية مع حزب الخضر أفضل بكثير من أي نوع من التسوية مع حزب البديل من أجل ألمانيا.
ويأمل معظم الأوروبيين أن يسود هذا التوجه. وقد تعرض أنصار ميركل، رغم كثرة مؤيديهم، لكثير من الانتقادات حيث عكست الانتكاسات الانتخابية الأخيرة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إحباطات عميقة من الوضع الراهن. وكان ذلك واضحاً بشكل خاص في الشرق، حيث حصد «حزب دي لينك» اليساري، و«حزب البديل» اليميني المتطرف، الكثير من التأييد السياسي. ولكن موقف ميركل من أزمة الهجرة عام 2015، وطرق مواجهتها لأزمة كورونا، أعادتا للحزب هيبته، وسمعته، واحترامه على المستويين الداخلي، والعالمي. ومن الممكن أن يتبع لاشيت، أو روتجن هذا التقليد، حيث تواجه أوروبا التحديات العالمية التي يفرضها فيروس كورونا، وحالة الطوارئ في الأزمة المناخية، وخلافات عميقة حول التعامل مع قضية الهجرة. وهنا يقدم ميرز نفسه على أنه مُجدد مستعد لتغيير مرتكزات توجيه الفكر السياسي للحزب. لكن آراءه الاقتصادية المتشددة، وتفكيره الاجتماعي المحافظ، تنتمي إلى ماضي ألمانيا، وليس إلى مستقبلها.