«حزام وطريق» إيطالي

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

مايكل تانشام *

في الوقت الذي أثارت إيطاليا شفقة العالم وهي تواجه كارثة فتك فيروس «كورونا» بمواطنيها عام 2020، تبرز روما في عام 2021 باعتبارها القوة الأسرع صعوداً في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط ​​الأوسع، من شمال إفريقيا إلى البلقان وما وراءها. وعلى مدار عقدين من الزمن، حقّق تركيز إيطاليا على الربط التجاري، عبر البحر الأبيض المتوسط، ​​شيئاً مشابهاً للنسخة المتوسطية من مبادرة الحزام والطريق الصينية، مع وجود إيطاليا في المركز.

 ويتطلب تضامن الاتحاد الأوروبي في مواجهة نفوذ بكين وموسكو المتنامي أن تستجيب بروكسل وبرلين وباريس بشكل أفضل لمصالح روما، كلاعب قوي في الترابط التجاري عبر البحر الأبيض المتوسط. بخلاف ذلك، قد تختار إيطاليا الدخول في شراكة أكثر عمقاً مع خصوم أوروبا؛ حيث تواصل دفع صعودها الاقتصادي عبر منطقة البحر الأبيض المتوسط الأوسع.

 وتبدو خريطة إيطاليا التجارية الصاعدة في القرن الحادي والعشرين، التي يُطلق عليها اسم «إل ميديتيرانو ألارجاتو» أو «البحر الأبيض المتوسط ​​الموسع»، متشابهة مع خريطة القرن الأول للإمبراطورية الرومانية. ومثلما اضطرت القوى الأخرى إلى الرضوخ لتلك الإمبراطورية، فإن المحرك الاقتصادي للاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا يتكوّن الآن من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ويتوقف صمود الاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية على مدى توافق باريس وبرلين مع أجندة روما المتوسطية الأوسع، مع الأخذ في الاعتبار تداعيات ذلك على حلف الناتو أيضاً.

 وتحافظ إيطاليا تقليدياً على ثلاث ركائز للسياسة الخارجية، هي الأوروبية والأطلسية والمتوسطية. لكن روما وضعت في الآونة الأخيرة المزيد من بيضها الاستراتيجي في سلة البحر الأبيض المتوسط. وتم اتخاذ هذا القرار صريحاً في يناير/كانون الثاني 2018، عندما أعادت وزيرة الدفاع الإيطالية آنذاك روبرتا بينوتي تكليف القوات الإيطالية المنتشرة في العراق وأفغانستان بمهام في ليبيا والنيجر، موضحة علناً الأولويات الاستراتيجية الإيطالية.

 وقد اتفقت إيطاليا وتركيا عام 2019 على تشكيل شبكة نقل بين تركيا وإيطاليا وتونس عبر وسط البحر الأبيض المتوسط، ما يخلق قوساً من الربط التجاري بين المغرب العربي إلى البحر الأسود. والمحور المركزي لهذا الخط هو ميناء تارانتو الإيطالي، الذي يقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الإيطالية في القلب الاستراتيجي للبحر الأبيض المتوسط، وقد بدأت خدمة نقل الحاويات على ممر تركيا وإيطاليا وتونس في أوائل يوليو/ تموز 2020.

 وتشكل وصلة تارانتو - تونس رابطاً رئيسياً بين أوروبا وإفريقيا، من خلال ربط ساحل شمال إفريقيا بالأسواق الرئيسية ومراكز التصنيع في إيطاليا وألمانيا وحتى الدول الاسكندنافية. ومن موانئ تونس، يمكن للممر أيضاً أن يربط إيطاليا بالجزائر وعلى الطريق السريع العابر للصحراء، ما يطيل الممر الإيطالي- التركي من أوروبا إلى إفريقيا جنوباً إلى غرب إفريقيا حتى لاغوس (نيجيريا). وفي حال صارت إيطاليا حارس بوابة التجارة الأوروبية إلى إفريقيا، فسوف تؤدي كل الطرق مرة أخرى إلى روما.

 إلى جانب التجارة مع إفريقيا في السلع المصنعة، أنشأت إيطاليا أيضاً إمبراطورية للطاقة هناك. وقد قادت هذه الجهود عملاق الطاقة الإيطالي «إيني»، تحت السيطرة الفعلية للحكومة في روما، بحكم أن الحكومة الإيطالية هي أكبر مساهم منفرد. وتسيطر «إيني» على حوالي 45 في المئة من إنتاج النفط والغاز الليبي، وهي واحدة من الشركاء الأجنبية الرئيسية في الجزائر، أكبر منتج للغاز الطبيعي في إفريقيا. وبالاشتراك مع شركة النفط الحكومية الجزائرية سوناطراك، تمتلك «إيني» بشكل مشترك خط الأنابيب الأول عبر المتوسط ​​الذي ينقل الغاز الطبيعي الجزائري عبر تونس إلى إيطاليا.

وعلى الشواطئ الشمالية للبحر الأبيض المتوسط ​​في جنوب شرق أوروبا، تعدّ إيطاليا أيضاً أحد أفضل اللاعبين في مجال الطاقة، مع تأثيرها على خط أنابيب عبر البحر الأدرياتيكي. وبالنسبة لدول غرب البلقان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بلغاريا وكرواتيا ورومانيا، تعدّ إيطاليا شريكاً تجارياً رئيسياً؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري مع تلك الدول عام 2018 أكثر من 11.4 مليار دولار. وتعتبر إيطاليا الشريك التجاري الأكبر مع رومانيا، التي لديها سادس أكبر عدد من السكان في الاتحاد الأوروبي.

 وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية الإيطالية غالباً ما تبدو عشوائية، وقد تكون كذلك في بعض الأحيان، إلا أن هدف روما الأساسي كان توفيق التناقضات الجيوسياسية قدر المستطاع.

 أما علاقات روما مع الصين، فهي أعمق وأكثر تنوعاً. وتحاكي استراتيجية «البحر الأبيض المتوسط الموسع» الإيطالية في صداها السياسي مشروع «الحزام والطريق» الصيني في الأهداف والخطط، مع تركيزها على الطاقة والاتصال التجاري. وبعد التوقيع على مذكرة الحزام والطريق بين روما وبكين في مارس/آذار 2019، أصبحت إيطاليا أول دولة أوروبية كبرى تشترك رسمياً في مشروع الربط التجاري الضخم مع الصين.

* أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نافارا. (فورين بوليسي)

التقييمات
0

عن الكاتب

أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نافارا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2obqteq