ديمقراطية الوباء

00:46 صباحا
قراءة 3 دقائق

من ميزات «الإيكونوميست» مقارنة مع أغلب وسائل الإعلام التقليدية الكبرى، غير الرصانة والجدية والقيمة المميزة لمحتواها، أنها لديها محرر خاص للعناوين وتعليقات الصور. لذا تجد عناوين الموضوعات في المجلة، وبقية منشورات المؤسسة، تختلف عن عناوين أية مطبوعة أخرى في بريطانيا وخارجها. وربما تكون من وسائل الإعلام القليلة التي لم تتأثر بسطحية وتفاهة الإنترنت، ومواقع التواصل.
 قبل أيام أصدرت «وحدة استخبارات الإيكونوميست» التقرير السنوي عن وضع الديمقراطية في العالم الذي يقيس التطور أو التدهور الديمقراطي في 167 دولة، حسب معايير متنوعة. وكان عنوان التقرير «مؤشر الديمقراطية 2020» والعنوان الفرعي «في المنشط والمكره».
 ورغم أن العنوان الفرعي يعني الإشارة لما جرى للديمقراطية في عام وباء فيروس كورونا، وكيف أثر الوباء في الديمقراطية في دول العالم، إلا أن العبارة مأخوذة من قسَم الزواج الذي يتلوه الكاهن في الكنيسة ويتضمن تعهد الزوجين برعاية كل منهما الآخر في أوقات اليسر وأوقات العسر، وفي الصحة والمرض.. إلى آخره.
 إلا أن الانطباع لدي قبل أن أقرأ التقرير، وبمجرد ملاحظة العنوان الفرعي، كان مختلفاً. فمصطلح «في المنشط والمكره» أيضاً ضمن قسم الولاء في «تنظيم الإخوان» الذي أفرخ كل التنظيمات والجماعات الإرهابية في منطقتنا. ولأن «آفة الرأي الهوى»، فقد حكم هذا الانطباع مطالعتي للتقرير بالكامل.
 الملمح العام عن وضع الديمقراطية في العالم حسب مؤشر وحدة استخبارات «الإيكونوميست»، هو أن وباء كورونا أثر سلباً في الحريات الديمقراطة في دول العالم أجمع تقريباً، مع تراجع الديمقراطية في بعض الدول الغربية مقابل تطورها في بعض الدول الآسيوية. ويتسق ذلك مع ما نراه على صعد أخرى من بروز الشرق مقابل تراجع الغرب.
 إجمالاً، تراجع المناخ الديمقراطي في نحو 70 في المئة من الدول التي يشملها المؤشر، وأن «أكثر من ثلث سكان العالم يعيشون في ظل حكم استبدادي». ويخلص التقرير إلى أن عام الوباء وما شهده من إجراءات لمكافحته وتقليل انتشاره أدى إلى تقليص الحريات الشخصية للناس في أغلب الدول. وهنا يذكر التقرير أن «الوباء أدى إلى تراجع الحريات المدنية على نطاق واسع وغذّى الاتجاه الحالي من التعصب والرقابة على الرأي المخالف».
وفي هذا المعيار، من بين المعايير التي يقيس المؤشر على أساسها وضع الديمقراطية في البلدان التي يشملها المسح، يبدو تقرير «الإيكونوميست» أقرب لليمين، واليمين المتطرف الذي يسبب مشكلة للسلطات في إنفاذ سياساتها للوقاية من الوباء، وخفض أعداد المصابين والوفيات به، وتقليل الضغط على المستشفيات، وجهات الصحة العامة.
 لا عجب في ذلك، ف«الإيكونوميست» مؤسسة يمينية سياسياً، وإن اتسمت بالجدية والعقلانية، عكس اليمين المتطرف الذي شهدناه في الغرب في السنوات الأخيرة. وبالطبع، لا يمكن تصور أن «الإيكونوميست» تساير تلك التوجهات الشعبوية والدينية المتطرفة من قبيل ما قد نجده في منطقتنا لدى من يتعاملون مع الوباء بمنطق مغلوط مثل «خلّيها على الله»، وهم يتجاوزون في الالتزام بإجراءات الحماية والوقاية.
 يقسم المؤشر البلدان إلى أربع مجموعات: ديمقراطية، ديمقراطية ناقصة، (أو معيوبة)، نظام مختلط (ديمقراطي/استبدادي)، واستبداد. وتظل الدول الاسكندنافية في أعلى المؤشر ضمن المجموعة الأولى. وتظل الولايات المتحدة في المجموعة الثانية وترتيبها رقم 25. ويلاحظ تراجع بعض دول أوروبا الغربية من المجموعة الأولى إلى الثانية كفرنسا والبرتغال على سبيل المثال. أما في آسيا فتقدمت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان لتنتقل من المجموعة الثانية التي كانت فيها العام السابق (2019) إلى المجموعة الأولى.
ولم يطرأ تغيير على ترتيب دول منطقة شمال إفريقيا ما بين التقرير السابق وهذا التقرير. 
 بالطبع، وكما ذكرت في البداية، ليس وجود «الإخوان» في الحكم من ضمن معايير مؤشر وحدة استخبارات «الإيكونوميست» لقياس مدى ديمقراطية الدول. ولا يتصور أن من يعدّون التقرير هم مثل بعض المحررين في مؤسسات إعلامية غربية كبرى يميلون للتأثر بمسألة «الإخوان» وغيره من التنظيمات. كما أن «الإيكونوميست» ليست يسارية أو ليبرالية لتكون متعاطفة مع «الإخوان» وأمثالهم، إنما هو انطباع قد يعكس ذلك الحكم المسبق في خلفية أذهان الغربيين عموماً، بشأن تلك الاجتماعات حيث يفرقون بين بعضها بعضاً، كما لو أن هناك «إرهاباً معتدلاً» و«إرهاباً متطرفاً».

[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"