مصافي النفط والأصول الاستراتيجية والأمن القومي

21:24 مساء
قراءة 3 دقائق

جون كيمب *

لا تزال الحكومات الوطنية تميل إلى التفكير في مصافي النفط كأصول استراتيجية يجب الحفاظ عليها، من أجل أمن الوقود في حالة النزاع المسلح، لكن هذا يعكس وجهة نظر عفا عليها الزمن للمخاطر الناشئة عن الحرب الحديثة.

أثار قرار «إكسون موبيل» بتحويل مصفاة «ألتونا» الصغيرة قرب ملبورن إلى محطة استيراد، مزيداً من القلق في أستراليا بشأن الإغلاق التدريجي لمصافي التكرير في البلاد والاعتماد المتزايد على الوقود المستورد.

ومثل العديد من البلدان الأخرى، تنظر الحكومة الأسترالية إلى مفهوم الحفاظ على قدرة التكرير المحلية على أنه وسيلة لحماية إمدادات وقود النقل الحيوي في حالة نشوب نزاع مسلح أو فرض حصار ما، لكن الحقيقة هي أن الحفاظ على المصافي القديمة والصغيرة وغير الفعالة نسبياً، من شأنه ألا يضيف كثيراً لأمن الطاقة في البلاد.

في معظم البلدان المستوردة للنفط، تنبع الرغبة في حماية مستويات التكرير المحلية من مخاوف حصار بحري مفاجئ أو هجمات لوجستية على الناقلات، تؤدي إلى تعطيل إمدادات الوقود المستورد مثل البنزين والديزل.

وحتى قبل الحرب العالمية الثانية، تزايد قلق الحكومات بشأن التأثير المحتمل للحظر أو الهجمات على الشحن. وركز التخطيط البريطاني على كيفية الحفاظ على إمدادات الوقود للقوات المسلحة، والقطاعات الصناعية، والنقل المحلي في حال أدى الصراع مع ألمانيا أو اليابان إلى هجمات على ناقلات النفط. وهذا ما حدث بين عامي 1940 و1942؛ إذ نجحت هجمات الغواصات الألمانية على ناقلات النفط البريطانية، وحلفائها، في تقليل واردات النفط، وأدت إلى نقص حاد في الوقود في الداخل، وكذلك في أجزاء أخرى من الإمبراطورية البريطانية.

وفي عام 1941، كان قرار الولايات المتحدة بفرض حظر على مبيعات النفط الخام والوقود لليابان، أحد العوامل التي أدت إلى تسريع اندلاع صراع مسلح بين البلدين في وقت لاحق من العام نفسه.

وبالتالي، فإن المخاوف بشأن إمدادات الوقود، مفهومة، ولكن خوض الصراعات المستقبلية من المرجح أن يتم بشكل مختلف تماماً عن أربعينات القرن الماضي، مما يجعل الدروس المستفادة من الحرب العالمية الثانية أقل أهمية.

استخدمت المواجهات خلال الحرب العالمية الثانية قاذفات طيران محدودة المدى، وسفناً بحرية وجيوشاً برية بطيئة الحركة. وفي نزاع بطيء كهذا، هناك مزيد من الوقت أمام فرض حظر أو حصار لاستنفاد مخزونات الوقود وتقويض رغبة وقدرة المتحاربين على مواصلة القتال.

ولكن منذ عام 1945 تسارعت النزاعات المسلحة، وارتفعت درجات القوة التفجيرية المتاحة. وأدى تطوير القاذفات الثقيلة بعيدة المدى، والصواريخ قصيرة المدى، وعابرة القارات، والأسلحة النووية، إلى تغيير جذري في سرعة النزاعات وقوتها التدميرية. وفي حرب سريعة الحركة، من غير المرجح أن يكون للحظر أو الحصار البطيء دور استراتيجي فعال.

في العقدين الماضيين، استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها عمليات حظر وحصار جزئية ضد كوريا الشمالية، وفنزويلا واليمن، وإلى حد ما، إيران، بنجاح محدود.

لكن في نزاع رئيسي بين الدول، من غير المحتمل أن يلعب حظر الوقود دوراً مهماً؛ لأنه سيعتبر تصعيداً غير حاسم، وسيزيد من سوء النزاع بدلاً من حله.

في نزاع كبير بين الدول، من المرجح أن تعتبر الدولة الخاضعة للحظر أو الحصار ذلك تهديداً وجودياً يبرر استجابة شاملة لكسره قبل أن تنخفض مخزونات الوقود. ومن المرجح أيضاً أن يؤدي الحصار إلى رد بالصواريخ المصممة لتدمير السفن المحاصرة، وربما نشر الصراع عالمياً.

في معظم السيناريوهات، من المحتمل أن يتصاعد خطر الحظر أو الحصار إلى هجمات على نظام إمداد الوقود لجميع المتحاربين، بما في ذلك الناقلات والمصافي وخطوط الأنابيب والخزانات وأنظمة الكهرباء.

وربما تتصاعد محاولات حظر إمدادات الوقود إلى صراع أوسع وحرب شاملة تضم أهدافاً صناعية واقتصادية أخرى، أو على شكل هجمات إلكترونية على الأنظمة الحيوية، أو حتى التهديد باستخدام الأسلحة النووية.

حتى في حالة نجاح الحصار، فمن غير المرجح أن تساعد المصافي المحلية، كثيراً، في الحفاظ على إمدادات الوقود المحلية. في معظم البلدان خارج «أوبك»، وروسيا، تعتمد المصافي المحلية على الخام المستورد الذي سيتأثر أيضاً بالحصار، باستثناء سيناريو أضعف يتم فيه حظر الوقود، ولكن ليس النفط الخام.

على سبيل المثال، أنتجت أستراليا يومياً نصف مليون برميل من الخام في عام 2019، لكن البلاد استهلكت بالمقابل 1.1 مليون برميل يومياً من المنتجات المكررة، مما جعلها تعتمد على النفط الخام والوقود المستوردين لتعويض النقص، فضلاً عن أنه في أي نزاع كبير بين الدول، ستكون مصافي التكرير أهدافاً كبيرة يصعب الدفاع عنها بين جميع الأطراف المتحاربة.

لكي تكون مصفاة النفط أصلاً استراتيجياً، علينا افتراض سيناريو يكون فيه الحصار كافياً لتهديد الاقتصاد، ولكنه ليس خطراً لدرجة أن يثير صراعاً شاملاً. 

* محلل الأسواق في «رويترز»

عن الكاتب

محلل الأسواق في «رويترز»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

مقالات أخرى للكاتب

https://tinyurl.com/ybkj6cd3