تونــس والزعيم الغائب

00:18 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

تثير الأزمة السياسية التي تمر بها تونس قلقاً متزايداً في ظل تعطل جسور الثقة بين المؤسسات الرسمية، وما يمكن أن ينتج عنه من تدهور للوضعين الاقتصادي والاجتماعي في ظل جائحة «كورونا» التي سلبت حياة أكثر من ثمانية آلاف تونسي وألحقت أضراراً كبيرة بكل المجالات، من دون أن تكون هناك خطة واضحة لما بعد هذا المنعطف.

  حالة التدهور والتباين بين مؤسسات الدولة ليست في صالح أي أحد من الشخصيات والأطراف المهيمنة على المشهد، وستخصم الأزمة القانونية والسياسية والدستورية المستفحلة من رصيدهم جميعاً. كما سيتضح لاحقاً أن «حرب الصلاحيات» المندلعة بين رئاستي الجمهورية والحكومة وبينهما البرلمان لن تكون لها نتيجة. وسيتضح أن استفحال الخطاب التصادمي ومحاولات البحث عن مزالق لهذا الطرف أو ذلك، سيصيب التجربة الديمقراطية بالضمور ويقطع عنها مقومات التطور والنمو، وربما الانهيار لاحقاً.   

    فالديمقراطية التي يعرفها البعض أنها صراع بين سياسات ومشاريع وبرامج ورؤى، ليست معارك شخصية يتم فيها التجاوز على المؤسسات وتهديد المصلحة العليا للبلاد. وفي تونس هناك شيء من هذا التهديد، لكن هناك الكثير من الأصوات العاقلة التي ستحول دون وصول الأزمة إلى لحظة الكارثة.

 مشكلة تونس اليوم في تعدد المرجعيات السياسية وعدم التوافق على إطار يجسد الوحدة الوطنية ويجمع شمل الأطراف. وربما يعود ذلك إلى مشكلة في الدستور الذي تم وضعه عام 2014، وأصبح بحاجة إلى تعديل عاجل، في ظل تعذر إنشاء المحكمة الدستورية التي جرى تغييبها لحسابات عديدة. كما أن النظام الانتخابي القائم أصبح غير مقنع للأغلبية بالنظر إلى ما سببّه من مشكلات في ثلاث تجارب انتخابية على الأقل. أما المشكلة العظمى فهي غياب الشخصية السياسية التي تتمتع بكاريزما يمكن لها أن تقوم بدور الحكم والجامع، وهو الدور الذي قام به نسبياً الراحل الباجي قايد السبسي ونجح فيه إلى حد ما ، سواء عندما تولى رئاسة الحكومة الانتقالية عام 2011، أو أثناء توليه رئاسة الجمهورية من أواخر 2014 إلى وفاته صيف 2019. أما بعده فقد غابت مثل هذه الشخصية من المشهد التونسي، وأصبح كل سياسي يشكل حزباً أو يجمع أنصاراً يصور نفسه قائداً لا نظير له، بينما الحقيقة غير ذلك تماماً.

  في غياب رسوخ مؤسسات الدولة، تظل شخصية الزعيم مطلوبة ليعود إليها الأمر عند الشدائد. كذلك كان حال تونس في عهد الراحل الحبيب بورقيبة وبدرجة أقل مع خلفه زين العابدين بن علي. ورغم الاتهامات الموجهة إليهما بانتهاج سياسة تعتم على أحادية القرار والديكتاتورية، إلا أن الدولة ظلت، في عهدهما، قوية ووازنة على الصعيدين الإقليمي والدولي. والمطلوب اليوم ليس استنساخ تجربة تاريخية مضت، بل التفكير ملياً في أسباب الوصول إلى هذا التردي والترهل والإحباط، ومحاولة العمل على دعم المؤسسات لتفرض هيبتها على الجميع، وإلا فإن البديل سيكون قاسياً وسيدفع ثمنه الجميع أيضاً.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"