«مطاطية» حقوق الإنسان

00:10 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

حقوق الإنسان، من المصطلحات المطاطية في عالم السياسة، أمس واليوم، وبالطبع غداً، تستخدمه الدول الكبرى كأداة من أدوات السياسة الخارجية، وغالباً ما يكون ورقة ضغط على بعض الدول المطلوب تركيعها، لوصمها بما يشوّه صورتها أمام الرأي العام العالمي، ويبرر التدخل في شؤونها، ومحاصرتها دولياً، وإضعافها اقتصادياً، وخلق القلاقل ونشر الفتن بين فئات شعبها، بما ينال من استقرارها، وصولاً إلى محاولة تغيير أنظمة الحكم فيها. 

 الولايات المتحدة الأمريكية، هي الدولة الأكثر توظيفاً لسلاح «حقوق الإنسان»، ولا تتوانى عن استخدامه كسيف تُسلطه على رقاب بعض الحكام، بهدف ابتزازهم اقتصادياً ودفعهم لتبني مواقفها سياسياً حتى لو كانت ضد مصالح بلادهم، ولعل التقرير السنوي الذي تصدره الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في العالم تنتظره دول مختلفة لاستقراء النهج السياسي الأمريكي واستكشاف المرْضيّ عنه، والمغضوب عليه، وفي الأغلب، لا تنتظر واشنطن تقرير خارجيتها لتحديد مواقفها، حيث لا تفوّت فرصة إلا وتصدر مواقف تجاه معتقلين في هذه الدولة، أو تلك، أو لتأييد متظاهرين، أو لدحض قرارات اتخذها نظام ما لمخالفته للنهج الأمريكي. 

 واشنطن لا تكتفي بما تصدره رسمياً وتسلخ به الدول باسم حقوق الإنسان، ولكنها توظف في هذا الفلك بعض المنظمات الحقوقية التي أصبحت مفضوحة عالمياً، لإزعاج بعض الدول من باب التمهيد للمواقف الرسمية. 

 ولو كان السجل الأمريكي تجاه حقوق الإنسان ناصع البياض لسِرنا في ركبها، ولكن سجلّها للأسف مظلم، ومجلّد تاريخها ونهج حاضرها تسطره صفحات وفصول من التجاوزات في حق الإنسانية والتعامل العنصري مع بني البشر على أساس اللون، والعرق، والدين، ولن تنسى الذاكرة الإنسانية جرائم الإبادة للسكان الأصليين، ولا الفظائع التي ارتكبها الأمريكيون في جهات الأرض الأربع؛ ولا يمكن نسيان ما فعلته أمريكا في هيروشيما وناجازاكي باليابان، ولا ما فعلته في فيتنام وأفغانستان والعراق، وهذه مجرد نماذج من كثير لا يتسع المجال له. 

وعرضت دور السينما العالمية مؤخراً فيلم «الموريتاني» وهو وثيقة مهمة جداً عن قصة حقيقية تخلو من أي تزييف أو تضخيم، للانتهاكات الأمريكية ضد حقوق الإنسان، والتي لا يمكن أن يتخيلها بشر. 

 من يشاهد الفيلم، أو يقرأ «مذكرات جوانتانامو» المأخوذ عنها، والتي كتبها بطل الأحداث الموريتاني محمدو ولد صلاحي، الذي عاش ١٤ عاماً داخل معتقل جوانتانامو وهو بريء، يدرك أن نظم الحكم الديكتاتورية لا يمكن أن تسبق الأمريكان في ابتكار أساليب وحشية للتعذيب، وأن ما تمارسه هذه النظم في معتقلاتها إنما هو مستوحى من أمريكا، حيث امتهان آدمية الإنسان يكون في أحط صوره، وبأشكال تتجاوز الخيال. 

 لو كان هذا الموريتاني ممن ارتكبوا جريمة ١١ سبتمبر/ أيلول ٢٠٠١، لما فتح أحد فاه، واعتبرنا ما تعرض له هو الجزاء الطبيعي لما ارتكبه، فالتعذيب شيطاني، وجريمة ١١ سبتمبر/ أيلول شيطانية، والجزاء من جنس العمل، ولكن أن تضيع ١٤ عاماً من عمر إنسان بريء مسالم رافض للعنف، وهو يتعرض لأقسى وأسوأ تعذيب تعرفه الإنسانية، فهذا هو منتهى الامتهان لحقوق الإنسان، والغريب أن كل التعذيب الذي لقيه كان لإجباره على الاعتراف بأنه من جند الإرهابيين، وهي التهمة التي يعرف سجانوه، وعلى رأسهم دونالد رامسفيلد وزير دفاع جورج دبليو بوش، أنه بريء منها، ولكن رامسفيلد أراده مرتكباً للجريمة، ولا بد أن تنفّذ إرادته.

 إدارة جورج دبليو بوش اعتقلت محمدو، وعذبته بدنياً بالصعق الكهربائي والضرب والركل الجماعي، وعدم النوم، وتحويل الزنزانة إلى جليد، والتعرية، والاغتصاب، والاستجواب ١٨ ساعة يومياً للاعتراف بما لم يرتكبه.. وعذبته معنوياً بتهديده بسجن أمه في جوانتانامو، وترك الحراس يغتصبونها، حتى ربحت له محاميته دعوى ضد الحكومة الأمريكية عام ٢٠١٠ في عهد «داعية حقوق الإنسان» باراك أوباما الذي كان وعد، وهو مرشح، بإغلاق جوانتانامو، ولكنه استأنف ضد محمدو ليبقى في السجن ٦ أعوام أخرى، وتتم تبرئته ثانية والإفراج عنه ٢٠١٦.

ليس من حق من ارتكب جرائم جوانتانامو وفظائع أبوغريب وستظل جرائمه تطارد ادعاءاته، أن يتحدث عن حقوق الإنسان، أو يدّعي أنه المدافع عنها، فمن كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"