أحد الكتّاب اليابانيين المعاصرين يجعل من الحلم بطلاً لإحدى قصصه، متكئاً بذلك على مادة غير مرئية قوامها التخيل والنوم، و«الحلم البطل» الذي بنى عليه هذا الكاتب قصته الغريبة تلك، هو الحلم الذي يحدث في النوم، إنه مباشرة حلم فرويد بما فيه من إحالات نفسية وبما فيه من دلالات واستنتاج، وليس الحلم بمعنى الأمل بحدوث شيء جميل في المستقبل، وكأن الحلم حلمان، حلم الليل، وحلم النهار وما يحدث في النهار يصنعه الوعي، أما ما يقع في الليل فيتكفل به اللاوعي، لكن في القصة اليابانية يتمكن شخص مضطهد ومهان دائماً من صناعة حلمه بنفسه، فإذا تعرض إلى إهانة من أحد يستأذن ممن حوله قائلاً لهم اسمحوا لي قليلاً، سأذهب لأنام بعض الوقت وأحلم حلماً ثم أعود.
وقد يبدو النص الأدبي متخيلاً أو «فانتازيا»، في هذه الحال قد يبدو فوق الواقع قليلاً إذ كيف يمكننا أن نصدق شخصاً يستطيع التحكم بأحداث حلمه والتحكم بلا وعيه كما يشاء كأن ينتقم، ويعشق، ويسافر ويصبح مليونيراً وكل ذلك في مجرد إغماضة عين.
يقال، إن جزءاً كبيراً من الواقع الذي نعيش فيه دائماً إنما كان في الأساس مجرد أحلام صغيرة أو مجموعة أفكار كان العقل البشري قد أنتجها (ذهنياً) أولاً، ثم تحولت هذه الأحلام والأفكار إلى واقع حي وملموس، وما واقعنا إلا جملة أحلام سابقة هي أحلام النوم وليست أحلام المستقبل.
فإذا اقتربت القصة اليابانية من الواقع، فإنه يلزمنا الكثير من النوم لكي نحلم أحلاماً كثيرة جداً، هي أحلامنا التي نريدها، لنحقق من خلالها كل ما كنا حرمنا منه ولم نصل إليه في التمني أو في العمل أو في أي نشاط كان ممكناً بالنسبة إلينا.
الحلم فن إذاً، ويبدو أن شعوباً كثيرة في أجزاء من هذا العالم لم تكن تتقن فن الحلم. أما اليابان فإنها كما يبدو من أكثر الشعوب التي برعت في فن الحلم، فما هذه التكنولوجيا المتقدمة جداً والمتناهية في الخفة والصغر والشفافية إلا تحقق أحلام شفافة، أحلام جاءت بالإرادة البشرية، وهي أيضاً أحلام مصنوعة في إغماضات العيون اليابانية الصغيرة المضمومة على الأفكار.
وعندما يغمض الإنسان عينيه فإنه يكون في حالة التفكير أو حالة التأمّل، وحتى الحيوان عندما يغمض عينيه فإنه يحلم لكنّ ثمة فرقاً هنا بين كائن ينام ويحلم ثم يصنع من حلمه شيئاً ذا جدوى، وبين كائن ينام ويحلم، وفي الصباح ينسى حلمه ولا يتذكر منه شيئاً، لا بل هناك من ينام ولا يحلم أبداً، وهناك من ينام ويظل نائماً إلى الأبد.
ويُروى أن إحدى قبائل الأدغال في الشعوب القديمة كانت تعبد الليل الذي يحقق لها في النوم أحلاماً وردية في صورة حياة كريمة أفضل كثيراً من حياة هذه القبائل في النهار، وتقول الأسطورة إن الزمن تحول كله إلى ليل عند هذه القبائل، وذلك من كثرة عبادة الحلم، وهكذا، لم يعد بمقدور هؤلاء الناس ما يفعلونه، ولم يعد بإمكانهم العيش في الواقع، فتحولوا بالتكرار إلى أطياف وخيالات سوداء.
ومن المتوقع، بالطبع، أن تتحول هذه القبائل إلى أطياف وخيالات لأن الفرق كبير جداً بين فن الحلم والبقاء في عبادته.
[email protected]