إفريقيا حاجة عالمية

00:54 صباحا
قراءة دقيقتين

أثمرت قمة «تمويل الاقتصادات الإفريقية» باقة من التعهدات بمئات المليارات من الدولارات، منها 100 مليار بصورة عاجلة لتمكين دول القارة من مواجهة تداعيات جائحة «كورونا» التي ضاعفت هشاشة الأوضاع الاجتماعية، وتسببت في إرباكات سياسية وأمنية خطيرة ستتجاوز الحدود إذا لم تتفاعل المجموعة الدولية بسرعة لوضع خطط متكاملة للإنقاذ السريع.
  الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حرص على انعقاد القمة، يعتبر هذا التحرك يخدم مصلحة بلاده، المستعمر السابق في غالبية الدول الإفريقية، وتحدث عن «صفقة جديدة» تمنح القارة السمراء فرصة لالتقاط الأنفاس. وإذا لم تتحقق هذه المعادلة، فلن يكون للتعافي العالمي من الوباء أي معنى. ورغم أن القارة الإفريقية هي الأقل من حيث الخسائر البشرية جراء كورونا. وبحسب الأرقام المعلنة فإن إفريقيا سجلت أقل من خمسة ملايين إصابة ونحو 126 ألف وفاة، لكن الأضرار الاقتصادية كانت أفدح من أي منطقة أخرى.    
    وما يعمق الأزمة أكثر أن القارات الأخرى، أوروبا وأمريكا وآسيا، تملك الإمكانيات المالية لحماية اقتصادياتها وإنعاشها، وبدأت تخرج من بوتقة الجائحة وتستعيد تدريجياً أنظمة الحياة العادية، بفعل تسريع حملات التطعيم وإنتاج اللقاحات، بينما إفريقيا تتقاذفها الأزمات من شتى الجوانب. فمع المحنة الصحية الشاملة، هناك أوضاع اجتماعية بلغت درجة غير مسبوقة من السوء، وأفرزت تحديات أمنية كبيرة، أهمها انتشار الإرهاب وعدم الاستقرار في أقاليم عديدة. وليس من مصلحة العالم أن يكتفي بالتفرج على ما يجري، لأن التهديدات سرعان ما ستعبر شمالاً وشرقاً وغرباً، ويصبح الوضع أزمة عالمية بلا حدود.
  انتشال إفريقيا من حافة الهاوية سيحمي خطط التعافي في القارات الأخرى، وسيرفع منسوب التفاؤل بعالم أكثر أمناً وعدلاً ورحمة. فعلى مدى التاريخ المعاصر، كانت إفريقيا منطقة منكوبة، بسبب المرحلة الاستعمارية المظلمة التي امتدت قروناً واستنزفت ثروات الأفارقة وصادرت حقوق أجيالهم الحالية وأورثتهم الديون الطائلة والحروب الأهلية والأمراض والمجاعات ومظاهر التخلف والأمية. ومثلما أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، فمن حق إفريقيا على المجتمع الدولي، وخصوصاً القوى الاستعمارية السابقة، مساعدتها على تخطي أوضاعها الراهنة وضمان مستقبل أممها وشعوبها، ولن يكون ذلك منّة من المانحين، بل واجباً أخلاقياً وإنسانياً يمكّن من بناء عالم متضامن يؤسس لعصر جديد.
  التنمية أساس الأمن، ودعم إفريقيا وإنعاش اقتصادياتها مصلحة تعود بنفع شامل على الجميع، فهذه القارة الشابة يراهن عليها الاقتصاد العالمي ويعتبرها «قارة المستقبل» بالنظر إلى ما تمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية هائلة، بينما يعاني غيرها تآكل الموارد وهرم السكان. ولذلك فإن التضامن معها يجب أن يأخذ في الاعتبار كل هذه الحقائق. وقد تكون من النتائج الإيجابية للجائحة الصحية أن تتعافى العلاقات الدولية من أمراضها المزمنة، وتستبدلها بمعادلات جديدة تأخذ في الاعتبار أن المجتمع الإنساني واحد لا يتجزأ، وما يصيب بلداً أو منطقة يؤثر مباشرة في القريب والبعيد، وإفريقيا مثال حي على ذلك، والوقوف معها في محنها ضرورة ومصلحة للعالم أجمع.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"