وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 

الحربُ ومبدأ القوّة

00:47 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبد الإله بلقزيز

الحروب ظواهر اجتماعيّة وتاريخيّة ترتدّ، في الأصول والمنشأ، إلى مبدإ القوّة. ما من مجتمعٍ في التّاريخ الإنسانيّ لم يعرف حرباً أو حروباً؛ إمّا في داخله (حرب أهليّة)، أو مع مجتمعٍ آخر أو مجتمعات أخرى. وقد تكون لتلك الحروب أسبابُها التي تدعو إلى اندلاعها بالتِّلقاء، وبمقتضى قانون انفجار التّناقضات المتراكمة والمستفحلة، أو إلى شنّها بالقصد من طرف واحد من الفريقين المُحْتَربين تغيّا منها تحصيل أهدافٍ بعينها.

 قد يكون سبب الحرب داخليّاً: الصّراع على السّلطة والثّورة بين مكوّنات مجتمع مّا. وأكثرُ الحروب الأهليّة في التّاريخ من هذا الضّرب؛ وبعضُها يبدأ ثورةً أو تمرّداً محدوداً في منطقةٍ، ثمّ لا تلبث شرارات ذلك أن تَشبّ فتتحوّل إلى حريقٍ هائل يلتهم الجميع. ولعلّ بعض هذه الحروب الأهليّة يبدأ اقتتالاً داخليّاً فيصير، عند عتبةٍ من اشتداده، مدعاةً إلى استدراج قوًى خارجيّة فيه. وربّما تكون حربُ الأهل على الأهل نفسُها صدًى لتأثير عوامل الخارج فيها، أو حرباً بالوكالة عن ذلك الخارج.

 وقد يكون سببُها خارجيّاً: رغبة مجتمعٍ ودولة في التوسّع والسّيطرة على غيره في محيطه. وقد تُحرِّك الرّغبةَ هذه عوامل تاريخيّة، من جنس الطّموح في استعادة أراضٍ أو أقاليم يعتقد مَن شنَّ الحرب أنّها في جملة كيانه التّاريخيّ قبل أن تُنْزَع منه، أو عوامل اقتصاديّة- ومصلحيّة، من جنس السّعي إلى الاستيلاء على مناطق نافعة (زراعيّة، أو غنيّة بالمعادن، أو تحتوي مصادر مياه...)؛ أو عوامل جيواستراتيجيّة، على منوال الحروب التي تتغيّا السّيطرة على مضائق أو خُلجان أو سواحل لتأمين طرق التّجارة أو التّحكّم فيها.

كما قد يكون الحاملُ على الحرب وازعاً تحريريّاً لأراضٍ اغتُصِبَت من قوّة خارجيّة، فيُنْظَر إليها - في مثل هذه الحال - بوصفها حرباً دفاعيّة مشروعة تنتمي إلى حقٍّ مَرْعيّ: حقّ الدّفاع عن النّفس من عدوانٍ خارجيّ منتهِك للسّيادة والاستقلال.

 في كلّ الأحوال، مَبْنى الحرب - أيّ حرب- على القوّة، وإن تباينَتِ الأهداف من وراء شنِّها، وإنِ اختلفت طبائعها (مشروعة، غير مشروعة، عدوانيّة، عادلة أو دفاعيّة...)، فهي فعْلٌ لا يُفصح إلّا عن إرادةٍ واحدة: إرادة القوّة، الإرادة التي تَحْمل على إتيان فعلِ الإرغام تجاه مَن تقع عليه، وإن كانت لحروب التّحرير مبرّراتُها التي لا تقع تحت هذا الحُكم بالضّرورة، إلاّ حين تكون لصاحب الحقّ المشروع خيارات أخرى سالكة إلى هدفه من غير توسّل القوّة والإرغام (وذلك يكون في النّادر).

 قد لا يصحّ، تماماً، أن يقال إنّ تاريخ البشريّة هو تاريخ حروبها، ولكنّ الذي لا مِرْيةَ فيه هو أنّ تطوّر البشريّة ونظام استقرارها في مجتمعاتٍ ودول خَضَع لأحكام الحروب وتولَّدت معطياتُه من نتائجها. لم تكن صورةُ أمَم اليوم وشعوبه ودُولِه هي عينُها ما كانَتْهُ في العالم القديم، أو في العهد الوسيط، أو حتّى في العهد الحديث. بل إنّ خريطة العالم، اليوم، تختلف عن خريطته قبل قرنٍ فقط، قبل الحرب العالميّة الأولى، سواء في حجم دولها وكياناتها أو عددها. 

وما ذلك إلاّ لأنّ الحروب تبدّل الخرائط؛ فتوسّع من أحجام دولةٍ التهمتْ غيرَها الذي صار فيها، أو تُقلِّص من سَعَتها بتفقيس بَيْض دولٍ أخرى من إمبراطوريّة دَثَرت. ومعنى ذلك أنّ التّاريخ الإنسانيّ ظلّ محكوماً - في شطرٍ كبيرٍ من أوضاعه ووقائعه - بمبدإ القوّة ومفعوليّته هذه في مساره وفي هندسةِ متغيّراته. وما من شكّ في أنّ حروب الأمس لا تُقاس، أهوالاً وفظاعاتٍ وضحايا ودماراً، بالحروب الحديثة. اللّحظة المفصليّة في التّطوّر، بالتّالي، في التّمييز بين نوعيْن منها كانت اختراع سلاح البارود. 

 وإذا كانت الحرب قد توقّفت عن أن تكون عادلة - بمعنى متكافئةَ الفرص- منذ اكتشاف البارود وصناعة السّلاح النّاريّ، فقد تفاقمت حالُ الحَيْف فيها منذ دخلتِ الصّناعات العسكريّة طور الاستخدام التّكنولوجيّ الكثيف. عند هذه العتبة بات معنى القوّة قَيْد معنى القدرة العلميّة والصّناعيّة والتِّقانيّة؛ لأنّ هذه وحدها ما بات يقرّر في مستوى القوّة النّاريّة للسّلاح المستخدم. 

وهكذا حين انتقلتِ الأسلحة من البنادق والقنابل اليدويّة إلى الرّشاشات فالمدافع فالصّواريخ وراجمات الصّواريخ؛ وحين انتقلت من البوارج الحربيّة إلى الدّبابات والمدرّعات ثمّ إلى الطّائرات الحربيّة؛ ثمّ حين انعطف الاستخدام - في العصر الرّقميّ - من استخدام الأيدي والأصابع إلى استخدام الأزرار، ومن قياسات المسافة بناءً على المناظير أو على الإحداثيّات العسكريّة إلى الأقمار الصّناعيّة الموجّهةِ للأسلحة المبرمَجة عليها إلى أهدافها... كان هذا الانتقال في القدْرات النّاريّة المَهُولة للأسلحة يترجم الانتقال من جِيل صناعيّ وتِقانيّ إلى آخر أكثر تقدّماً. 

هكذا تَكَرَّس الخروج النّهائي من الحرب بوصفها فنّاً (للقتال) إلى الحرب بما هي عِلمٌ وصناعة. أمّا حين نجحتِ الصّناعات الحربيّة في إنتاج أسلحة الدّمار الشّامل (النّوويّة والبيولوجيّة والكيماويّة) فقد أصبحتِ القوّةُ نفسُها ملجومةً بالقوّة، واتّسع نطاق الحيْف في علاقات القوّة.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"