تظاهرات كوبا وسياقها

00:17 صباحا
قراءة دقيقتين

تطرح التظاهرات غير المسبوقة التي اندلعت في كوبا؛ احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، جملة من الهواجس المشروعة حول ملابسات هذا التطور الشعبي المفاجئ، الذي يتماهى مع وضع إقليمي ودولي يميل إلى الاضطراب تحت ضغط الجائحة الصحية، وانهيار الأوضاع الاجتماعية في دول عدة. وربما تنطلق الشرارة من أمريكا اللاتينية؛ حيث يوجد تبرم في البرازيل، وتوتر شديد في فنزويلا، واغتيال رئيس في هايتي وسط ظروف مريبة.
 التظاهرات، التي عرفتها الجزيرة الشيوعية في البحر الكاريبي، كانت حدثاً غير مألوف، واستقطبت بسرعة مواقف الدول الكبرى، وأهمها تدخل الولايات المتحدة بالدعوة إلى احترام التحرك السلمي، المطالب بإنهاء «القمع والمعاناة والاستبداد»، وأصدرت روسيا بياناً شديد اللهجة حذرت فيه من «أي أعمال مخربة من الخارج». ولاعتبارات سياسية واستراتيجية وتاريخية منذ أزمة الصواريخ السوفييتية بداية ستينات القرن الماضي، ما زالت كوبا نقطة حساسة في العلاقات بين واشنطن وموسكو، كما أنها موضع اهتمام كبير من الصين ودول الاتحاد الأوروبي. وقد تكون هذه التظاهرات ذريعة مناسبة لعلو الأصوات من هنا وهناك، على الرغم من أن الأوضاع العالمية كلها متضررة، ولا يوجد منتصر إلى الآن في مواجهة وباء «كورونا»، ناهيك عن تداعياتها الخطرة التي ستفرز أزمات و«ثورات» وربما حروباً كبرى عندما يكتشف الجميع فداحة الخسائر، وضياع فرص كان يفترض أن تحقق قفزة نوعية وفارقة إلى المستقبل.
 دلالة اندلاع تظاهرات «نادرة» في كوبا يعني أن الغضب والتذمر من التدهور المعيشي قد بلغ درجة الغليان، وقد تتطور إلى الأسوأ بالنظر إلى الانقسام الحاد في الشارع بين «الجياع الغاضبين» وبين أنصار الرئيس ميغيل دياز كانيل، وريث حكم آل كاسترو، الذي أصدر أوامر صريحة بمواجهة «مخططات المافيا الكوبية الأمريكية» بطريقة حازمة وشجاعة. وعلى الرغم من أن أغلب التوقعات تشير إلى أن النظام الشيوعي سيستطيع السيطرة على الوضع بسهولة، فإن هناك نذراً كثيرة تشير إلى أن الأمر في كوبا مرشح للتطور إلى ظاهرة إقليمية، وربما عالمية. 
 وفي أمريكا اللاتينية هناك احتمال كبير بانفجار اجتماعي شامل، وهناك تباين وانقسام في أنظمة دول المنطقة، بين قوى تيار متهم بالسعي إلى إحياء «تراث الاستبداد»، وتيار آخر يحاول أن يدافع عن الديمقراطية التي ازدهرت في تلك المنطقة؛ إثر انتهاء الحرب الباردة، ولكنها لم تستطع الصمود طويلاً؛ لأنها فرضت فرضاً ولم تتوفر لها أسباب البقاء والنمو، في ظل أوضاع عامة تسودها مظاهر الفقر والجريمة والبطالة والتبعية لقوى أجنبية.
 دول أمريكا اللاتينية تقف في مفترق، ومشاغل الناس هناك، كما في أغلب البلدان الأخرى، لم يعد لها ترف البحث عن الديمقراطية والتغني بمزاياها. وفي عالم ما بعد «كورونا» لن تنخرط الشعوب في الجدل حول طبيعة أنظمة الحكم والمقارنة بين الديكتاتوريين والديمقراطيين؛ بل سينصب كل الجهد على تأمين قوت العيش والتعلق بالحياة، تماماً كما كان يحصل في القرون الوسطى، قبل نشوء الديمقراطية وظهور الشيوعية وتفجر الثورة الكوبية.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"