العرب وتحديات الأمن المائي

00:11 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. إدريس لكريني

شكل الأمن المائي هاجساً حيوياً، شغل الإنسانية منذ الحضارات القديمة في مصر الفرعونية ومملكة سبأ في اليمن وغيرهما، وقد أصبح اليوم من أهم الركائز الكبرى التي يقوم عليها الأمن الشامل بالنسبة للدول.

 ويحيل الأمن المائي إلى مختلف التدابير الكفيلة بالاستعمال «المحوكم» والمستدام للمياه، وترشيد استخدامها بسبل تدعم تحقيق التنمية. وينطوي تحقيق هذا الأمن على أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة للدول، فهو المدخل الأساسي لتلبية العديد من الحاجات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية، حيث تمثل المياه مصدراً للحياة وأساساً لكل تنمية إنسانية. 

  رغم الجهود المبذولة على المستويات الوطنية والدولية، فإن ندرة المياه ما زالت تشكل أحد أهم المخاطر التي تتهدد أكثر من ثلثي ساكنة العالم، بل إن الكثير من الدراسات الاستراتيجية تحذر من أن الصراعات والحروب العالمية والإقليمية القادمة ستكون حول مصادر المياه بالأساس. وهناك ارتباط وثيق بين ندرة المياه وتعمق الأوضاع الاجتماعية والسياسية، فكثيراً ما ساهم الجفاف في زيادة أسعار المواد الأساسية، واندلاع احتجاجات اجتماعية عارمة.

  تتوقع الكثير من الدراسات العلمية والتقارير الصادرة عن عدد من المنظمات الدولية حدوث استنزاف كبير للمياه الصالحة للشرب في المستقبل بفعل تلوث البيئة والنشاطات البشرية.

  ومنذ عام 1993 والعالم يحتفي باليوم العالمي للمياه الذي يصادف ال22 من شهر مارس/آذار من كل عام، كمناسبة لترسيخ الوعي بالصعوبات التي تواجه أكثر من ملياري شخص على امتداد مناطق مختلفة من العالم، على مستوى الوصول إلى المياه الصالحة للشرب، وإرساء تدبير مستدام للموارد المائية عبر العالم.

 وتنبّه الكثير من التقارير والأبحاث العلمية إلى أن مستقبل الأمن المائي العربي بات مهدّداً بشكل كبير لاعتبارات طبيعية، أو مرتبطة بتزايد عدد السكان أو بأنشطة بشرية مختلفة، إضافة إلى تزايد الحاجيات المائية في مختلف المجالات الحياتية والفلاحية والصناعية، وأخرى متصلة بتدخلات خارجية..

  وتزداد حدة هذه التحديات إذا استحضرنا انتشار الصحارى في الكثير من الدول العربية، وتميز مناخ عدد منها بالجفاف، علاوة على أن هناك نسبة كبيرة من سكان المنطقة تعتمد على مياه أنهار تقع منابعها في دول أخرى، كما هو الأمر بالنسبة لدجلة والفرات ونهر النيل، وهو ما يؤثر بشكل سلبي في الأمن الغذائي بالمنطقة.

  وفي هذا السياق، لا تخفى أطماع بعض الدول بصدد هذه الموارد بالنسبة في عدد من الدول العربية كالعراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين ومصر..

  يمثل نهر النيل المورد الرئيسي للمياه في مصر، ونظراً لأهمية هذا النهر، فقد تم عقد مجموعة من الاتفاقيات التاريخية التي تحدد حصص الدول المعنية من مياه النيل. وفي بداية التسعينات من القرن الماضي (عام 1993) تم توقيع اتفاق بين مصر وإثيوبيا يدعم التعاون بين الطرفين لتنمية موارد النهر، وعدم القيام بتدابير تضر بمصالح الطرفين على مستوى استغلال مياهه.

  وبعد سنوات من الصراعات العرقية والطائفية، والمعاناة مع الجفاف، تعززت الرغبة الإثيوبية في استغلال مياه النيل وبسط الهيمنة عليها من خلال سد النهضة الذي تمكنت من بنائه، ما طرح تخوفات مصرية من تهديد أمنها المائي..

  لا تخلو التوجهات الإثيوبية بصدد استغلال مياه النيل عبر سد النهضة من تحديات ومخاطر تلقي بظلالها القاتمة الراهنة والمستقبلية بالنسبة لمصادر المياه على كل من السودان ومصر.

وقد اعتبرت هذه الأخيرة القرارات الأحادية الإثيوبية تهديداً للأمن المائي للسودان ومصر، حيث تعرض أكثر من 150 مليون شخص للخطر.

  وأمام هذه التحديات، يبقى التعاون السوداني المصري ضرورياً، فيما يمكن للبلدين التحرك على عدة مستويات دبلوماسية، في الدوائر الإفريقية والعربية والدولية لكسب الدعم في هذا السياق.

 أما على المستويات الوطنية، فيتطلب الأمر اتخاذ تدابير تقلل من حدة الجفاف، من قبيل بناء السدود، وتحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الصحي، والحد من تلوث البيئة، وعقلنة استخدام المياه، والحد من سبل الاستخدام غير المشروع للموارد المائية، والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا الخصوص، كما يقتضي الأمر إرساء خطط استراتيجية تستحضر التحديات المناخية ومخاطر الجفاف وندرة المياه بشكل عام، وتنحو إلى تحقيق الأمن بمفهومه الشامل والمتطور، ثم تعزيز المنظومة القانونية بما يكفل عقلنة استخدام المياه، علاوة على بلورة تعاون عربي – عربي يدعم تبادل الخبرات والإمكانات في هذا الشأن.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"